قبل أن تضع هديل، 23 عامًا، مولودها الأول، طلبت من زوجها شراء مكونات الكراوية.
اختارت النوع “الناشف” المصنوع من الكعك المطحون، وتريد أن تعده بنفسها، مستعيدة طريقة تتذكرها من الماضي، حين كانت النساء يطحنّ الكعك ويجهزن المكسرات في المنزل استعدادًا لاستقبال المهنئات بالمولود.
الكراوية واحدة من الأطباق التي ارتبطت بالولادة في داريا، وما تزال حاضرة في بيوت عدد من العائلات، وإن تغيرت طرق إعدادها ومكوناتها بمرور السنوات.
وفي حديث لعنب بلدي مع نساء من أجيال مختلفة، حضرت الكراوية بوصفها جزءًا من ضيافة الولادة، ومهمة تتولاها الأم أو قريبات الوالدة في كثير من الأحيان، قبل أن تنتقل المهمة من جيل إلى آخر.
وفي داريا، تتحدث النساء عن نوعين رئيسيين من الكراوية، الناشفة والمطبوخة، تختلف مكوناتهما وطريقة تقديمهما، كما تختلف كمية المكسرات والإضافات بحسب ذوق الأسرة وقدرتها المادية.
نوعان تحت اسم واحد
تتذكر لطيفة، المعروفة بـ”أم عماد”، والبالغة 66 عامًا، وجود الكراوية في بيوت داريا منذ طفولتها، لكن الوصفة التي عرفتها آنذاك كانت أبسط من تلك التي تعدّها بعض الأسر اليوم.
كانت الكراوية الناشفة تحضر من الكعك المطحون والسكر ومزيج من البهارات، بينها “الدقة” والشومر واليانسون، مع إضافة الجوز.
ومع مرور السنوات، دخلت مكونات أخرى إلى الطبق، مثل اللوز والفستق الحلبي وجوز الهند المبشور والكاجو.
وتختلف كمية المكسرات وأنواعها، بحسب لطيفة، من منزل إلى آخر وفق الرغبة والقدرة على شرائها، ولذلك يمكن إعداد الطبق بمكونات بسيطة، أو زيادة أنواع المكسرات والإضافات فيه.
أما النوع المطبوخ، فيحضر من الأرز المطحون والماء، مع بهارات من بينها القرفة والشومر، ثم يوضع بعد طهيه في أوعية صغيرة ويزين بالجوز وجوز الهند والكاجو والفستق الحلبي.
وبحسب لطيفة، اشتهرت داريا أكثر بالنوع الناشف المصنوع من الكعك المطحون، في حين ينتشر النوع المطبوخ في مناطق أخرى.
وعند الولادة، كانت الكراوية تقدم عادة إلى النساء القادمات للتهنئة، إلى جانب كأس من الشاي.
كما ارتبط تقديمها للأم بعد الولادة باعتقاد شعبي بأنها تساعد على إدرار الحليب وتخفيف تقلصات البطن، وفق ما تتذكره لطيفة.
من الجرن والمدقة إلى المكونات الجاهزة
لم يكن إعداد الكراوية قديمًا يبدأ بشراء كعك مطحون جاهز كما يحدث اليوم.
تتذكر لطيفة أن النساء كن يجتمعن قبل موعد الولادة ويبدأن التحضير بأنفسهن.
كان الكعك يكسر أولًا، ثم يطحن باستخدام الجرن والمدقة، قبل إضافة السكر والبهارات والمكسرات، وبعد الانتهاء، توزع الكراوية في أوعية صغيرة استعدادًا لاستقبال المهنئات.
ومع توفر الكعك المطحون وغيره من المكونات جاهزة في الأسواق، اختصرت مراحل من عملية التحضير، بينما أصبحت الإضافات المستخدمة أكثر تنوعًا.
لكن سهولة الحصول على المكونات لم تُلغ لدى هديل رغبتها في إعداد الطبق بنفسها، فهي تستمتع بتحضير الطعام والضيافة، ولا تنظر إلى الكراوية باعتبارها مهمة تفرضها مناسبة الولادة، بقدر ما تعدها جزءًا من استعدادها وفرحتها بمولودها الأول.
هديل تستعد لضيافة مولودها الأول
رغم أن معظم من تعرفهم يفضلون الكراوية المطبوخة، اختارت هديل النوع الناشف، وتريد إعداده بالطريقة التي تتذكرها، مع تجهيز مكوناته ومكسراته في المنزل.
وقد بدأت بالفعل بشراء المكونات وحساب عدد الضيوف والكلفة المتوقعة، على أن تتولى بنفسها التحضير.
