تجد فتيات في داريا في رياضة التايكوندو مساحة لاكتساب القوة الجسدية والثقة بالنفس ومهارات الدفاع عن النفس، في وقت بدأت فيه الأندية المحلية بتوسيع الدورات المخصصة للإناث بعد توفير مدربات مختصات، وهو ما شجع فتيات كن مترددات سابقًا على خوض التجربة.
وتشير تجارب المشاركات اللاتي التقت بهن عنب بلدي إلى أن الإقبال على هذه الرياضة لا يرتبط بالرغبة في المنافسة فقط، بل أيضًا بالحاجة إلى بناء الشخصية واكتساب مهارات عملية يمكن الاستفادة منها في الحياة اليومية.
“صرت أكثر ثقة بنفسي”
المتدربة لامار عنيز، من سكان داريا، بدأت الاهتمام بالتايكوندو منذ سنوات من خلال متابعة التدريبات والبطولات، دون أن تخوض التجربة فعليًا.
وجود مدربين داعمين وبيئة مشجعة كان العامل الحاسم في اتخاذ قرارها بالتسجيل في النادي، لتبدأ رحلة تصفها بأنها تجاوزت توقعاتها الأولى.
وتؤكد الفتاة لعنب بلدي أن التدريب منحها قوة جسدية أكبر، وليونة وتحكمًا أفضل بالجسم، إضافة إلى أثر واضح على حالتها النفسية وثقتها بنفسها.
وتضع لامار مهارات الدفاع عن النفس في مقدمة الفوائد التي اكتسبتها، انطلاقًا من قناعتها بأن الفتاة قد تواجه مواقف مختلفة في الشارع أو الأماكن العامة، ما يجعل امتلاك هذه المهارات أمرًا مهمًا.
كما تصف أجواء النادي بالحماسية والداعمة، سواء من المدربين أو اللاعبات، وهو ما ساعدها على الاستمرار والتطور.
وتستعيد لامار شخصيتها قبل التايكوندو بوصفها أكثر خجلًا وانطواءً، بينما ترى أن الاحتكاك بالمتدربات والمشاركة في الأنشطة الجماعية منحاها قدرة أكبر على التواصل وثقة أوضح بالنفس.

من نادٍ صيفي إلى الحزام الأسود
بدأت رحلة المدربة سنا الأتاسي مع التايكوندو عام 2020 عندما تعرفت إلى الرياضة خلال مشاركتها في ناد صيفي، قبل أن يتحول الفضول الأول إلى شغف بالتدريب والمنافسة.
ومع مرور الوقت حصلت على الحزام الأسود الدولي، وحققت مركز بطلة على مستوى الجمهورية لعدة سنوات.
وترى الأتاسي، في حديثها لعنب بلدي، أن أهمية التايكوندو للفتيات لا تقتصر على اللياقة البدنية أو النتائج الرياضية، بل تمتد إلى بناء الشخصية وتعزيز الثقة بالنفس.
وتوضح أن تعلم الدفاع عن النفس يمنح الفتاة قدرة أكبر على التعامل مع المواقف المفاجئة، مضيفة أن الرياضة لا ترتبط بعمر محدد، إذ يمكن لأي متدربة البدء بالأساسيات تدريجيًا، من الوقفات الدفاعية والركلات وصد الضربات، وصولًا إلى المشاركة في البطولات والتقدم نحو الأحزمة المتقدمة.
ولا يقتصر أثر التدريب على الجانب البدني، بحسب الأتاسي، بل ينعكس على شخصية اللاعبات أيضًا، فكثيرات يدخلن النادي بخجل أو تردد، ثم يكتسبن مع الوقت جرأة أكبر وثقة أوضح بالنفس نتيجة التدريب المستمر والتشجيع.
وتعتبر المدربة أن من أكثر الأفكار الخاطئة شيوعًا الاعتقاد بأن الفنون القتالية غير مناسبة للفتيات، في حين أن الحاجة إليها قد تكون أكبر في بعض الأحيان لما توفره من مهارات عملية في الحياة اليومية.
مدربة نسائية شجعت الفتيات على المشاركة
مدير نادي “إكس باور”، المدرب والحكم الوطني يحيى بقلة، يرى أن التايكوندو من الرياضات المناسبة للفتيات والذكور على حد سواء، لما توفره من انضباط وثقة بالنفس ومهارات دفاعية يحتاجها اللاعب داخل الصالة وخارجها.
ويشير في حديثه إلى عنب بلدي إلى أن كثيرًا من الفتيات كن يرغبن بالتسجيل في السنوات الماضية، لكن غياب المدربات المختصات شكل عائقًا أمام مشاركتهن، خاصة في مدينة محافظة مثل داريا حيث تفضل بعض العائلات أن تتدرب بناتها بإشراف مدربة.
الإقبال على دورات الإناث جاء أفضل من المتوقع بعد افتتاح أول دورة بإشراف المدربة سنا الأتاسي، وفق مدير النادي، وهو ما شجع النادي على الاستمرار في تنظيم دورات مماثلة خلال الفترة المقبلة.
ويضم النادي، بحسب بقلة، لاعبين في المنتخب السوري وبطلات على مستوى الجمهورية، مع العمل حاليًا على إعداد عدد من اللاعبات للمشاركة في بطولات عربية وخارجية.
ويستقبل النادي الأطفال من عمر خمس سنوات فما فوق، بينما تشكل الفئة العمرية بين 10 و13 عامًا النسبة الأكبر من المشاركين في الدورات الحالية.
ويضيف أن النادي يسعى إلى توسيع الأنشطة المرتبطة بالدفاع عن النفس واللياقة البدنية، في ظل تزايد اهتمام الفتيات بهذه الرياضة.
أكثر من رياضة
لا يرتبط إقبال الفتيات على الرياضة في داريا، ومن بينها التايكوندو، فقط بوجود صالة تدريب أو برنامج رياضي، بل أيضًا بتوفير بيئة مناسبة للفتيات وكوادر نسائية تشجعهن على المشاركة.
ومع تزايد عدد المسجلات في الدورات الجديدة، تبدو التايكوندو بالنسبة لكثير من المشاركات مساحة تجمع بين اللياقة البدنية والانضباط والثقة بالنفس والدفاع عن النفس، أكثر من كونها مجرد رياضة تنافسية داخل الصالة.

