تشهد مدينة داريا حالة من الارتباك والغموض في ملف رئاسة البلدية، في ظل تداول متكرر لمعلومات غير مؤكدة عن استقالة رئيس البلدية الحالي أو تعيين بديل له، من دون صدور إعلان رسمي واضح يؤكد أو ينفي هذه المعلومات.
هذا التضارب في الأنباء، إلى جانب غياب البيانات الرسمية، خلق حالة من الالتباس لدى الأهالي حول ما يجري فعليًا، ومصدر القرارات المتعلقة بإدارة الشأن البلدي، والجهة المخولة باتخاذها.
وخلال الأسبوع الأخير، تكرر تداول خبر استقالة رئيس بلدية داريا، المهندس محمد جعنينة، أكثر من مرة، قبل أن يتبين في كل مرة عدم صدور قرار رسمي بهذا الشأن.
كما جرى تداول اسم رائد عبيد كرئيس جديد للبلدية، من دون إعلان رسمي يؤكد التعيين، ما عزز حالة التخبط وفتح باب التساؤلات حول آلية اتخاذ القرار والجهة التي تقف خلفه.
وحتى لحظة إعداد هذا التقرير، 3 شباط 2026، لم تصدر الإدارة المدنية أو إدارة المنطقة أي توضيحات رسمية تشرح ما يجري، فيما تعذر على عنب بلدي الحصول على تعليق من إدارة المنطقة، كما لم يصدر أي بيان رسمي ينفي أو يؤكد المعلومات المتداولة.
نقاشات شبابية في مواجهة واقع خدمي متدهور
في موازاة هذا الغموض، برز تحرك شبابي تمثل في نقاشات مكثفة بين مجموعات من أبناء داريا عبر وسائل التواصل الاجتماعي والمجموعات المحلية، ناقشت واقع الخدمات في المدينة، وطرحت أفكارًا لتنظيم آلية اختيار رئيس بلدية ومكتب تنفيذي يحظيان بدعم مجتمعي.
مهند أبو الزين عليان، أحد الناشطين المشاركين في مجموعة التشاور، قال لعنب بلدي إن فكرة التحرك جاءت نتيجة “نقاشات مختلفة مع مجموعة من الشباب حول الحاجة إلى تغيير أو على الأقل وضع آلية تنظيمية أفضل لإدارة شؤون المدينة”.
وأوضح أبو الزين أن النقاش تطور ليشمل مسألة اختيار رئيس بلدية ومجلس محلي، وتركز على سؤال الآلية، مؤكدًا أن “الطرح الدائم كان أن داريا، بتضحياتها، تستحق عملية انتخابية حقيقية بحيث يكون الناس هم من يختارون”.
وبحسب أبو الزين، فإن صعوبات تتعلق بإجراء انتخابات شاملة في المرحلة الحالية دفعت إلى البحث عن بدائل، من بينها اقتراح تشكيل هيئة تشاورية تمثل فئات مختلفة من المجتمع المحلي، مثل الناشطين، والأطباء، والمهندسين، والتجار، والحرفيين، والمعلمين، والقانونيين، على أن يتراوح عدد أعضائها بين 50 و100 شخص.
وأضاف أن اختيار أعضاء هذه الهيئة كان من المفترض أن يتم وفق معايير واضحة، تتعلق بوجود الشخص في داريا أو محيطها، والقدرة على التفرغ، والخبرة في العمل في الشأن العام أو المبادرات المجتمعية، والتأثير داخل المجتمع المحلي، بحيث تكون منوطة بمناقشة القرارات المصيرية المتعلقة بالمدينة، بما فيها التصويت على رئيس البلدية.
مسار تشاوري لم يكتمل
وأشار أبو الزين إلى أن المجموعة عملت، بالتنسيق مع الإدارة المدنية، على إعداد أوراق تفصيلية تتعلق بتوزيع الفئات، ومعايير الاختيار، وآلية جمع الأسماء، واستغرق العمل على هذا المسار نحو 15 إلى 20 يومًا.
