افتتح أهالي مدينة داريا، مساء الخميس 22 كانون الثاني، مسجد عثمان بن عفان في الجهة الشرقية من المدينة، بعد إعادة بنائه بشكل كامل بجهود أهلية وتبرعات محلية، وذلك بحضور شخصيات رسمية ودينية وجمع من سكان الحي، في مشهد أعاد أحد أبرز معالم المدينة الدينية إلى الواجهة بعد سنوات من الدمار.
وشارك في حفل الافتتاح مدير مديرية المساجد في وزارة الأوقاف محمد قاسم زعتري، ومدير أوقاف ريف دمشق رفاعة عبد الفتاح، إلى جانب مدير منطقة داريا جميل مدور، وعضو مجلس الشعب مؤيد حبيب، فيما أحيا الحفل المنشد عدنان الحلاق، وسط حضور شعبي لافت.
من الركام إلى إعادة التأسيس
تعرض مسجد عثمان بن عفان لهدم كامل عقب انتهاء العمليات العسكرية وإخراج سكان المدينة عام 2016، في سياق عمليات تدمير واسعة طالت الأبنية السكنية والمنشآت المدنية والدينية في داريا.
مالك خولاني، أحد أبناء الحي، قال إن المسجد “هُدم بالكامل بعد القصف، ثم جرى سحب الحديد من أعمدته وهيكله”، مضيفًا أن اسم المسجد طُمس عقب هدمه، وظهرت عبارات كُتبت على جدران المنطقة في تلك الفترة، من بينها عبارة: “الحوثيون مروا من هنا”، بحسب قوله.
وبحسب توثيقات محلية، تعرضت ستة مساجد في داريا للتدمير الكامل بعد إخلائها من سكانها عام 2016، إضافة إلى دمار واسع طال الأحياء السكنية والبنية التحتية، في واحدة من أكثر مراحل المدينة قسوة.
ومع بدء عودة الأهالي تدريجيًا منذ عام 2020، انطلقت مبادرات فردية وأهلية لإعادة ترميم المساجد والمنازل المتضررة، في ظل محدودية الإمكانيات وغياب دعم حكومي كافٍ في المراحل الأولى، واعتماد السكان بشكل أساسي على التبرعات والجهود الذاتية.
“مدمر من الأرض إلى السماء”
حسان الرفاعي، من أبناء داريا، قال إن المسجد كان “مدمرًا من الأرض إلى السماء”، قبل أن يُعاد بناؤه بجهود أهلية، مضيفًا أن “إنجاز الجامع وإعمار المساجد بداريا شيء يعيد الحياة لنا ويعيد التفاؤل”.
واعتبر الرفاعي أن إعادة إعمار المسجد تمثل استعادة لمرحلة كان يسعى إليها أبناء المدينة، في إشارة إلى ما شهدته داريا من دمار واسع طال مرافقها العامة ودور عبادتها خلال سنوات الحرب.
من جانبه، عبر عدنان الحلاق، منشد الحفل، عن دهشته من حجم الحضور، قائلاً إنه لم يكن يتوقع “هذه الحشود”، مضيفًا أن مشهد المسجد بحلته الجديدة مقارنة بما كان عليه قبل سنوات “شيء عجيب”، ويبعث على التفاؤل بإمكانية استعادة النشاط في المدينة تدريجيًا.
بناء جيل واعٍ ودور تعليمي
زهير القرح، أحد أبناء داريا، رأى أن افتتاح المسجد يمثل “خطوة للأمام من أجل بناء جيل مسلم وواعٍ يعرف دينه”، معتبرًا أن دور المسجد لا يقتصر على إقامة الصلاة، بل يشمل التربية وتعزيز القيم الدينية في المجتمع.
وفي السياق ذاته، تحدث عبد المنعم السقا، وهو أستاذ جامعي، عن استهداف المساجد والمآذن خلال سنوات الحرب، معتبرًا أن المسجد يشكل رمزًا دينيًا واجتماعيًا في حياة السكان، وأن استهدافه جاء ضمن سياق أوسع شهدته المدينة.
الشيخ هشام شهاب، إمام وخطيب مسجد عثمان بن عفان منذ افتتاحه عام 2002، أوضح أن المسجد كان قبل تدميره “شعلة نور” يرتادها طلاب العلم، واحتضن حلقات لتحفيظ القرآن الكريم، وخرّج عددًا من الحفظة في أعمار مبكرة، بينهم طلاب في المرحلتين الإعدادية والثانوية.
وأضاف أن إعادة إعمار المسجد تمت بجهود “أهل الخير”، الذين سعوا إلى إعادة المكان ليكون مركزًا لتعليم الأطفال القرآن الكريم وجمع الأهالي في فضاء ديني واجتماعي واحد، مؤكدًا أن إعادة البناء لا تتعلق بالجدران فقط، بل بإحياء الدور التعليمي والاجتماعي للمسجد.
دلالات تتجاوز البناء
لا يقتصر افتتاح مسجد عثمان بن عفان على إعادة تشييد مبنى ديني، بل يحمل دلالات رمزية في مدينة شهدت دمارًا واسعًا في بنيتها التحتية خلال سنوات الحرب.
ويرى الأهالي أن عودة المساجد إلى العمل تمثل جزءًا من عودة الحياة العامة إلى داريا، إلى جانب المدارس والأسواق والمرافق الخدمية، في مرحلة تسعى فيها المدينة إلى استعادة مؤسساتها وتنشيط فضاءاتها المجتمعية تدريجيًا.
ومع اقتراب شهر رمضان، يكتسب افتتاح المسجد بعدًا إضافيًا في وجدان السكان، إذ تمثل المساجد في داريا جزءًا أساسيًا من طقوس الشهر الفضيل وثقافته، من صلوات التراويح والدروس الدينية إلى حلقات تحفيظ القرآن والأنشطة الاجتماعية المرتبطة بالإفطار والتكافل.
وفي مدينة اعتادت أن تشهد مساجدها حضورًا لافتًا خلال رمضان قبل سنوات الحرب، يأمل الأهالي أن تعود هذه الأجواء تدريجيًا، مع استعادة المساجد لدورها الديني والاجتماعي، بوصفها فضاءات جامعة تعكس هوية المجتمع المحلي وتماسكه في مرحلة التعافي.

