انعكس تقلب سعر صرف الدولار وارتفاعه خلال الأسبوعين الأخيرين على أسعار المواد الغذائية والمعيشية في داريا، وسط تذمر من سكان وباعة وسائقين من تآكل القدرة الشرائية لليرة، وتبدل الأسعار خلال اليوم الواحد، وتراجع حركة البيع في الأسواق.
وتظهر إفادات جمعتها عنب بلدي من المدينة أن أثر الدولار لم يقتصر على المواد المستوردة أو المرتبطة مباشرة بسعر الصرف، بل امتد إلى الخضار واللحوم والفروج والزيوت وأجور النقل والإيجارات.
وفي المقابل، اختلفت تفسيرات السكان بين من ربط الغلاء باضطراب سعر الدولار نفسه، ومن حمّل التجار مسؤولية استغلال التقلبات ورفع الأسعار بما يفوق الارتفاع الفعلي.
أسعار متقلبة وسوق غير مستقرة
قال أحد باعة المفرق إن الارتفاع المتكرر في سعر الدولار وعدم استقراره يؤثران مباشرة على السوق والمستهلك، موضحًا أن البائع يتأثر بدوره لأنه يبيع ويشتري في سوق سريع التبدل.
وأضاف أن الدولار قد يرتفع خلال يوم واحد بمقدار 500 أو 600 ليرة، وأن الفارق خلال أسبوع واحد وصل إلى نحو 1500 ليرة، وهو ما ينعكس مباشرة على أسعار السلع في المحال.
وبحسب قوله، فإن الزبون قد يسأل صباحًا عن سعر سلعة معينة، ثم يفاجأ بسعر مختلف لها بعد الظهر في اليوم نفسه، بسبب التغير السريع في سعر الصرف.
ويرى أن هذا التذبذب لا يربك المستهلك فقط، بل يضع البائع أيضًا في مواجهة يومية مع الزبائن، في ظل صعوبة تثبيت الأسعار أو الحفاظ على هامش ربح واضح.
الطبقة الوسطى والأدنى تتحمل العبء الأكبر
في المقابل، قال أحد السكان إن أثر ارتفاع الدولار يبدو أشد على الطبقتين الوسطى والأدنى دخلًا، مضيفًا أن الغني قد لا يشعر بالفارق كما يشعر به أصحاب الدخل المحدود.
وأوضح أن أسعار الخضار واللحوم والفروج ارتفعت جميعها، وأن النتيجة المباشرة كانت تراجع الاستهلاك وانخفاض القدرة على الشراء.
وأضاف أن اللحم لم يعد في متناول كثير من الناس، وأن استهلاك الفروج تراجع أيضًا، إلى جانب بقية المواد الغذائية الأساسية.
وفي إفادة أخرى، قال أحد السكان إن أثر الغلاء يظهر بوضوح في تفاصيل الإنفاق اليومي، إذ كانت الـ 100 دولار تكفي سابقًا لتغطية حاجات الأسرة عشرة أيام أو 15 يومًا، بينما لم تعد اليوم تكفي دخول محل سمانة أو شراء خضار وحاجات أساسية، بحسب وصفه.
وأضاف أن السعر الرسمي أو المتداول للدولار لا يعكس قيمته الفعلية في السوق، معتبرًا أن الدولار “يصرف بـ 13 أو 14 ألف ليرة، لكنه فعليًا في السوق يساوي أكثر بكثير”، في إشارة إلى اتساع الفجوة بين سعر الصرف المعلن والأسعار الفعلية للمواد والخدمات.

من الغذاء إلى الإيجار والنقل
لم يقتصر أثر تقلب الدولار على السلع الغذائية، بل امتد أيضًا إلى الإيجارات وتكاليف النقل.
وقال أحد السكان إن المبلغ الذي كان يعادل 100 دولار كان يكفي سابقًا لدفع إيجار محله لمدة شهرين، بينما لا يغطي اليوم سوى إيجار أسبوع واحد، في وصف يعكس حجم القفزة في تكاليف المعيشة.
ومن جانبه، قال سائق تكسي إن ارتفاع الأسعار طال كل شيء تقريبًا، مضيفًا أن سائقي سيارات الأجرة باتوا يشتغلون “بحق البنزين”، في ظل صعوبة رفع التسعيرة على المواطن.
وأوضح السائق أنه إذا رفع الأجرة أكثر فقد يخسر الزبون الذي سيتجه إلى السرفيس أو وسيلة نقل أقل كلفة، في وقت لم يعد فيه السكان قادرين على تحمل أي زيادة إضافية.
الدولار أم التاجر؟
في تفسير أسباب الغلاء، انقسمت آراء السكان بين من حمل سعر الدولار المسؤولية المباشرة، ومن اعتبر أن المشكلة الأعمق تتعلق بطريقة التسعير واستغلال بعض التجار للأزمات.
وقال أحد السكان إن تداول الدولار بين الناس بدل الليرة السورية ألحق ضررًا كبيرًا بالسوق، مضيفًا أن معظم الأسعار تضاعفت، بينما بات كثيرون يرفضون التعامل بغير الدولار.
واعتبر أن هذا التحول ساهم في إضعاف الليرة ورفع الأسعار على المستهلكين.
في المقابل، رأى آخر أن “المشكلة ليست مشكلة الدولار، بل مشكلة التاجر”، معتبرًا أن بعض التجار يرفعون الأسعار مع كل أزمة جديدة، سواء كان ذلك في الفترة السابقة أو الآن.
وأضاف أن التاجر “لا يرحم”، وأن أي ظرف اقتصادي أو سياسي يتحول إلى ذريعة لزيادة الأسعار، في ظل غياب رقابة فعالة.
الصرافون أيضًا تحت الضغط
الاضطراب لم يقتصر على المستهلكين والباعة، بل طال قطاع الصرافة أيضًا.
وقال بشار خولاني، وهو صاحب مكتب صرافة، لعنب بلدي، إن تقلب سعر صرف الدولار أثر بشكل كبير على عملهم، موضحًا أنهم قد يبيعون الدولار للزبائن ويقبضون مقابله الليرة السورية، ثم يتغير السعر سريعًا بحيث يضيع هامش الربح، وقد تنتهي بعض العمليات بخسارة.
وربط خولاني بداية موجة الارتفاع الأخيرة بالتطورات الإقليمية، ولا سيما الحرب بين إسرائيل وإيران، معتبرًا أن الأزمة الدولية أسهمت في دفع الدولار إلى مستويات مرتفعة.
وأضاف أن أي تراجع لاحق في سعر الصرف يبقى مرتبطًا بانحسار هذه التوترات.
مطالب بالتدخل وضبط السوق
كرر غالبية من التقتهم عنب بلدي مطالبتهم للحكومة بالتدخل لضبط السوق، سواء عبر مكافحة الفساد أو تعزيز دور المؤسسات أو خلق منافسة تحد من انفلات الأسعار.
وبينما يربط بعضهم الأزمة بالعوامل الخارجية وتقلب الدولار، ويرى آخرون أن جشع بعض التجار فاقمها، تبقى النتيجة واحدة بالنسبة إلى سكان داريا. أسعار أعلى، وقدرة شرائية أضعف، وحياة يومية أكثر كلفة من السابق.
