تدفقت كميات جديدة من المياه غربي داريا ليل الثلاثاء 24 آذار، ووصلت إلى محيط جامع نور الدين الشهيد وما بعده، بعد فتح بوابات في مجاري الري القادمة من عين الطبوبية، ما فاقم اندفاع المياه داخل المدينة وتسبب باختناقات في العبارات والقنوات ومسارات التصريف، قبل أن تتدخل الجهات المعنية لتخفيف الضغط واحتواء الوضع.
وقال رئيس الضابطة في الموارد المائية، محمد الراس، لعنب بلدي، إن ما حدث نجم عن تعديات طالت مجاري الري، بعدما أقدم أشخاص من جهة معضمية الشام على فتح البوابات التي توجه المياه نحو داريا، ثم تثبيتها باللحام لتبقى مفتوحة، وهو ما تسبب بارتفاع كمية المياه المتدفقة إلى داخل المدينة بصورة مفاجئة.
وأضاف الراس أن فرق الموارد المائية تدخلت لاحقًا وأعادت الوضع إلى ما كان عليه، بعد إغلاق البوابات التي فتحت وتخفيف كمية المياه المتجهة إلى داريا، مشيرًا إلى أن ضبطًا سينظم بحق الأشخاص الذين فتحوا البوابات، تمهيدًا لمحاسبتهم.
وفي الوقت نفسه، عملت فرق الدفاع المدني على فتح الأقنية المسدودة في محيط جامع نور الدين الشهيد وعند منطقة الفصول الأربعة، لتسهيل مرور المياه وخفض المنسوب في النقاط التي شهدت أعلى ضغط خلال ساعات الليل.
فتح البوابات فاقم تدفق المياه نحو المدينة
بحسب رئيس الضابطة في الموارد المائية، بدأ الإشكال مع التعدي على مجاري الري القادمة من عين الطبطوبية، وهي مجارٍ تضبط عبر بوابات تحدد كمية المياه المتجهة إلى كل مسار.
ومع فتح هذه البوابات وتثبيتها على وضعية الفتح، دخلت كميات إضافية من المياه نحو داريا، في وقت لم تكن فيه العبارات والقنوات المارة داخل المدينة قادرة على استيعاب هذا التدفق.
ويظهر من ذلك أن المشكلة لم تكن في وجود المياه وحده، بل في الزيادة المفاجئة في كمياتها، وما رافقها من ضغط على مسارات التصريف، ولا سيما في المواقع التي تعاني أصلًا من تضييق أو انسداد أو ضعف في البنية الخدمية المخصصة لتمرير المياه.
وقال الراس إن هذه الزيادة تسببت باختناقات عند الجسور والعبارات والأنهار الصغيرة التي تمر منها المياه نحو المدينة، وهو ما أدى إلى تكرار الفيضان في أكثر من نقطة، ووصول المياه إلى ما بعد جامع نور الدين الشهيد، قبل أن تتم إعادة إغلاق البوابات وتخفيف الكميات الداخلة.
الدفاع المدني يحول المياه إلى مسار بديل
من جهته، قال مدير مركز الدفاع المدني في داريا، خالد نجم، لعنب بلدي، إن سبب الإشكالية يعود إلى تدفق كميات كبيرة من المياه باتجاه منطقة الفصول الأربعة، في وقت كانت فيه معظم العبارات الموجودة على هذا المسار مسدودة أو شبه مغلقة، ما صعّب مهمة فرق الاستجابة.
وأضاف نجم أن عناصر الدفاع المدني واجهوا صعوبات أثناء محاولة فتح تلك العبارات، بسبب تراكم الأوساخ والطمى فيها، إلى جانب وجود تجاوزات بناء أسهمت في إغلاق بعض المسارات أو الحد من قدرتها على تصريف المياه بالشكل المطلوب.
وأوضح أن الدفاع المدني عمل بالتنسيق مع البلدية على خطة ثانية، تمثلت في إغلاق أحد الخطوط ومحاولة فتح خط آخر باتجاه الأراضي الزراعية، بهدف تخفيف الضغط عن القناة التي تنساب باتجاه الفصول الأربعة، ومنع استمرار ارتفاع المياه في الأحياء القريبة منها.
ولم تقتصر المعالجة على فتح النقاط المسدودة، بل شملت أيضًا محاولة إعادة توزيع المياه على مسارات أقل ضغطًا، ريثما ينخفض المنسوب وتصبح السيطرة على الوضع ممكنة ميدانيًا.
المشكلة في التصريف لا في المياه
في المقابل، وصف سكان يقيمون قرب قناة مسعودة المشكلة بأنها أوسع، وترتبط بضعف التصريف داخل المنطقة.
