في ساحة العيد بمدينة داريا، ثاني أيام عيد الأضحى، حضرت “العيدية” في أحاديث الأهالي الذين تحدثت إليهم عنب بلدي، كما حضرت الألعاب والمراجيح التي يقصدها الأطفال في أيام العيد.
لم تعد العيدية مجرد مبلغ يحصل عليه الطفل من أهله وأقاربه، بل صارت مدخلًا للمقارنة بين جيلين، من زمن كانت فيه ليرات قليلة تكفي للعب وشراء الطعام، إلى وقت لا تكفي فيه عشرات الآلاف إلا لساعات محدودة من الترفيه.
وبين أطفال ينتظرون دورهم على الألعاب وآباء يستعيدون أعيادهم القديمة، تبقى العيدية جزءًا ثابتًا من فرحة العيد، لكنها تعكس أيضًا تراجع القدرة الشرائية وارتفاع كلفة اللعب والطعام.
100 ليرة كانت تكفي يوم العيد
لقمان الأكتع، من أهالي الميدان وسكان داريا، قال لعنب بلدي إن الطفل في الألفينات كان يصرف نحو 100 ليرة خلال يوم العيد، موضحًا أن ركوب المرجوحة كان يكلف خمس ليرات فقط.
وأضاف أن الـ100 ليرة لم تكن بالضرورة عيدية واحدة، بل مجموع ما يحصل عليه الطفل أو يحتاجه في اليوم، وكانت تكفيه للعب وشراء ما يريد.
أما اليوم، فتختلف العيدية، بحسب الأكتع، من عائلة إلى أخرى، وقد تكون 25 ألفًا أو 50 ألفًا أو 100 ألف ليرة، وفق قدرة كل أسرة، في ظل ظروف معيشية تجعل إعطاء مبالغ كبيرة أمرًا صعبًا على كثير من الأهالي.
مهند عقيد قال أيضًا إن العيدية في طفولته كانت خمس أو عشر ليرات، وكانت تكفي لركوب جولة أو جولتين في المرجوحة، بينما يصل متوسط العيدية اليوم إلى نحو 50 ألف ليرة.
كانت أقل لكن قيمتها أكبر
الأخوات أسماء وثناء ووفاء، من داريا، تحدثن عن مراحل مختلفة من العيديات، من الليرة والليرتين والخمس ليرات، وصولًا إلى 500 ليرة، معتبرات أن المبالغ القديمة، رغم صغرها، كانت تحمل قيمة أكبر بكثير مما تحمله العيديات الحالية.
وقلن لعنب بلدي إن الطفل كان يستطيع قديمًا أن يلعب ويشتري أطعمة، وربما يتغدى من عيدية صغيرة، بينما لا تكفي 100 ألف ليرة اليوم، في كثير من الأحيان، للطعام والألعاب معًا.
وبحسب حديثهن، أصبح الطفل أمام خيارين، إما أن ينفق عيديته على الطعام أو على الألعاب، بينما كانت العيدية قديمًا تمنحه الأمرين معًا.
وربطن ذلك بما وصفنه بغياب “البركة” التي كانت موجودة سابقًا، حين كانت العيدية أقل رقمًا لكنها أوسع أثرًا في يوم الطفل.

