لم يكن أيمن زعيتر يتخيل أن السنوات التي قضاها في بخ الموبيليا منذ طفولته ستصبح يومًا جزءًا من حياة بعيدة جدًا عن واقعه الحالي.
أيمن، ابن داريا البالغ 35 عامًا، كان طفلًا يخرج من المدرسة إلى الورشة. تعلم المهنة مبكرًا، حتى صار يعمل فيها بشكل مستقل، وافتتح محله الخاص في المدينة. كانت حياته تسير في اتجاه واضح، عمل ومهنة ومستقبل يحاول بناءه بيده.
لكن مع بدايات الثورة السورية، تغير كل شيء.
كان أيمن يؤدي خدمته العسكرية في جيش النظام السابق عندما بدأت الاحتجاجات في داريا. تابع ما يجري في مدينته عن قرب، قبل أن ينضم إلى الجيش الحر مع بدايات تشكله، ويشارك في المظاهرات ثم في المعارك التي شهدتها المدينة.
في نيسان 2013، خلال ما عرف حينها بـ”معارك الفصول”، كان جيش النظام يحاول التقدم نحو المدينة عبر منطقة الفصول الأربعة والمزارع المحيطة بها. عندها خرج أيمن مع مجموعة من المقاتلين لصد الهجوم.
يتذكر ذلك اليوم بعد أكثر من عقد كما لو أنه حدث بالأمس. يقول إن القصف كان عنيفًا والمعارك شديدة، قبل أن تصيبه شظية دبابة في رأسه.
لم تكن الإصابة عابرة. الشظية تسببت له بشلل نصفي، غير شكل حياته بالكامل.
أيام الحصار
لم تأت الإصابة في وقت عادي، ففي ذلك الوقت، كانت داريا تعيش واحدة من أصعب مراحل الحصار.
كان الدواء نادرًا، والطعام شحيحًا، فيما كانت الأولوية الطبية تعطى للمصابين الأشد خطورة بسبب قلة الإمكانات.
يقول أيمن إن المصابين كانوا يتقاسمون ما يتوفر من علاج، بينما كانت وجبات الطعام أحيانًا تقتصر على القليل من الشوربة، أو ما يمكن العثور عليه من نباتات وأوراق شجر.
لم تكن المعاناة مرتبطة بالإصابة وحدها، فالمدينة نفسها كانت تتعرض يوميًا للقصف.
يتذكر كيف كان الأهالي يقضون أيامًا في إصلاح منزل متضرر والانتقال إليه، قبل أن يأتي برميل متفجر ويدمره من جديد.
كانت العائلة تنتقل من منزل إلى آخر، ومن حي إلى آخر، فيما يختفي تحت الأنقاض ما تبقى من الملابس والأثاث والطعام.
يقول إن أصعب ما في الأمر كان شعوره بالعجز أثناء القصف، ففي الوقت الذي كان الناس يركضون للاختباء، كانت حركته المحدودة تمنعه أحيانًا من الهرب بالسرعة نفسها.
يتذكر مشاهد البراميل المتفجرة وهي تهوي من السماء، وصوتها الذي يصفه بأنه كان كافيًا لبث الرعب قبل أن تصل إلى الأرض.
في بعض اللحظات، كان الخوف يشله أكثر من الإصابة نفسها.
كان يرى الناس يركضون من حوله، بينما يبقى واقفًا في مكانه، غير قادر على الحركة. ورغم ذلك نجا.
امتحان طويل
عندما يُطلب من أيمن تلخيص ما مر به منذ انضمامه إلى الثورة حتى اليوم، لا يستخدم كلمات كبيرة.
يقول ببساطة إنها كانت “امتحانًا صعبًا جدًا”. امتحان لا يتمنى أن يمر به أي شاب آخر.
لكن ما يراه أصعب من الإصابة أحيانًا ليس الألم الجسدي، بل نظرة بعض الناس إلى المصابين.
يعتقد أن كثيرًا من المصابين يواجهون تحديات إضافية عندما يحاولون العودة إلى حياتهم الطبيعية، خصوصًا في موضوع الزواج وتأسيس الأسرة.
فبعض العائلات، بحسب قوله، ما تزال تنظر إلى الشاب المصاب على أنه أقل قدرة من غيره، حتى لو كان يعمل ولديه مصدر دخل وحياة مستقرة.
ويرى أن هذه النظرة تظلم كثيرًا من المصابين الذين تجاوزوا إصاباتهم وواصلوا حياتهم.
يقول إن الإصابة ليست نهاية الحياة، بل مرحلة منها، وإن الشاب قادر على الاستمرار بعدها إذا توفرت له الفرصة والدعم.
شخص مختلف
لا يتحدث أيمن عن الشلل النصفي فقط عندما يقارن نفسه اليوم بالشاب الذي كانه قبل الإصابة.
يقول إن التغيير الأكبر حدث في طريقة تفكيره.
قبل الإصابة، كان يرى نفسه شابًا متهورًا بعض الشيء، لا يفكر كثيرًا بالعواقب. أما اليوم، فأصبح أكثر هدوءًا وحذرًا.
كل خطوة تحتاج إلى تفكير، وكل قرار يحتاج إلى حسابات، حتى الأمور الصغيرة التي كان يتعامل معها بعفوية في السابق أصبحت تحتاج إلى تخطيط.
الإصابة فرضت عليه نمط حياة مختلفًا، من مواعيد العلاج إلى تفاصيل الحركة والعمل والحياة اليومية. لكنه لا يتحدث عن ذلك بوصفه خسارة كاملة، بل كتحول فرضته الظروف وجعله يعيد ترتيب أولوياته.
من مصر إلى داريا
بعد الإصابة وخروجه من سوريا، وصل أيمن إلى مصر، وحاول أن يعود إلى مهنته الأولى في بخ الموبيليا، لكنه لم يستطع بسبب الإصابة وتأثيرها على حركته.
عمل في شركة ألبسة في مصر قرابة سنتين، بداية كموظف عادي، قبل أن يتسلم لاحقًا مهمة أمين مستودع في الشركة.
في مصر أيضًا، تزوج أيمن عام 2020، وبدأ فصلًا مختلفًا من حياته، هو اليوم لديه طفل.
وبعد سقوط النظام، عاد إلى سوريا، وبدأ من جديد في داريا، لكن هذه المرة من باب آخر غير المهنة التي بدأ بها صغيرًا.
افتتح محلًا للأحذية مقابل فرن “محمد جمعة”، قرب جامع العباس، محاولًا تثبيت حياة جديدة في المدينة التي خرج منها مصابًا وعاد إليها صاحب عائلة وعمل.
ربما لم تعد حياة أيمن تشبه تلك التي كان يتخيلها عندما كان شابًا يعمل في بخ الموبيليا داخل داريا، لكنها أيضًا لم تتوقف عند الشظية التي أصابته في رأسه قبل سنوات.
بالنسبة إليه، لم تكن الإصابة نهاية الطريق، بل واحدة من أصعب محطاته.