وقال أحمد شرف، وهو من السكان المقيمين مقابل القناة، إن المياه نزلت باتجاه داريا، ومعها أيضًا مياه صرف صحي، مؤكدًا أن المنطقة لا تملك مخرجًا كافيًا لهذه الكميات في وضعها الحالي.
وأضاف شرف أن القناة الموجودة هناك لا يفترض أن تتحول إلى نقطة تجميع دائمة للمياه، لأنها من دون تصريف مكتمل تصبح أقرب إلى خزان مفتوح، تتجمع فيه المياه ثم تبدأ بالفيضان إلى الشارع والبيوت.
وأوضح أن هذا المجرى كان قديمًا يمتد حتى محيط جامع أبو سليمان، ثم يكمل باتجاه السبينة (ريف دمشق) ليصب في بحيرة الهجانة، لكن هذا المسار لم يعد مفتوحًا اليوم، ما يجعل المياه تتوقف وتفيض داخل المنطقة بدل أن تتابع مجراها الطبيعي.
وأشار إلى أنه يسكن في المنطقة منذ عام 2008، ثم عاد إليها بعد التهجير عام 2020، وقال إن المشكلة تتكرر لأن المياه تدفع إلى القناة من دون حل جذري لمسألة التصريف.
وبرأيه، فإن المياه “خير”، والمشكلة ليست في وجودها، بل في طريقة توجيهها والتعامل معها، ولا سيما حين يجري تسليطها على مجرى غير قادر على تمريرها بعد نقطة الجسر المغلقة.
ورأى أن الحل يحتاج إلى معالجة هندسية واضحة، من بينها تنفيذ جسر كبير ومفرغ من الأسفل، مع أنابيب واسعة تسمح بمرور المياه، ثم تغطيته من الأعلى، حتى لا تبقى الفتحة مكشوفة وتتكرر معها الفيضانات التي تغمر الشوارع للعام الثاني على التوالي.
كما أشار إلى أن المشكلة لا تتعلق فقط بالمياه السطحية، بل امتدت سابقًا إلى تضرر بعض الآبار في المنطقة وتلوث المياه فيها بعد نزول المياه إلى القناة، ما يضيف بعدًا خدميًا وصحيًا إلى الأزمة.
المياه اقتربت من المنازل ليلًا
من جانبها، قالت أم محمد، وهي من السكان المقيمين قرب جامع نور الدين الشهيد، إن المياه بدأت تصل إلى محيط منازلهم قرابة الساعة الثانية بعد منتصف الليل، ثم أخذت تزداد تدريجيًا باتجاه السكة، ما أثار مخاوف لدى الأهالي من احتمال وصولها إلى البيوت إذا استمر المنسوب بالارتفاع.
وأضافت أن القلق ازداد مع تقدم ساعات الليل، إذ كان السكان يراقبون حركة المياه ويتخوفون من اشتدادها، خاصة مع اقترابها من المنازل وغياب اليقين بشأن ما إذا كانت ستتوقف عند حدود الشارع أم ستتجاوزه.
وبحسب ما نقلته السيدة، فإن فرق الدفاع المدني أبلغت الأهالي في الموقع بأنها أغلقت الخط وأن المياه ستبدأ بالانخفاض تدريجيًا، وهو ما خفف جزءًا من المخاوف، بعدما بدا المشهد في ذروته مفتوحًا على احتمال اتساع الضرر.
معالجة إسعافية ومشكلة تتكرر
تكشف هذه الحادثة مجددًا أن مشكلة المياه في داريا لا ترتبط فقط بالتعديات الطارئة على مجاري الري أو بارتفاع كميات المياه المتدفقة، بل أيضًا بواقع مسارات التصريف داخل المدينة، وما تعانيه من انسدادات وتعديات وتضييق في بعض النقاط الحساسة.
ففي حين حملت الموارد المائية المسؤولية المباشرة للأشخاص الذين فتحوا البوابات وثبتوها على وضعية الفتح، تربط شهادات السكان والدفاع المدني بين ما جرى ليلًا وبين مشكلة مزمنة في تصريف المياه، تظهر بوضوح كلما ارتفع الضغط على القنوات والعبارات.
وتبدو الإجراءات التي اتخذت خلال الساعات الماضية مهمة من ناحية خفض المنسوب واحتواء الخطر المباشر، لكنها تبقى إسعافية ما لم تستكمل بخطوات أوسع تشمل تنظيف العبارات دوريًا، ومنع التعديات على مجاري الري، وإعادة فتح مسارات التصريف المغلقة، ووضع حل هندسي دائم يمنع تكرار الفيضانات في المنطقة.

