يوازن العائدون إلى داريا بين دفء الأهل وصعوبة المعيشة، بعدما اختارت عائلات العودة إلى المدينة والاستقرار فيها بعد سنوات من الغربة، رغم استمرار المشكلات الخدمية وارتفاع التكاليف.
وبينما يرى بعض من التقت بهم عنب بلدي أن القرب من العائلة عوض جزءًا من تعب الاغتراب، تكشف تجاربهم أيضًا عن صعوبات يومية تتعلق بالكهرباء والتعليم والخدمات العامة والسكن والعمل، ما يجعل العودة أسهل لمن يملك منزلًا ومصدر دخل، وأكثر تعقيدًا لغيره.
عودة مدفوعة بالعائلة
بالنسبة إلى أبو ممدوح راجح، لم تكن العودة إلى داريا هروبًا من ظروف قاسية في تركيا، بقدر ما كانت محاولة لاستعادة حياة اجتماعية افتقدها لسنوات.
منذ عام 2013 عاش هناك وعمل في مهنة نجارة الموبيليا، وكان قادرًا على تأمين متطلباته الأساسية من كهرباء ومياه وإنترنت، مع مستوى خدمات أفضل وتعليم أكثر استقرارًا لأطفاله، بل إن عمله كان يوفر له أحيانًا فائضًا فوق النفقات.
لكن ذلك كله لم يكن كافيًا لتبديد شعور الانقطاع عن العائلة، إذ بقيت الغربة بالنسبة إليه عبئًا مهما توفرت فيها أسباب الراحة.
عاد أبو ممدوح قبل أكثر من عام إلى داريا، واستقر في منزله وافتتح محلًا تجاريًا في المدينة.
ويقول إن ما دفعه إلى العودة هو أن أبناءه كبروا بعيدًا عن أقاربهم، حتى صار تواصلهم معهم محصورًا في مكالمات الفيديو.
وكان هذا البعد اليومي عن الأهل حاضرًا في قراره أكثر من أي حسابات مادية، إذ لم تعد فكرة العيش في مكان منظم كافية وحدها، ما دام الإحساس بالانتماء ناقصًا.
لكن العودة لم تكن سهلة بالكامل، فالحياة في داريا، من وجهة نظره، ما تزال محكومة بضعف الخدمات وخلل في إدارة المدينة، يحتاج إلى معالجة جدية تبدأ من إعادة تأهيل القطاعات الأساسية وفق الإمكانيات المتاحة، بدل الاكتفاء بحلول جزئية لا تغير الواقع فعليًا.
مدارس وبيئة مختلفة على الأطفال
ولا يظهر في تجربة أبو ممدوح فقط الفرق بين مستوى الخدمات هنا وهناك، بل أيضًا الصعوبة التي يواجهها الأطفال بعد العودة.
فأبناؤه لا يتقنون سوى اللغة التركية، ما جعل التأقلم مع المدارس في داريا أكثر تعقيدًا، وإلى جانب المدرسة، هناك فراغ يومي يفرضه غياب أماكن آمنة للعب.
في تركيا، كانت الحدائق جزءًا طبيعيًا من حياة الأطفال، أما في داريا فالمشهد مختلف.
الخوف من الكلاب الشاردة، وقلة المساحات المناسبة، يدفعان الأطفال إلى البقاء في المنزل معظم الوقت، إلا إذا تمكن والدهم من مرافقتهم إلى مكان مناسب.
وتكشف هذه الفجوة بين ما اعتادته العائلة سابقًا وما وجدته بعد العودة، أن الاستقرار لا يقاس فقط بوجود سقف أو عمل، بل أيضًا بقدرة الأطفال على الاندماج في الحياة اليومية.
ومن هنا تأتي نصيحته لمن يفكر بالرجوع: “العودة ليست قرارًا مناسبًا للجميع بالدرجة نفسها. من يملك منزلًا ومصدر رزق قد يستطيع الصمود، أما من سيبدأ من الصفر فسيصطدم سريعًا بإيجارات المنازل وغلاء المعيشة”.
فرص عمل يقابلها نقص في الخدمات
تبدو تجربة مايا، العائدة من الأردن مع عائلتها، مختلفة في بعض التفاصيل، لكنها تلتقي مع غيرها عند ثقل الملف الخدمي.
فعودة الأسرة ارتبطت أساسًا بالعمل، بعدما كان زوجها، الذي يعمل في البلاط، يواجه ضعفًا في الفرص هناك، قبل أن يتحسن وضعه المهني بعد الاستقرار في داريا.
