تواجه العملية التعليمية في مدينة داريا ضغوطًا متصاعدة منذ مطلع عام 2025، مع استمرار تدني أجور المعلمين مقارنة بتكاليف المعيشة، ما ينعكس على استقرار الكادر التعليمي وأداء المدارس، وفق شهادات معلمين وأولياء أمور تحدثوا إلى عنب بلدي.
ورغم عودة الحياة المدرسية تدريجيًا إلى المدينة بعد سنوات من التراجع، فإن الأزمة الاقتصادية المتواصلة وتآكل القوة الشرائية للرواتب أعادا طرح سؤال جوهري: كيف يمكن الحفاظ على جودة التعليم في ظل دخل لا يغطي الحد الأدنى من متطلبات الحياة؟
معلمون بين الصف وسوق العمل
أجمع معلمون في داريا التقتهم عنب بلدي، وهم يعملون في مدارس مختلفة في المدينة، أن الرواتب الحالية لم تعد تكفي لتغطية الاحتياجات الأساسية، من إيجار وفواتير ومواصلات وغذاء، ما يدفع كثيرين منهم إلى البحث عن أعمال إضافية بعد انتهاء الدوام المدرسي.
الأستاذ علاء الدين بورمة، مدرس اللغة العربية، أوضح أن العملية التعليمية “تحتاج إلى دعم مادي بوصفه عصبًا رئيسيًا”، مشيرًا إلى أنه يعمل في وظيفتين يوميًا.
وأضاف أنه يغادر المدرسة مباشرة إلى عمله الآخر، ما يترك وقتًا محدودًا لتحضير الدروس أو متابعة الطلاب بالشكل المطلوب.
ويرى الأستاذ فايز، إداري ومدرس رياضيات، أن انخفاض الرواتب يؤثر “بشكل مباشر” على جودة التعليم، موضحًا أن المعلم الذي ينشغل بتأمين أساسيات المعيشة يواجه صعوبة في تطوير أدواته التعليمية أو مواكبة المناهج، وهو ما ينعكس على مستوى الشرح داخل الصف.
أما الأستاذ جمال حبيب، مدرس الفيزياء، فربط بين الاستقرار المادي والبيئة الصفية، معتبرًا أن الضغوط النفسية الناتجة عن الأعباء المالية تنعكس على أجواء الحصة الدراسية، وتحد من قدرة المعلم على التفاعل الإيجابي مع طلابه.
ولا يختلف واقع المعلمات عن زملائهن، بل تشير بعض الشهادات التي حصلت عليها عنب بلدي إلى أعباء مضاعفة نتيجة الجمع بين العمل التربوي والمسؤوليات الأخرى.
الآنسة هناء، مدرسة للمرحلتين الإعدادية والثانوية، قالت إن الراتب الحالي “لا يسمح بالتفرغ للتدريس”، مؤكدة أنها تعمل يوميًا في وظيفة إضافية.
وأضافت أنها فكرت أكثر من مرة في ترك المهنة، لكنها تتراجع “لأن الجيل الحالي يحتاج دعمًا أكثر من أي وقت مضى”.
وتحدثت المدرسة عن تحديات أخرى داخل المدارس، منها ضعف دافعية بعض الطلاب، ونقص الكتب المدرسية الحديثة، وبرودة الصفوف خلال فصل الشتاء، إلى جانب ضغط الأعمال الإدارية وكثرة المتطلبات التنظيمية.
من جهتها، أوضحت الآنسة أمل، التي تعمل في التعليم منذ عام 2005، أن راتبها “لا يكفي سوى لأيام معدودة في الشهر”، ما يدفعها للاعتماد على الدروس الخصوصية لتعويض النقص.
وحذرت من أن تأخر صرف رواتب بعض الوكلاء غير المثبتين منذ أشهر، إلى جانب نقص الكوادر، قد يفاقم الأزمة خلال الفترات المقبلة.
