يضطر عادل همار إلى إغلاق نوافذ منزله ليلًا رغم حرارة الطقس، عندما تحمل الرياح دخان النفايات المحترقة من منطقة الخليج إلى حارة المشش في داريا، حيث يقول سكان إن الحرائق المتكررة تحولت إلى مشكلة مستمرة منذ أكثر من عامين.
وفي شهادات جمعتها عنب بلدي، تحدث خمسة من سكان الحارة عن وصول رائحة البلاستيك والنفايات المحترقة إلى المنازل والباحات، وعن أعراض صحية يربطونها بالدخان، خصوصًا لدى الأطفال وكبار السن.
ولا تتوفر تقارير طبية تثبت ارتباط الحالات التي تحدث عنها السكان بحرائق النفايات.
وتأتي الشكاوى بعد نحو أسبوعين من تقرير لعنب بلدي قالت فيه بلدية داريا إنها تنتظر من محافظة ريف دمشق تخصيص مكب بديل يبعد بين عشرة و15 كيلومترًا عن المدينة.
وحتى ذلك الحين، ما تزال النفايات تُجمع في موقع الخليج وتعود الحرائق إلى الظهور فيه.
الدخان يدخل المنازل ليلًا
يبعد منزل عادل همار نحو 200 متر عن موقع تجميع النفايات، في دخلة المشش المعروفة أيضًا بـ«برغش»، ويقول إن الدخان كان يصل إلى المنطقة سابقًا، لكنه أصبح أكثر إزعاجًا منذ بداية الصيف.
وتشتد الرائحة، بحسب همار، بعد العشاء وتستمر خلال الليل، فتغلق العائلة النوافذ وتسدِل الستائر رغم ارتفاع درجات الحرارة.
«بالليل من العشاء وطالع، وطوال الليل عم تعسعس النار والدخان»، يقول همار، مضيفًا أن رائحة احتراق البلاستيك والنفايات تمنع العائلة أحيانًا من الجلوس في باحة المنزل أو إبقاء النوافذ مفتوحة.
وفي الحارة نفسها، يقول محمد بارودي إن دخان الحرائق يصل إلى غرف منزله، ولا يقتصر، بحسب مشاهدته، على المنازل القريبة من الخليج، بل تحمله الرياح باتجاه مناطق أخرى.
ويتحدث بارودي عن مشكلات صحية لدى أطفال في المنطقة يعتقد الأهالي أنها مرتبطة بالدخان، مطالبًا بوقف الحرائق ونقل النفايات إلى موقع بعيد عن المناطق السكنية.
محمد سمرة قويدر يواجه المشكلة نفسها في منزله، ويقول إن أثر الدخان يزداد عندما تكون حركة الرياح باتجاه الحارة، فيصعب على أفراد عائلته، وبينهم أطفال وكبار في السن، الجلوس في الباحة أو داخل الغرف.
ويختصر الوضع بقوله: «إن قعدت بالغرفة مصيبة، وإن قعدت برا كمان مصيبة أكبر وأكبر».
وبحسب قويدر، اصطحب أحد جيرانه عددًا من أطفاله إلى الطبيب بسبب أعراض يعتقد أنها مرتبطة بالدخان، لكن عنب بلدي لم تحصل على تشخيص طبي يربط حالتهم بحرائق النفايات.
ويقول قويدر إنه راجع بلدية داريا والمخفر ورئيس المنطقة بشأن المشكلة، من دون أن تؤدي مراجعاته إلى وقف الحرائق.

شكاوى منذ أكثر من عامين
لا يتحدث سكان حارة المشش عن حريق واحد.
حسان المشش يقول إن الحرائق والروائح تتكرر صيفًا وشتاءً، وإنه راجع البلدية ومسؤولين محليين بشأنها.
ويعاني المشش، وفق قوله، من الحساسية والربو، ويتحدث عن حالات حساسية والتهابات في القصبات بين سكان المنطقة، لكنه لا يملك بيانات طبية تحدد عدد الحالات أو علاقتها بالدخان.
وتظهر حدة غضبه عندما يقول: «لا طالبناهم بمياه، ولا طالبناهم بضبط الأسعار، ولا بالكهرباء، ولا بأي شيء كان، بس خلونا نعيش».
