اختفت معظم كروم العنب التي اشتهرت بها مدينة داريا، بعدما تحولت مساحات واسعة من أراضيها الزراعية إلى أحياء سكنية خلال العقود الماضية، لكن حضور العنب لم يختفِ تمامًا من ذاكرة المدينة وبيوتها.
فإلى جانب الدوالي التي كانت تزرع في الكروم على شكل أشجار عنب منخفضة، بقيت عرايش العنب حاضرة في بعض البيوت القديمة والمزارع، بوصفها أشجارًا متسلقة، تمنح أصحابها الظل والعنب وورق العنب، وتحفظ جزءًا من هوية زراعية ارتبطت طويلًا بداريا.
ولا تمثل العريشة بالنسبة لكثير من أبناء المدينة مصدرًا للعنب وورقه فقط، بل تختزن ذاكرة البيوت العربية القديمة، ومواسم العمل، وجلسات العائلات في الصيف، في وقت يحاول بعض السكان إعادة زراعتها رغم تقلص المساحات الخضراء وتغير ملامح المدينة.
الدوالي في الكروم والعرايش في البيوت
ارتبط اسم داريا منذ عقود بزراعة العنب، الذي شكل جزءًا من حياتها الاقتصادية والاجتماعية، وحضر في البيوت والأسواق والمواسم والأطعمة المحلية.
ولم تكن زراعة العنب في داريا على شكل واحد. ففي الكروم، كانت الدوالي تزرع غالبًا كأشجار عنب منخفضة، تمتد على مساحات واسعة من الأراضي الزراعية.
أما داخل البيوت العربية وبعض المزارع، فكان العنب يزرع على شكل عرايش، أي أشجار متسلقة على سقالة أو حوامل خشبية أو معدنية، لتوفير الظل والاستفادة من المساحة أسفلها.
ومع مرور الوقت، بدأ بعض المزارعين يعتمدون زراعة العنب على شكل عرايش داخل الكروم أيضًا، لتوفير المساحة وإتاحة الاستفادة من الأرض تحت العريش في زراعة محاصيل أخرى.
لكن المشهد الزراعي تبدل تدريجيًا، إذ تقلصت الأراضي المزروعة بفعل التوسع العمراني، ثم جاءت سنوات الحرب وما رافقها من دمار لتغير شكل المدينة بصورة أكبر، فلم يبق من كروم العنب الواسعة سوى ذاكرة يرويها كبار السن، وعرايش متناثرة داخل بعض المنازل والمزارع.


العريشة في البيت العربي
تستعيد زهرة النكاش، وهي من أبناء داريا، صورة البيوت العربية القديمة التي جمعت بين السكن والزراعة في مساحة واحدة، موضحة أن وجود العريشة كان جزءًا أساسيًا من تصميم معظم المنازل.
وقالت النكاش لعنب بلدي إن كل بيت كان يضم عريشة عنب إلى جانب أشجار أخرى تختلف بحسب مساحة الدار، مثل المشمش والخوخ والجارنك والليمون والكباد والنارنج والتوت والأكيدنيا، فيما كانت البيوت الواسعة تضم أيضًا بحرات مائية ومساحات مزروعة بأشجار متنوعة.
وأضافت أن لكل بيت تقريبًا مصدرًا خاصًا للمياه، سواء عبر بئر أو “طرنبة” يدوية، قبل وصول شبكات المياه الحديثة، وهو ما وفر للأهالي مياه الشرب وري الأشجار في الوقت نفسه.
وتتذكر النكاش منزل عائلتها الذي بلغت مساحته نحو 400 متر مربع، وكان يضم أنواعًا مختلفة من الأشجار والمحاصيل، في صورة تقول إنها كانت تمثل نمطًا شائعًا في بيوت داريا قبل عقود.
الكروم تحولت إلى أحياء
لا تقتصر ذاكرة زهرة النكاش على البيت، بل تمتد إلى شكل المدينة نفسها، التي تصفها بأنها كانت محاطة بالكروم والبساتين من جهات مختلفة.
وتقول إن مناطق قريبة من حارة المسيحية، والأراضي الممتدة قرب الفرن والكنيسة، كانت في السابق كروم عنب وأراضي زراعية، قبل أن تتحول تدريجيًا إلى أحياء سكنية مع اتساع العمران.
كما تتذكر الطريق الذي كانت تصطف على جانبيه أشجار الجوز، موضحة أن كثافة الأشجار كانت توفر ظلًا طبيعيًا للمارة وتخفف حرارة الصيف، قبل أن يختفي جزء كبير من هذا المشهد مع تراجع المساحات المزروعة.
وترى النكاش أن التوسع العمراني غير المشهد الذي عرفت به داريا، حتى إن كثيرًا من أبناء الجيل الجديد لم يشاهدوا الكروم التي اشتهرت بها بالمدينة قبل عقود، فيما بقيت بعض العرايش داخل البيوت من آخر الشواهد على تلك المرحلة.