وتقدّر هديل كلفة إعداد الكراوية بما بين 200 ألف و300 ألف ليرة سورية، وفق أنواع المكسرات وأسعارها، وترى أن الكلفة قد تكون قريبة من ضيافة أخرى أو أقل منها عند الاستغناء عن بعض أنواع المكسرات.
ولا تتوقع استقبال عدد كبير من الضيوف، بسبب سكنها في منطقة بعيدة عن مركز داريا، لكنها تريد أن تكون اجتماعات العائلة والمهنئات بعد ولادة طفلها الأول مرتبطة بضيافة أعدتها بنفسها.
بين المطبوخة والناشفة
أما مطيعة، 25 عامًا، فاختبرت النوعين عند ولادة طفلها الأول، إذ أعدت الكراوية المطبوخة والناشفة معًا، وكانت تسأل كل ضيفة عن النوع الذي تفضله.
واختارت بعض النساء النوع الناشف لتجربته، لكن عددًا منهن لم يكملن حصصهن بسبب ثقله بالنسبة إليهن. وبعد انتهاء فترة التهاني، بقيت لدى مطيعة كمية منه، فاحتفظت بها وأصبحت تتناول منها بين حين وآخر.
وفي ولادتها الأولى، تولت والدتها الإشراف على إعداد الكراوية بسبب إرهاق مطيعة بعد الولادة، في صورة تتكرر في شهادات نساء أخريات، إذ غالبًا ما تنتقل مهمة التحضير مؤقتًا إلى الأم أو إحدى القريبات.
أما عند ولادتها الثانية، فلم تعد مطيعة النوع المطبوخ.
من الأم إلى بناتها
تظهر هذه العلاقة بين الأجيال بصورة أوضح في تجربة فرح، 39 عامًا، التي أصبحت اليوم تعد الكراوية لابنتيها المتزوجتين عند الولادة، كما فعلت والدتها معها سابقًا.
فعندما أنجبت فرح ابنتها الأولى، تولت والدتها إعداد الكراوية، واجتمعت عشرات النساء في المنزل للمباركة بالمولودة، وكانت كل ضيفة تستقبل بطبق من الكراوية وكأس من الشاي.
وبعد زواج ابنتيها، انتقل الدور إلى فرح، التي أعدت الكراوية لهما في مناسبتَي ولادة، مستمرة في عادة سبق أن مارستها والدتها معها.
لكن الكراوية بالنسبة إلى فرح لم تعد مرتبطة بالولادة وحدها. فعندما تشتهيها، تشتري مكوناتها وتحضرها في المنزل، وترى أن إعدادها سهل، وأن مذاقها يصبح أفضل كلما زادت “الحباشات”، وهي التسمية التي تستخدمها للمكسرات والإضافات الموضوعة فيها.
وترى فرح أن الكراوية من العادات التي تستحق الاستمرار، في حين تربطها، مثل نساء أخريات، بفوائد صحية متوارثة شعبيًا للأم بعد الولادة.
عادة تتغير ولا تختفي
بين ذاكرة لطيفة عن الجرن والمدقة، وتجربة فرح التي انتقل فيها إعداد الكراوية من والدتها إليها ثم إلى ضيافة بناتها، واستعداد هديل لاستقبال مولودها الأول، تغيرت تفاصيل الطبق، لكن المناسبة التي ارتبط بها بقيت حاضرة.
لم تعد النساء مضطرات إلى طحن الكعك يدويًا، وتوسعت قائمة المكسرات والإضافات، كما أصبحت الكلفة عاملًا في اختيار مكونات الطبق وكمياتها. وحتى الاختيار بين الكراوية الناشفة والمطبوخة بات مرتبطًا بذوق كل أسرة وضيوفها.
ومع ذلك، بقيت الكراوية بالنسبة إلى النساء اللواتي تحدثن لعنب بلدي أكثر من مجرد طبق يقدم بعد الولادة؛ فهي جزء من ضيافة المولود، ومن اجتماع النساء حول الأم، ومن عادة تتولى فيها الأم أحيانًا تجهيز ما ستقدمه ابنتها، قبل أن تنتقل المهمة إلى الابنة نفسها عندما تصبح أمًا لبنات متزوجات.
أما هديل، التي تنتظر مولودها الأول، فتبدأ هذه الحلقة من موقع مختلف قليلًا، إذ اختارت أن تعدّ كراويتها بنفسها، وأن تحدد مكوناتها وفق ما تجده في السوق وما يناسب ميزانيتها، مع الاحتفاظ بالطريقة التي تتذكرها من الماضي.