إرهاق مهني وتراجع في التحضير
يشير المعلمون إلى أن الإرهاق الناتج عن العمل الإضافي يقلص الوقت المخصص لتحضير الدروس أو متابعة الحالات الفردية، خاصة الطلاب الذين يحتاجون دعمًا إضافيًا.
وقد يؤدي هذا إلى تراجع تدريجي في مستوى التحصيل العلمي، خصوصًا في المدارس الحكومية التي تستوعب العدد الأكبر من الطلاب، في ظل محدودية الإمكانات مقارنة بالمدارس الخاصة أو المعاهد التعليمية.
كما أن اللجوء المتزايد إلى الدروس الخصوصية، سواء من قبل المعلمين لتعويض دخلهم أو من قبل الأهالي لتعويض النقص في الشرح، يعمق الفجوة بين الأسر القادرة ماليًا وتلك ذات الدخل المحدود، ما يطرح تحديات إضافية تتعلق بعدالة الوصول إلى التعليم.
الأهالي بين القلق والإشادة
تباينت آراء أولياء الأمور الذين التقتهم عنب بلدي حول واقع التعليم في داريا، تبعًا لاختلاف المدارس وإداراتها.
مظهر أبو الهوا، والد أحد الطلاب، يرى ان وضع التعليم حاليًا “أفضل من السابق”، لكنه اضطر إلى تسجيل ابنه في معهد خاص بعد رسوبه في المدرسة الحكومية العام الماضي، في محاولة لتعويض الفاقد التعليمي.
في المقابل، انتقدت رهف، أم لطالب آخر، ما وصفته بـ“تبديل المدرسين وضعف الشرح”، مشيرة إلى تعرض ابنها لعقاب جسدي، دون أن تلقى شكواها استجابة، بحسب قولها.
بينما أشادت فاطمة بإدارة مدرسة أبنائها، معتبرة أن المتابعة اليومية للكادر التعليمي وانضباطه ينعكسان إيجابًا على مستوى الطلاب، ما يشير إلى تفاوت التجارب بين مدرسة وأخرى داخل المدينة.
وعود بزيادة الرواتب
على الصعيد الرسمي، نقلت الوكالة السورية للأنباء (سانا) عن وزير المالية السوري، محمد يسر برنية، قوله إن الحكومة تتجه إلى زيادة الرواتب في قطاعي التعليم والصحة ضمن خطة لإصلاح منظومة الأجور، دون تحديد جدول زمني واضح للتنفيذ.
وتتزامن هذه التصريحات مع احتجاجات وإضرابات شهدتها مناطق سورية عدة، خاصة في شمالي سوريا، للمطالبة بصرف رواتب متأخرة أو تحسين الظروف المعيشية للمعلمين، ما يعكس اتساع نطاق التحديات على المستوى الوطني.
لكن غياب جدول زمني واضح يترك المعلمين أمام حالة من الترقب وعدم الاستقرار، في وقت تتزايد فيه الضغوط المعيشية، ويستمر فيه تآكل القيمة الفعلية للرواتب بفعل التضخم.
وحاولت عنب بلدي أكثر من مرة الحصول على تعليقات حول موضوع التقرير من المجمع التربوي بداريا، المسؤول عن تعيين المدرسين في مدارس المدينة، لكن مدير المجمع اعتذر عن الإدلاء بأي معلومات بدون وجود تصريح خاص من مديرية التربية.
ولا تقتصر أزمة التعليم في داريا على ملف الأجور، بل ترتبط أيضًا بتراكم آثار سنوات الحرب والنزوح، وضعف التمويل، وتهالك البنية التحتية في العديد من مدارس المدينة.
ويضاف إلى ذلك ارتفاع تكاليف المواصلات والقرطاسية، وصعوبة تأمين بيئة صفية ملائمة في بعض الأبنية المدرسية، ما يضع العملية التعليمية أمام تحديات متشابكة تتجاوز مسألة الرواتب وحدها.