خمسون ألفًا لا تكفي دائمًا
ثائر راجح قال لعنب بلدي إن العيدية في طفولته بدأت من نصف ليرة، ثم وصلت إلى عشر ليرات عندما كبر قليلًا، وكانت هذه العشر ليرات تكفيه طوال النهار وتزيد.
ويرى راجح أن 50 ألف ليرة لا تكفي اليوم إذا أراد الطفل شراء بعض المأكولات وركوب الألعاب، موضحًا أن هذا المبلغ قد ينتهي على “بسكويت وكأس عصير ولعبتين”.
لكنه اعتبر أن قيمة العيدية ليست هي الأساس، بل الهدف منها أن يفرح الطفل ويخرج من أجواء الأيام العادية إلى أجواء العيد.
معتصم خشيني قال أيضًا إن العيدية ترتبط بإمكانات كل عائلة، وإن بعض الأهالي يعطون أبناءهم 50 ألف ليرة أو أكثر بحسب عمر الطفل وقدرة الأهل، معتبرًا أن العيدية تبقى “فرحة” قبل أن تكون رقمًا.
لا مقياس ثابتًا للعيدية
عصام شاهين، الذي استعاد ذكريات طفولته مع عيدية لا تتجاوز خمس ليرات، قال إن هذا المبلغ كان يكفي أول وثاني أيام العيد، ويشتري للطفل سندويشة فلافل ومشروبًا وبعض المأكولات.
لكنه لا يرى اليوم مقياسًا ثابتًا لقيمة العيدية، لأن كل عائلة تعطي بحسب قدرتها، مضيفًا أن الطفل يمكن إسعاده بعشرة آلاف أو بمئة ألف إذا شعر بأجواء العيد واللعب.
أما شادي محمد كمال فقال إن العيدية في زمنه كانت خمس أو عشر ليرات، ومن كان يحصل على 25 ليرة كان يعد “محظوظًا”، بينما يحصل بعض الأطفال اليوم على 50 ألفًا أو 200 ألف ليرة، لكنها بالكاد تكفي لشراء ألعاب بسيطة أو ركوب بعض المراجيح.

ساحة أبعد عن المركز
أقيمت ساحة العيد في داريا هذا العام في ملعب داريا، بدل الحديقة العامة في شارع الثانوية الشرعية، بسبب أعمال صيانة وتأهيل تنفذها إحدى المنظمات داخل الحديقة.
وقال يزن نجار، مستثمر ساحة العيد، لعنب بلدي إن نقل الموقع جاء لأن الحديقة تخضع حاليًا لأعمال إصلاح، ووجود العمال والمعدات جعلها غير مناسبة لاستقبال الأطفال والألعاب.
ورغم أن موقع الملعب أبعد عن وسط المدينة، ما جعل الوصول إليه أصعب بالنسبة إلى بعض العائلات، إلا أن مساحته الواسعة أتاحت تنظيم الألعاب واستيعاب أعداد أكبر من الزوار.
وبحسب رصد عنب بلدي، شهدت الساحة حضورًا كبيرًا من الأطفال والعائلات، لكن الرياح التي نشطت في ثاني أيام العيد أثارت الغبار بسبب أرضية الملعب الترابية، ما عكر الأجواء قليلًا على بعض الزوار.
ألعاب وإجراءات سلامة
تضم ساحة العيد ألعابًا متنوعة، بينها “السفينة” و”الديسكو” لفئة الشباب، وألعاب للأطفال مثل الأحصنة والسلاسل الصغيرة والبالون الكبير ولعبة “جراندايزر”.
وبحسب نجار، تبدأ الألعاب بسرعة بطيئة قبل أن ترتفع تدريجيًا، وهي مثبتة بشكل جيد، مع وجود أكثر من عامل عند كل لعبة لمتابعة الأطفال والتدخل عند الحاجة.
كما أغلق الأمن العام الطريق المؤدي إلى ساحة العيد أمام السيارات والدراجات النارية، لمنع الازدحام والحوادث وحماية الأطفال، خصوصًا مع حركة العائلات الكثيفة حول الساحة.

العيدية تكبر رقمًا وتصغر أثرًا
تظهر أحاديث الأهالي في ساحة العيد أن العيدية ما تزال طقسًا ثابتًا في عيد الأطفال، لكنها لم تعد تحمل القدرة نفسها التي يتذكرها الآباء من طفولتهم.
فالأرقام كبرت من الليرة والخمس ليرات (حين كان الدولار يعادل 50 ليرة سورية) إلى عشرات الآلاف (عندما أصبح الدولار بحدود 13500 ليرة٩، لكن ما يمكن شراؤه بها تقلص بين كلفة الألعاب والمأكولات والمواصلات، في وقت يحاول الأهالي الحفاظ على فرحة أبنائهم قدر الإمكان.