ولفت إلى أن التعامل في البداية “كان جديًا”، وإن ترافَق مع ضغط باتجاه السرعة.
إلا أن هذا المسار، بحسب شهادته، جرى تجاوزه لاحقًا، حيث عُقد اجتماع حضره نحو 25 شخصًا، وتم خلاله طرح اسم مرشح لرئاسة البلدية، من دون استكمال الآلية التشاورية التي كانت قيد العمل.
وأكد أبو الزين أن الاعتراض “لم يكن على الشخص المطروح، بل على الطريقة”، مشددًا على أن مجموعة الشباب “لا تدعي تمثيل كل أهالي المدينة”، وأن أي تمثيل حقيقي “لا يكون إلا عبر انتخابات”.
آراء أخرى واعتراض على الطريقة
وحول نفس الموضوع، نشر رامي السقا، وهو خطيب مسجد ومدير أوقاف داريا، منشورًا على وسائل التواصل الاجتماعي، عبر فيه عن اعتراضه على آلية تعيين رئيس البلدية الحالي بعد سقوط النظام، معتبرًا أن التعيين جرى “بسرعة كبيرة” بذريعة تسيير شؤون الحياة كحالة طوارئ.
وأشار السقا إلى أنه تواصل مع مدير المنطقة، الذي أبلغه بأن الملف يعود إلى الإدارة المدنية، كما تواصل، إلى جانب شبان آخرين، مع الإدارة المدنية معترضين على الطريقة المتبعة.
وذكر السقا أن نقاشات لاحقة أفضت إلى التوافق على تكليف مجموعة من الشباب بالعمل على تشكيل مجمع تشاوري يمثل شرائح مختلفة من المجتمع، قبل أن يتغير المسار لاحقًا ويُتخذ قرار التعيين، ما طرح تساؤلات حول توقيت القرار وآلية اتخاذه، خاصة في ظل عقد اجتماع قبل أقل من 24 ساعة من موعده.
واقع خدمي ضاغط وأسئلة بلا إجابات
ويأتي هذا الجدل في وقت يعاني فيه الواقع الخدمي في داريا من تراجع كبير، نتيجة الدمار الواسع الذي لحق بالمدينة خلال سنوات الحرب، حيث تقدر نسبة الدمار بين 60 و70%.
كما شهدت المرحلة التي تلت سقوط النظام تغييرات إدارية واسعة، ترافقت مع نقص حاد في التمويل وغياب فعلي للدولة من حيث الدعم المادي وتنفيذ المشاريع، ما انعكس على ملفات النظافة والطرقات والتنظيم العمراني والصرف الصحي.
ورغم تسجيل تحسن محدود في بعض الخدمات، كالمياه والكهرباء، إلا أن هذا التحسن جاء في معظمه نتيجة جهود الأهالي، وليس ضمن خطط حكومية واضحة، وفق ما أشار إليه مهند أبو الزين عليان.
وكان رئيس البلدية، المهندس محمد جعنينة، قال في لقاء سابق مع عنب بلدي، إن بلدية داريا لم تتلق حتى الآن أي أموال من المحافظة أو أي جهة أخرى، مشيرًا إلى وعود بالدعم تلقاها من حملة “ريفنا بيستاهل” لكنها لم تنفذ حتى الآن.
وكانت حملة “ريفنا بيستاهل”، التي أقيمت في 20 أيلول الماضي في مدينة المعارض بدمشق، قد جمعت تبرعات لمحافظة ريف دمشق وصلت إلى 76 مليون دولارًا.
صمت رسمي يكرس التخبط
حتى لحظة إعداد هذا التقرير، لم تصدر الإدارة المدنية أو إدارة المنطقة أي توضيحات رسمية تشرح آلية اتخاذ القرار أو مسار تعيين رئيس البلدية، في وقت يرى فيه متابعون للشأن المحلي أن غياب المعلومة الرسمية وتناقض الروايات يساهمان في تعميق حالة الإرباك، ويضعفان ثقة الأهالي بجدوى المشاركة المجتمعية، في مدينة تواجه تحديات خدمية كبيرة وتبحث عن استقرار إداري واضح.
