لا ينتهي امتحان الشهادة عند باب المركز الامتحاني بالنسبة لكريم، طالب البكالوريا العلمي في داريا.
فبعد كل امتحان يعود إلى منزله حاملًا سؤالًا إضافيًا لا يتعلق بالأسئلة أو العلامات، بل بالمقارنة المستمرة مع شقيقه الأكبر الذي حقق مجموعًا مرتفعًا في البكالوريا العام الماضي.
يقول كريم (وهو اسم مستعار) لعنب بلدي إن أول امتحان بدا أصعب مما توقع، رغم استعداده الجيد للمادة، موضحًا أن التوتر داخل القاعة أثّر على تركيزه وأدائه، وجعله يشعر بأن ما درسه لا ينعكس دائمًا بالصورة التي يريدها أثناء الامتحان.
ولا يخفي أنه يشعر أحيانًا بضغط غير مباشر بسبب المقارنات مع أخيه، خاصة أنه يطمح إلى دراسة الهندسة مستقبلًا. ويضيف أن والديه لا يذكرانه بتكاليف الدروس الخصوصية أو يضغطان عليه بشكل مباشر، لكنه يشعر بمسؤولية كبيرة تجاههما ورغبة في رد جزء من تعبهما عبر تحقيق نتيجة جيدة.
قصة كريم ليست الوحيدة. فمع انطلاق امتحانات الشهادات العامة، تنتقل أجواء القلق إلى كثير من منازل داريا، حيث يعيش الأهالي والطلاب المرحلة نفسها بطرق مختلفة، بين الخوف من الامتحان، والرهان على المستقبل، ومحاولات الأسرة المستمرة للحفاظ على التوازن داخل المنزل خلال أسابيع الامتحانات.
التوتر يتغير من مادة إلى أخرى
أم همام تعيش هذا العام تجربة الامتحانات مع ولدين، أحدهما في الصف التاسع والآخر في البكالوريا.
وتقول لعنب بلدي إن حالة التوتر داخل المنزل لا تبقى على الوتيرة نفسها طوال فترة الامتحانات، بل ترتفع وتنخفض بحسب المادة المقبلة، فبعض المواد تمر بهدوء نسبي، بينما تسبق مواد أخرى أيام من القلق والترقب.
وتضيف أن أبناءها يصفون معظم الأسئلة بأنها منطقية وليست صعبة بالمعنى الحقيقي، لكن رهبة الامتحان تبقى حاضرة حتى لدى الطلاب الذين حضّروا جيدًا وراجعوا المادة بشكل كاف.
وتحاول، بحسب قولها، دعم ولديها نفسيًا بعيدًا عن الضغط أو ربط النجاح بتوقعات محددة، مؤكدة أنها سجلتهما في دورات دعم قبل الامتحانات، بينما تعتمد اليوم على جهودهما الذاتية وثقتها بقدرتهما على التعامل مع المرحلة.
ورغم ذلك، تعترف بأن أيام المواد التي يراها الأبناء صعبة تنعكس على أجواء المنزل كله، من مواعيد النوم والطعام إلى طبيعة الأحاديث اليومية، إذ يصبح الجميع أكثر حذرًا في التعامل مع الطالب خلال تلك الفترة.
اللحاق بمنهاج جديد
أما أم علاء فتعيش تجربة مختلفة مع ابنتها الطالبة في البكالوريا بعد عودتها من لبنان.
وتقول إن ابنتها واجهت صعوبة في التأقلم مع بعض المواد الأساسية، خاصة العربية والفرنسية والإنكليزية، نتيجة اختلاف النظام التعليمي الذي كانت تدرسه سابقًا.
وأضافت أن المعهد الذي تتابع فيه ابنتها حاول مساعدتها على تعويض الفجوات الدراسية ومراعاة أوضاع الطلاب العائدين من خارج سوريا، لكن التوتر بقي حاضرًا مع اقتراب الامتحانات.
وخلال هذه الفترة، تحرص الأم على تخفيف الأعباء المنزلية عن ابنتها، فلا تطلب منها القيام بأي أعمال داخل المنزل، وتركز على توفير أجواء هادئة تساعدها على الدراسة والراحة.
وتقول إنها ترافقها يوميًا إلى المركز الامتحاني، حيث تلاحظ اختلاف ردود فعل الطلاب بين الثقة والارتباك والقلق، مضيفة أنها تدعو لهم جميعًا بالتوفيق لأنها تشعر أن كل طالب يعيش لحظة مشابهة لتلك التي تعيشها ابنتها.
كما تؤكد أنها لا تربط مستقبل ابنتها بمعدل أو اختصاص محدد، حتى لا تتحول توقعات الأسرة إلى مصدر ضغط إضافي أو سبب للإحباط في حال لم تسر النتائج كما هو متوقع.
القلق ليس دائمًا مشكلة
الخبيرة في علم النفس مرح صبح قالت لعنب بلدي إن قلق الامتحان والتوتر والخوف من الفشل تعد من أكثر المشكلات النفسية شيوعًا لدى طلاب الشهادات.
وأضافت أن هذه المشاعر تصبح أكثر حدة عندما يتعرض الطالب للمقارنة مع إخوته أو زملائه، حتى لو كان الهدف من المقارنة التحفيز، لأن الطالب قد يشعر حينها بأن قيمته مرتبطة بالنتيجة التي سيحققها.
وأوضحت أن القلق بحد ذاته ليس أمرًا سلبيًا، بل يمكن أن يكون دافعًا للإنجاز والاستعداد الجيد، لكنه يتحول إلى مشكلة عندما يؤثر في النوم أو الشهية أو القدرة على التركيز، أو عندما يرافق الطالب طوال يومه ويمنعه من الدراسة بصورة طبيعية.
وترى صبح أن الأسرة تلعب دورًا حاسمًا خلال هذه المرحلة، إذ يمكن أن تكون مصدر دعم وطمأنينة، أو تتحول إلى عامل ضغط إضافي إذا ربطت الامتحان بقيمة الطالب أو بمستقبله بالكامل.
وتنصح الأهالي بالتركيز على الجهد الذي يبذله الأبناء بدل التركيز الحصري على العلامات، مؤكدة أن الامتحانات تقيس جانبًا من القدرات الأكاديمية، لكنها لا تختصر قيمة الإنسان أو إمكاناته.
كما تدعو الطلاب إلى تنظيم وقتهم ووضع أهداف واقعية، والحفاظ على النوم الصحي والتغذية المتوازنة، واختيار أسلوب الدراسة الأنسب لهم، سواء عبر التلخيص أو الكتابة أو الدراسة الفردية أو الجماعية، بعيدًا عن المقارنات والضغوط الخارجية.
وبين طالب يخشى ألا يحقق النتيجة التي ينتظرها من حوله، وأم تحاول حماية أبنائها من القلق، وأخرى تسعى لتعويض ما فاتها بسبب اختلاف المناهج، تبدو امتحانات الشهادات في داريا هذا العام اختبارًا للأسرة بقدر ما هي اختبار للطالب نفسه.