لكن هذا التحسن في العمل لم ينعكس تلقائيًا على بقية جوانب الحياة. ففي منطقة المراح، حيث تقيم العائلة، يبقى انقطاع الكهرباء من أكثر المشكلات إلحاحًا.
ولتجاوز ذلك، اضطرت الأسرة إلى الاعتماد على الطاقة الشمسية، وهو حل مكلف لا يناسب جميع الأسر.
في المقابل، تبدو المياه متوفرة، فيما يمكن تأمين الإنترنت عبر الشبكات الهوائية، رغم ضعف التغطية في المنطقة.
وفي جانب التعليم، بقيت المقارنة حاضرة.
فمدارس الأردن، بحسب تجربتها، كانت أفضل من حيث المستوى، لكن أطفالها وجدوا في داريا تعاونًا من المدرسة التي التحقوا بها، إلى جانب وجود معاهد جيدة في مرحلة التعليم الأساسي. وهذا الفارق لا يلغي الصعوبة، لكنه يخفف منها.
لمة الأهل تعوض جزءًا من الفرق
ما يخفف من ضغط الخدمات، في نظر مايا، ليس تحسن البنية الخدمية بقدر ما هو حضور الناس القريبين.
في داريا، العائلة موجودة، والمساندة أسرع، والتواصل أسهل في الحالات الطارئة.
وتكتسب هذه التفاصيل الصغيرة، التي قد تبدو عادية للمقيمين، وزنًا مختلفًا لدى من عاشوا سنوات طويلة خارج البلاد.
تقول مايا إنها سجلت أبناءها في نادٍ رياضي، وتستثمر وقتها في اللقاءات العائلية وعلاقتها بإخوتها وأصدقائها.
لذلك تميل إلى النظر إلى العودة من زاوية أوسع من حسابات الراحة الفردية، وتربطها أيضًا بفكرة إعادة بناء المدينة بأهلها، لا انتظار أن يفعل ذلك الآخرون.
وتتفق في رأيها مع أبي ممدوح، وترى أن من يملك منزلًا ومصدر دخل لا ينبغي أن يتردد كثيرًا، لأن المدينة لن تستعيد عافيتها إذا بقي أهلها بعيدين عنها. وهي تنظر بإيجابية إلى مستقبل داريا، وتقول إنها سعيدة بقرار العودة.
انتقادات للواقع وتمسك بالبقاء
في المقابل، لا تبدو كل النظرة إلى داريا محكومة بالعاطفة.
فدعاء، القادمة من تركيا، قدمت لعنب بلدي صورة أكثر انتقادًا للواقع اليومي في المدينة.
وتعد الكهرباء والطرقات من أبرز ما يرهق الحياة برأيها، لكن أكثر ما يزعجها هو مشهد القمامة التي ترمى في الشوارع، بوصفه سلوكًا يضيف عبئًا إلى مشكلة قائمة أصلًا، ويعكس مظهرًا غير حضاري إذا ما قورن بما تفرضه بلدان أخرى من ضوابط وغرامات على مثل هذه التصرفات.
وتشمل ملاحظاتها أيضًا ارتفاع الأسعار، ونظرة المجتمع وتدخله في الحياة الشخصية، وهو ما تراه مختلفًا عما اعتادته في الخارج، حيث ينشغل كل شخص بحياته أكثر.
ومع ذلك، لا ينتهي تقييمها عند هذه السلبيات، فلمة الأهل تبقى العامل الأثقل في الميزان، وهي ترى أن من يبحث عن الرفاهية قد يجدها في الغربة، لكن التأقلم مع الواقع المحلي يظل ممكنًا.
العودة قرار ممكن بشروط واضحة
تكشف هذه الشهادات أن العودة إلى داريا ليست قصة واحدة.
فهناك من وجد في المدينة تعويضًا عن برد الغربة، مهما كان مستوى الخدمات أقل، وهناك من عاد لأنه استطاع تأمين منزل أو عمل، وهناك من لا يخفي انزعاجه من تفاصيل الحياة اليومية، لكنه لا يزال يرى في القرب من العائلة ما يستحق الاحتمال.
ورغم تباين تجارب العائدين، بين من وجد في داريا دفء الأهل ومن اصطدم سريعًا بضعف الخدمات وغلاء المعيشة، يتفق من التقتهم عنب بلدي على أن العودة تبدو الخيار الأنسب لمن يملك حدًا أدنى من الاستقرار السكني والمهني، فيما يبقى الحنين وحده غير كافٍ لتجاوز صعوبات الواقع، حتى لو ظل كثيرون يرددون أن “ثوب الغربة ما بيدفي”.
