لم تعد “التوصيلة” في داريا تصرفًا عابرًا على أطراف الطرقات، بل تحولت إلى وسيلة يومية تلجأ إليها نساء وأطفال للوصول إلى المدارس أو المنازل أو العيادات، في ظل غياب وسائل نقل منتظمة داخل بعض أحياء المدينة.
ومع تكرار مشاهد انتظار السيارات المارة في شوارع داريا ومحيط الكورنيش، تتزايد مخاوف الأهالي من اضطرار النساء والأطفال للركوب مع سائقين مجهولين، وسط شكاوى من مضايقات ومخاطر اجتماعية وأمنية ترافق هذه الرحلات اليومية.
الطريق بلا وسيلة آمنة
أم حذيفة، وهي من سكان المنطقة القريبة من جامع الإيمان، قالت لعنب بلدي إن الطريق الممتد بين الجامع وشارع الكورنيش، أو باتجاه داخل داريا، لا تتوفر فيه وسيلة نقل منتظمة، ما يضطر نساءً إلى إيقاف سيارات عابرة والركوب مع أصحابها، سواء كن يعرفنهم أم لا.
وتزداد المعاناة، بحسب أم حذيفة، عندما تكون المرأة متعبة، أو متجهة إلى طبيب، أو تحمل أغراضًا ثقيلة، في وقت يجعل فيه الحر الشديد أو البرد المشي لمسافات طويلة أمرًا مرهقًا.
ولا يقتصر القلق على غياب النقل، إذ تتحدث أم حذيفة عن أسئلة شخصية يوجهها بعض السائقين للنساء خلال الطريق، مثل السؤال عن العائلة والعمل والأولاد، ما يضع المرأة في موقف مزعج بين تجاهل الأسئلة أو الرد عليها لتجنب التوتر.
وترى أن الخوف الأكبر يبقى مرتبطًا بعدم معرفة نية السائق أو وجهته الحقيقية، خصوصًا أن الراكبة لا تملك ضمانات كافية عند صعودها مع شخص غريب.

“طلبت النزول فورًا”
في منطقة شواقة، روت آمنة لعنب بلدي تجربة دفعتها إلى طلب النزول من سيارة عابرة، بعدما شعرت من طريقة حديث السائق بأنه في حالة سكر وعدم اتزان.
وقالت إنها اضطرت إلى الركوب بسبب عدم وجود وسيلة تقلّها إلى داخل المدينة، لكنها طلبت من السائق التوقف فورًا عندما شعرت بالخطر.
ولا تنتهي المشكلة عند هذا الحد، إذ تشير آمنة إلى أن بعض السائقين يغيرون طريقهم لقضاء مشاوير خاصة، فتجد المرأة نفسها بعيدة عن وجهتها الأصلية، وتضطر إلى النزول والبحث عن سيارة أخرى.
أطفال على الطريق
وتطال المشكلة طلاب المدارس أيضًا، خصوصًا من يسكنون في مناطق بعيدة عن مدارسهم.
إحدى الأمهات في منطقة المراح، ولديها ابن في الصف السابع بمدرسة “نبيل كشكة”، قالت لعنب بلدي إن ارتفاع كلفة النقل الخاص مقارنة بدخل الأسرة يجعل ابنها يضطر أحيانًا إلى الركوب مع المارة دون علمها.
وأضافت أنها حذرته مرارًا من تكرار ذلك خوفًا عليه من الأذى، لكنها تدرك في الوقت نفسه صعوبة أن يقطع طفل مسافة طويلة يوميًا وهو يحمل حقيبته المدرسية، في حر الصيف أو برد الشتاء.
وتتمنى الأم وجود وسيلة نقل آمنة، ولو خلال فترة الامتحانات، لتخفيف العبء عن الطلاب والحد من اضطرارهم إلى الاعتماد على سيارات مجهولة.
وبحسب رصد عنب بلدي، تلجأ بعض النساء إلى استخدام تطبيق “يلا غو” عند الحاجة للوصول إلى أماكن بعيدة، لكن كلفته لا تكون متاحة دائمًا للعائلات ذات الدخل المحدود.
كما يسجل بعض الأهالي أبناءهم في وسائل نقل خاصة، تختلف تكلفتها بحسب المسافة والوضع المادي للأسرة، بينما تبقى هذه الخيارات خارج قدرة كثير من السكان.
مختصة: التوعية دون تخويف
المشرفة التربوية أمل طراش حذرت، في حديث إلى عنب بلدي، من ركوب الأطفال مع سائقين مجهولي الهوية، لأن الطفل قد يتعرض لأذى جسدي أو نفسي في حال غياب معرفة الأهل بهوية السائق أو مدى أمانه.
وقالت طراش إن الأطفال، خصوصًا في الأعمار الصغيرة، أكثر عرضة للاستغلال بسبب ثقتهم السهلة بالآخرين، وعدم امتلاكهم القدرة الكافية على التصرف في المواقف الطارئة أو طلب المساعدة.
وترى أن التوعية يجب أن تتم بهدوء ومن دون زرع الخوف، عبر تعليم الطفل ألا يركب إلا مع أشخاص عرفه عليهم والداه مسبقًا، وأن ينتظر في مكان آمن أو يبلغ المعلمة إذا طلب منه شخص غريب الذهاب معه.
وشددت طراش على أن حماية الأطفال مسؤولية مشتركة بين الأسرة والمدرسة، تبدأ من تحديد الأشخاص المسموح لهم باصطحاب الطفل، وتصل إلى وضع إجراءات واضحة لتسليم الطلاب واستلامهم والتأكد من هوية المرافقين.
البلدية تدرس خطًا للطلاب
عضو المكتب التنفيذي لبلدية داريا، عماد عيروط، قال لعنب بلدي إن اجتماعًا سيعقد لدراسة واقع النقل في المدينة، موضحًا أن اللجنة المختصة ستبحث، من بين ملفات أخرى، إمكانية تخصيص خط نقل آمن لطلاب المدارس.
ويأتي هذا الطرح مع تزايد شكاوى الأهالي من اضطرار النساء والأطفال إلى الاعتماد على “التوصيلات” العشوائية، في وقت لا تزال فيه البدائل المتاحة محدودة أو مكلفة.
