لم يعد الانتقال إلى الصف التاسع يشكل تحديًا دراسيًا اعتياديًا لبعض طلاب داريا، بل أصبح أيضًا مرحلة لتجاوز فجوة بين مناهج درسوها خارج سوريا والمنهاج السوري الذي يعودون إليه.
وفي محاولة لمعالجة هذا التفاوت قبل بدء العام الدراسي الجديد، أطلق المركز الثقافي في داريا دورة تأسيسية مجانية تستهدف الطلاب العائدين من الخارج والمنقطعين عن الدراسة، إلى جانب طلاب يحتاجون إلى تقوية في المواد الأساسية.
وتستمر الدورة ثمانية أسابيع، بدعم من الإدارة المدنية، وتشمل مواد اللغة العربية والرياضيات واللغة الإنجليزية والفيزياء والكيمياء، ويشارك فيها 55 طالبًا وطالبة موزعين على مجموعتين، مع استمرار استقبال الراغبين في الالتحاق بها خلال فترة التسجيل.
سد الفجوة قبل بدء العام الدراسي
يقول المشرف العام على الدورة، الأستاذ خيرو الجزر، إن الهدف من البرنامج هو مساعدة الطلاب على تجاوز الفجوات التعليمية التي ظهرت نتيجة اختلاف المناهج أو الانقطاع عن الدراسة، بما يهيئهم لدخول الصف التاسع بثقة أكبر.
وأوضح الجزر لعنب بلدي أن الدورة تستهدف الذكور والإناث على حد سواء، وتركز على المواد الأساسية التي يواجه فيها كثير من الطلاب صعوبات، مشيرًا إلى أن التدريس يتم على يد مدرسين مختصين في كل مادة.
ويقول مدير المركز الثقافي في داريا، إبراهيم زعيتر، إن فكرة الدورة جاءت بعد ملاحظة حاجة عدد من الطلاب إلى مراجعة أساسيات المنهاج السوري، ولا سيما الطلاب القادمين من دول عربية وغربية، إضافة إلى أبناء الأسر محدودة الدخل الذين قد لا يستطيعون الالتحاق بدورات خاصة.
وأضاف زعيتر أن الإدارة المدنية تولت تمويل الدورة بالكامل، بينما وفر المركز الثقافي القاعات والتجهيزات اللازمة لاستقبال الطلاب وتنظيم الدروس.

اختلاف المناهج يربك العائدين
بحسب طلاب مشاركين في الدورة فاختلاف المناهج كان أحد الدوافع الرئيسية للالتحاق بها، خصوصًا لدى من عادوا من خارج سوريا أو درسوا خلال السنوات الماضية في بيئات تعليمية مختلفة.
تقول ديالا مراد، القادمة من الولايات المتحدة، إنها واجهت صعوبة في التأقلم مع المنهاج السوري، خاصة في مادتي اللغة العربية والرياضيات، لذلك سجلت في الدورة لتقوية مستواها قبل بدء العام الدراسي.
أما ليان أبو الهوى، القادمة من تركيا، فتشير إلى وجود فروقات واضحة بين المنهاجين السوري والتركي، موضحة أن العربية والرياضيات كانتا من أكثر المواد صعوبة بالنسبة لها، بينما ترى أن مستوى اللغة الإنجليزية في المدارس التركية كان أفضل.
وتقول ماسة حبيب، القادمة من محافظة إدلب، إن اختلاف المناهج بين المناطق دفعها أيضًا إلى الالتحاق بالدورة، للتعرف إلى طبيعة المنهاج ونماذج الأسئلة قبل دخول مرحلة الشهادة الإعدادية.
ولا يقتصر أثر هذه الفروقات على فهم الدروس الحالية فقط، بل يمتد إلى طريقة تعامل الطلاب مع الأسئلة، والمصطلحات، وتسلسل المعلومات في كل مادة، ما يجعل مرحلة ما قبل الصف التاسع محطة حساسة للطلاب الذين لم يدرسوا المنهاج السوري بصورة منتظمة خلال الصفوف السابقة.
الحاجة لا تقتصر على العائدين
رغم أن الدورة تستهدف بشكل أساسي الطلاب العائدين من الخارج والمنقطعين عن الدراسة، فإن الحاجة إليها لا تقتصر على هذه الفئة وحدها، إذ يرى بعض طلاب داريا أنها فرصة لتعويض الضعف في مواد أساسية قبل الدخول إلى الصف التاسع.
