مع دخول شهر رمضان، تتبدل ملامح الأسواق في مدينة داريا، فواجهات المحال والبسطات تمتلئ بالألوان والروائح المعتادة: المعروك بأنواعه، القطايف، ووربات القشطة، إلى جانب أباريق عرق السوس والتمر الهندي والجلاب.
مشهد يتكرر كل عام مع بداية الشهر، غير أن حضوره هذا العام يأتي في ظل ظروف معيشية يصفها الأهالي بالصعبة.
خلال جولة ميدانية أجرتها عنب بلدي في الأيام الأولى من رمضان، بدا حضور الأصناف الرمضانية واضحًا في ساحة التربة وعدد من الأحياء الداخلية.
البسطات مصطفة، والكميات المعروضة كبيرة، إلا أن حركة البيع لم تكن على وتيرة واحدة، إذ تفاوتت من يوم إلى آخر.
حركة بيع متقلبة
محمد خولاني، صاحب بسطة في ساحة التربة، قال إن الإقبال كان مرتفعًا في اليوم الأول من رمضان، قبل أن يتراجع لاحقًا.
وأضاف: “الطلب اليوم خفيف، رغم أن البضاعة متوفرة بأسعار مناسبة”، مشيرًا إلى أن حركة الشراء ترتبط مباشرة بقدرة الناس على الإنفاق، وتتغير بحسب الظروف اليومية.
بالقرب منه، كان شادي يبيع المشروبات الرمضانية. وصف حركة البيع بأنها “متوسطة”، موضحًا أن سعر كأس العرق السوس يتراوح بين 4000 و8000 ليرة سورية، مع استمرار الطلب على التمر الهندي.
واعتبر أن الموسم الحالي “أفضل بكثير من العام الماضي”، مضيفًا أن الأجواء العامة تمنح الناس “راحة نفسية” أكبر مقارنة بالعام الفائت، رغم استمرار التحديات الاقتصادية.
في حي الشاميات، داخل محل شعبيات قرب جامع أنس، قال فايز نداف إن التركيز في رمضان ينصب على المعروك بأنواعه.
وأوضح: “عادة نصنع أنواع الحلو العربي بالسمنة البلدية والزبدة، ونركز الآن على المعروك السادة والمحشو بالعجوة وجوز الهند والشوكولا والجبنة”، لافتًا إلى أن المعروك يبقى من الأصناف الأكثر طلبًا لارتباطه برمزية الشهر.
بدوره، أشار بشار الكردي، صاحب محل آخر، إلى أن القطايف ووربات القشطة ما تزالان حاضرتين على رفوف المحال، موضحًا أن القدرة الشرائية “متوسطة هذه الأيام”، وأن المحال تحاول توفير أصناف بأسعار متفاوتة لتناسب شرائح مختلفة من الزبائن.
ضيق الحال يغير الحسابات
في مقابل وفرة المعروض، تحدث عدد من الأهالي عن صعوبة التوفيق بين الرغبة في الحفاظ على طقوس رمضان والإمكانات المالية المتاحة.
خيرو صريم (87 عامًا)، وهو أب لخمسة أبناء ويعيش مع أحدهم في منزل واحد، قال إن ضيق الحال يفرض قيودًا واضحة على أسرته.
وأضاف: “لا أستطيع إعالة الأسرة كما يجب”، مشيرًا إلى أن ابنه يعاني من مرض في القلب ولا يستطيع تأمين متطلبات العائلة.
وبين الرجل أن “الطبخة الواحدة تكلف ما لا يقل عن 250 ألف ليرة سورية”، وهو مبلغ يصعب تأمينه، ما يجعل الحلويات والمشروبات الرمضانية خارج الحسابات في كثير من الأحيان.

أطباق لا تغيب عن السفرة
ورغم ذلك، لا تغيب بعض الأطباق المرتبطة بالهوية المحلية عن المائدة الديرانية.
عبير شحادة، العائدة من لبنان، قالت إن أكلات اللبن مثل “الشاكرية والكوسا بلبن والشيش برك” من أساسيات السفرة، إلى جانب العصائر الرمضانية التقليدية، معتبرة أن هذه الأصناف جزء من هوية الشهر في داريا.
محمد خولي رأى أن الفتة والفول وأكلات اللبن ترتبط مباشرة برمضان، لكنه أشار إلى أن “وربات القشطة والنمورة باتتا رفاهية في هذا الشهر”، في ظل ارتفاع تكلفتهما.
أما عبيدة الكشك، فتحدثت عن حضور المعروك المحشي والسمبوسك والأطباق البيضاء في منزلها، معتبرة أنها “رمز للتفاؤل بالخير والسلام”.
في حين قالت حنان شعبان إن أسعار المأكولات الجاهزة “غالية جدًا”، ما يدفعها إلى تحضير الحلويات في المنزل لتوفير النفقات، وفي الوقت نفسه تعليم بناتها طرق إعداد الأطباق التقليدية.
بين الطقوس والإمكانات
بين واجهات المحال التي تعج بأصناف رمضان، والمنازل التي تحاول الحفاظ على ما يمكن من الطقوس، تبدو مائدة رمضان في داريا هذا العام انعكاسًا مباشرًا للواقع المعيشي.
الأكلات والمشروبات التقليدية حاضرة بوضوح في الأسواق، من المعروك إلى القطايف ومن عرق السوس إلى الجلاب، لكن انتقالها من الواجهة إلى السفرة اليومية يمر عبر حسابات دقيقة، فالأسر توازن بين الرغبة في إحياء عادات الشهر، وبين الإمكانات التي تسمح بها ظروفها.
وهكذا، يحمل رمضان في داريا صورتين متوازيتين: أسواق ممتلئة بطقوس مألوفة، وموائد تُرتب بعناية وفق ما تسمح به القدرة الشرائية.
بين المشهدين، تتشكل تفاصيل الشهر كما يعيشه السكان، في مساحة تتقاطع فيها العادة مع الواقع، والرمزية مع الحسابات اليومية.