ويطالب المشش، كبقية السكان الذين تحدثوا إلى عنب بلدي، بإبعاد موقع تجميع النفايات عن المنازل، معتبرًا أن إطفاء الحرائق بعد اندلاعها لا يعالج المشكلة التي تتكرر في الموقع نفسه.
من يشعل النفايات؟
لا توجد حتى الآن رواية واحدة تحسم كيفية بدء جميع الحرائق في موقع الخليج.
يقول أنس همار إن البلدية تستخدم المنطقة لتجميع النفايات لعدم وجود مكب بديل، وينقل عن رئيس البلدية أن البلدية لا تشعلها، وأن هناك اشتباهًا بأشخاص ينبشون القمامة ويجمعون المواد القابلة للبيع.
وكان رئيس بلدية داريا، رائد عبيد، قال في تقرير سابق لعنب بلدي إن البلدية رصدت شخصًا تشتبه في إشعاله النار في الموقع، وعممت رقم مركبته لاتخاذ الإجراءات بحقه.
لكن مسؤول مصلحة الصيانة والحدائق في البلدية، خالد خشيني، قدم في تقرير نشرته عنب بلدي أسبوعين تفسيرًا آخر لبعض الحرائق، إذ قال إن النار قد تبدأ داخل حاويات القمامة قبل وصولها إلى الخليج.
وبحسب خشيني، قد تبقى النفايات مشتعلة ببطء داخل الحاويات، ثم تنتقل النار إلى بقية المخلفات بعد تفريغها في موقع التجميع، وتساعد حركة الهواء على انتشارها.
ويقول أنس همار إن فرق الدفاع المدني تدخلت أكثر من مرة لإطفاء الحرائق، لكن النار قد تبقى داخل أكوام النفايات وتعود إلى الظهور لاحقًا.
النبش يترك النفايات خارج الأكياس
إلى جانب الدخان، يشكو أنس همار من النباشين الذين يفتحون أكياس القمامة بحثًا عن البلاستيك والمواد التي يمكن بيعها، ثم يتركون بقية محتوياتها مبعثرة قرب الحاويات وفي الشوارع.
ويقول إن الأهالي يضعون نفاياتهم في أكياس، لكن بعض جامعي المواد القابلة للبيع يفتحونها ويتركون ما لا يحتاجونه على الأرض، قبل أن تجمعها آليات البلدية وتنقلها إلى الخليج.
وكانت البلدية قالت لعنب بلدي في التقرير السابق إنها لا تستطيع تخصيص حراس للحاويات أو مراقبة موقع التجميع بصورة دائمة بسبب نقص العاملين، موضحة أن لديها 39 موظفًا موزعين على جمع النفايات والصرف الصحي وتعبيد الطرق وأعمال خدمية أخرى.
مراقبة الموقع إلى حين نقله
مع عدم تخصيص مكب بديل حتى الآن، يقترح أنس همار تنظيم موقع التجميع الحالي بصورة مؤقتة، من خلال استئجار مساحة محددة في أرض الخليج وإحاطتها بسور وحصر الدخول إليها بمدخل ومخرج يمكن مراقبتهما.
ويقترح حسان المشش تخصيص عاملين لمراقبة الموقع صباحًا ومساءً ومنع إشعال النفايات.
وطرح أيضًا حلولًا أخرى، بينها توزيع النفايات مؤقتًا على أكثر من موقع، وهي مقترحات للسكان لم تعرض كحلول فنية أو معتمدة من البلدية.
ويبقى نقل موقع التجميع هو المطلب المشترك بين السكان الخمسة الذين تحدثوا إلى عنب بلدي.
وكان مسؤول الصيانة والحدائق في البلدية، خالد خشيني، قال لعنب بلدي في 29 من آب إن البلدية تطفئ الحرائق بالتعاون مع الدفاع المدني وتطمر النفايات بالتراب، لكنها لا تملك موقعًا بديلًا، وإنها طلبت من محافظة ريف دمشق تخصيص مكب يبعد بين عشرة و15 كيلومترًا عن المدينة.
وبعد نحو أسبوعين من ذلك التصريح، ما يزال موقع الخليج مستخدمًا لتجميع النفايات، فيما يقول سكان حارة المشش إن الدخان ما يزال يصل إلى منازلهم.