تقول تقى طالب إنها التحقت بالدورة لتقوية مستواها في اللغة العربية، ولاحظت تحسنًا أيضًا في اللغة الإنجليزية، متمنية إضافة اللغة الفرنسية إلى البرنامج في حال توسع لاحقًا.
أما محمد التون، فيرى أن الرياضيات من أكثر المواد التي تحتاج إلى متابعة مستمرة، ويقترح توسيع الدورة مستقبلًا لتشمل بعض المواد الأدبية أيضًا، بما يساعد الطلاب على دخول العام الدراسي الجديد باستعداد أفضل.

المدرسون: الفجوة تراكمية
يرى مدرس اللغة العربية، عمار الدوماني، أن المشكلة لا ترتبط بالصف التاسع وحده، بل بفجوات تراكمت خلال الصفوف السابقة، خاصة لدى الطلاب الذين درسوا خارج سوريا أو انقطعوا عن التعليم خلال سنوات الحرب.
وأوضح الدوماني لعنب بلدي أن اختلاف المناهج بين سوريا وعدد من الدول العربية والأجنبية يجعل كثيرًا من الطلاب بحاجة إلى إعادة تأسيس قبل متابعة المنهاج السوري، لافتًا إلى أن اللغة العربية من أكثر المواد التي تتأثر بهذا الاختلاف بسبب طبيعتها التراكمية.
وبحسب الدوماني، فإن ضعف الطالب في قواعد اللغة أو القراءة أو التعبير لا يظهر فجأة في الصف التاسع، بل يكون غالبًا نتيجة تراكم طويل، ما يجعل الدورات التأسيسية فرصة لمراجعة الأساسيات قبل الدخول في ضغط المنهاج والامتحانات.
من جانبه، يقول مدرس الفيزياء والكيمياء، محمد الجزر، إن مستويات الطلاب تتفاوت بصورة ملحوظة، سواء بين القادمين من خارج سوريا أو بين الطلاب الذين انقطعوا عن الدراسة، لذلك تركز الدورة على رفع المستوى في المواد الأساسية قبل بداية العام الدراسي.
وأوضح الجزر أن التعامل مع هذه الفروقات يحتاج إلى تبسيط المفاهيم وإعادة شرح الأساسيات، بدل الاكتفاء بمتابعة المنهاج من نقطة متقدمة قد لا يكون جميع الطلاب مهيئين لها.
الصف التاسع كمرحلة مفصلية
تكتسب الدورة أهمية إضافية لأنها تستهدف طلابًا مقبلين على الصف التاسع، وهي مرحلة ينظر إليها كثير من الأهالي والطلاب بوصفها محطة دراسية مفصلية، بسبب ارتباطها بامتحان الشهادة الإعدادية والانتقال إلى المرحلة الثانوية.
وبالنسبة إلى الطلاب الذين درسوا مناهج مختلفة، لا يقتصر التحدي على كمية المعلومات المطلوبة، بل يشمل أيضًا فهم طريقة عرض المنهاج السوري، ونمط الأسئلة، وترتيب الدروس، والمصطلحات المستخدمة في المواد العلمية واللغوية.
لذلك تحاول الدورة، بحسب القائمين عليها، ألا تكون مجرد مراجعة سريعة قبل العام الدراسي، بل مساحة لإعادة وصل الطلاب بالمنهاج الذي سيدرسونه، وتخفيف أثر الانقطاع أو الانتقال بين أنظمة تعليمية مختلفة.
وبحسب الطلاب والمعلمين فالتحدي لا يكمن في الاستعداد لامتحان الصف التاسع فقط، بل في مساعدة الطلاب الذين تنقلوا بين مناهج مختلفة أو انقطعوا عن الدراسة على الاندماج مجددًا في النظام التعليمي السوري.
كما تعكس الدورة حاجة أوسع لدى طلاب داريا إلى برامج تعويضية منتظمة، خصوصًا في المواد التراكمية مثل اللغة العربية والرياضيات والعلوم، بدل الاكتفاء بمعالجات قصيرة قبل بداية العام الدراسي.