من “قلم” إلى ظل البيت
لم تكن زراعة العنب، بحسب النكاش، تحتاج إلى تقنيات معقدة، إذ اعتمد الأهالي على طرق بسيطة توارثوها عبر الأجيال.
وتبدأ الزراعة بأخذ “قلم” من شجرة عنب، ثم غرسه مباشرة في الأرض أو وضعه في وعاء حتى تتكون الجذور، قبل نقله إلى مكانه الدائم.
وفي البيوت، كانت الشجرة تُوجه مع نموها لتصبح عريشة تمتد فوق الحوامل أو الأسلاك المعدنية، فتمنح أصحابها محصولين في الوقت نفسه، العنب الذي يؤكل أو يباع في الأسواق، وورق العنب الذي يستخدم في إعداد “اليبرق” أو يباع خلال الموسم.
أما في الكروم، فكانت زراعة العنب جزءًا من منظومة زراعية أوسع، إلى جانب أشجار الفاكهة وزراعة القمح ومحاصيل أخرى، ما جعل العنب عنصرًا حاضرًا في اقتصاد العائلات وغذائها ومواسمها.
ورق العنب.. موسم للبيت والسوق
لم تقتصر قيمة العريشة على ما تمنحه من ظل أو ثمار، بل شكل ورق العنب موسمًا تنتظره كثير من العائلات في داريا، سواء لاستخدامه في إعداد “اليبرق” أو لبيعه في الأسواق.
وتقول النكاش إن النساء كن يبدأن جمع الورق مع بداية الموسم، وقد تتمكن الأسرة الواحدة من جمع عشرات الكيلوغرامات يوميًا، قبل فرزه وحفظه أو بيعه.
أما محصول العنب، فكان ينقل إلى الأسواق عند نضوجه، ليشكل مصدر دخل إضافيًا للعائلات التي تمتلك عرايش أو كرومًا.
وتتذكر النكاش أنها كانت تستخدم “الشئبان”، وهو وشاح يربط حول الخصر على شكل جعبة، لجمع ورق العنب أثناء القطاف، في مشهد كان يتكرر كل عام داخل كثير من بيوت المدينة.


العريشة ملعب الأطفال ومجلس العائلة
حملت العريشة بعدًا اجتماعيًا في ذاكرة أبناء داريا، إذ لم تكن مكانًا للإنتاج الزراعي فقط، بل مساحة يقضي فيها أفراد العائلة جزءًا من يومهم.
وتتذكر النكاش أن العرايش القديمة كانت منخفضة وقريبة من الأرض، ما كان يسمح للأطفال بالصعود إليها بسهولة لقطف العنب أو اللعب والاختباء تحتها، على خلاف كثير من العرايش الحديثة التي أصبحت أعلى بسبب تغير أساليب البناء.
وتقول إن العريشة القديمة كانت عبارة عن دالية أرضية مرفوعة من أطرافها على الخشب، أما اليوم فأصبحت تبنى على أعمدة وأنابيب معدنية قد يصل ارتفاعها إلى ثلاثة أمتار.
وتتقاطع هذه الذكريات مع ما ترويه أم هيثم السمرة، وهي من أبناء داريا، التي تقول إن عريشة منزل عائلتها كانت جزءًا من طفولتها اليومية.
وأضافت أم هيثم لعنب بلدي أنها كانت تلعب في أرض الدار وتصعد إلى العريشة القريبة من نهاية الدرج، وتختبئ بين أغصانها عندما تتشاجر مع إخوتها، فيما كانت العائلة تقضي أوقاتًا طويلة تحت ظلها خلال الصيف، وتأكل من عناقيد العنب التي تنتجها.
وتشير إلى أن والدتها كانت تستفيد من محصول العنب في إعداد المربى، وتحفظ ورقه لتحضير “اليبرق”، بينما كانت العريشة تمنح المنزل ظلًا طبيعيًا يخفف حرارة الصيف.
وتقول أم هيثم إن أول ما حرصت على زراعته بعد انتقالها إلى منزلها كان عريشة عنب، رغبةً في استعادة جزء من ذكريات طفولتها، وليس فقط للحصول على العنب أو ورقه.
وتؤكد أن ورق العنب المزروع في داريا ما يزال، برأيها، يحتفظ بجودة وطعم يميزانه عن كثير من البدائل.
العنب الداراني.. اسم بقي في الذاكرة
رغم تراجع الكروم، ما يزال اسم “العنب الداراني” حاضرًا في ذاكرة أبناء المدينة، بوصفه أحد أكثر الأصناف ارتباطًا بداريا.
وترى النكاش أن ما يميزه لا يقتصر على شكله، بل يمتد إلى مذاقه المرتبط بطبيعة تربة المدينة ومياهها.
وتوضح أن شهرة هذا الصنف دفعت بعض الباعة إلى إطلاق اسمه على أنواع أخرى، إلا أن أبناء داريا كانوا يميزون العنب الداراني الحقيقي من خلال طعمه.
وتضيف أن الأمر لا يقتصر على العنب وحده، بل يشمل محاصيل أخرى كانت تشتهر بها المدينة، إذ كانت الفاكهة والخضار تستهلك مباشرة بعد قطافها، وهو ما حافظ على نكهتها وجودتها، بخلاف كثير من المنتجات التي تمر اليوم بمراحل نقل وتخزين قبل وصولها إلى الأسواق.
محاولات لحفظ ما تبقى
رغم تقلص المساحات الزراعية وتغير شكل المدينة، ما يزال بعض أهالي داريا يزرعون عرايش العنب في البيوت الجديدة أو المنازل التي أعيد ترميمها بعد سنوات الحرب، في محاولة للحفاظ على جزء من هوية المكان.
لكن هذه المحاولات تواجه تحديات، من بينها نقص المياه وتراجع مصادر الري.
وتشير النكاش إلى أن بعض الأراضي الزراعية، ومنها منطقة شواقة، تعاني اليوم من ضعف وصول المياه، ما انعكس على قدرة المزارعين على استعادة جزء من النشاط الزراعي الذي عرفت به المدينة.
ورغم أن الدوالي والكروم التي منحت داريا شهرتها لم تعد تحيط بالمدينة كما في الماضي، فإن العرايش التي بقيت داخل بعض المنازل ما تزال تحفظ جزءًا من تلك الهوية الزراعية.



