تتراجع كثافة سفرة الإفطار في كثير من بيوت داريا مع اقتراب نهاية شهر رمضان، في تغير يربطه الأهالي بعاملين يتكرران في أحاديثهم: ارتفاع الأسعار من جهة، وتراجع الحماس للطبخ اليومي بعد أسابيع من التحضير المتواصل من جهة أخرى.
ويظهر هذا التغير في عدد الأطباق الموضوعة على المائدة، وفي طبيعة المشتريات من الأسواق، مع اتجاه متزايد لدى بعض العائلات إلى تقليص الكميات والاكتفاء بالأصناف الأساسية أو الأقل كلفة والأسرع تحضيرًا.
ورصدت عنب بلدي هذه التحولات من خلال لقاءات مع ربات منازل وبائع خضراوات في المدينة، تحدثوا عن تبدل واضح في عادات الطبخ والتسوق خلال الأيام الأخيرة من رمضان، مع محاولات للحفاظ على أجواء الشهر ضمن الإمكانات المتاحة.
تنويع مستمر.. بكميات أقل
تقول أميرة عليان إن وضعها المادي لم يكن جيدًا منذ بداية رمضان، لكنها تحاول رغم ذلك الحفاظ على تنويع سفرة الإفطار، وتوضح أنها ما تزال تفضل إعداد أكثر من صنف يوميًا، لكنها تلاحظ أن الكميات التي تعدها أصبحت أقل مما كانت عليه في بداية الشهر.
وتضيف أنها تجد نفسها أحيانًا محتارة في اختيار الطبخة، خاصة مع تحملها وحدها مسؤولية إعداد الطعام وتأخر زوجها في العودة إلى المنزل، فتختار أحيانًا أطباقًا مثل المعكرونة بالبشاميل.
وتشير أميرة إلى أن الغلاء يدفعها أحيانًا إلى اختصار بعض الأطباق، لكنها تحاول في المقابل الحفاظ على أجواء رمضان داخل المنزل، حتى لو تطلب ذلك إعداد أطباق أكثر غنى في بعض الأيام لإرضاء أفراد العائلة. كما تعيد أحيانًا طبخ وجبات نالت إعجابهم سابقًا خلال الشهر.
وتقول إن ضيق الوقت يشكل أحد أبرز التحديات في رمضان، إذ يمر اليوم بسرعة بين الأعمال المنزلية والتحضير للإفطار.
لذلك حرصت هذا العام على شراء ملابس العيد قبل بداية الشهر، خشية أن تعجز عن تأمينها لاحقًا مع ارتفاع الأسعار.
طبق يختفي كل يوم
أما هدى، فترى أن التغير في سفرة الإفطار مع اقتراب نهاية رمضان أكثر وضوحًا.
وتصف ما يحدث بقولها إن السفرة “تفقد طبقًا كل يوم”، في إشارة إلى تراجع عدد الأطباق تدريجيًا مع مرور الأيام.
وتوضح أن تكرار بعض الوجبات جعل أبناءها أقل طلبًا للطعام مقارنة ببداية الشهر، فيما باتت الخيارات المتاحة أمامها أضيق من السابق.
وتضيف أن مشكلة تأمين الغاز زادت الضغط على ميزانية المنزل، إذ اضطرت في بعض الأيام إلى شراء أطباق جاهزة عندما لم يتوفر الغاز، وهو ما أدى إلى زيادة المصروف بدل تقليله.
وتحاول هدى الآن تقليل الإنفاق قدر الإمكان لتتمكن من إعداد بعض حلوى العيد في المنزل، لأنها لن تستطيع شراء الجاهز بسبب ارتفاع سعره.
كما تشير إلى أنها لن تتمكن من شراء ملابس كاملة لأطفالها هذا العام، وستكتفي بالأشياء الضرورية مثل الأحذية.
وتقول إنها اشتركت مع بعض شقيقاتها في “جمعية” بسيطة لتغطية جزء من المصاريف، لأن راتب زوجها الموظف، رغم عمله بعد الدوام، لا يكفي لتلبية جميع احتياجات الأسرة التي تضم أربعة أطفال.
الأسواق تهدأ والشراء “بالحبة”
في الأسواق، يلاحظ التجار أيضًا تغيرًا في سلوك الشراء خلال الأيام الأخيرة من رمضان.
يقول أبو جمال سرور، صاحب محل خضراوات قرب المركز الثقافي في داريا، إن الطلب تراجع مقارنة ببداية الشهر، وإن كثيرًا من الزبائن باتوا يشترون حاجتهم فقط “بالحبة أو الحبتين”.
ويرى أن الإقبال في الأيام الأولى من رمضان كان أكبر، سواء من حيث عدد الزبائن أو الكميات، لأن بعض العائلات كانت تفضل شراء كميات أكبر لتجنب التسوق اليومي.
ويشير إلى أن الطلب في بداية الشهر كان واضحًا على أصناف ترتبط بعادات الطبخ الرمضاني في داريا، مثل الكوسا المستخدمة في أكلات اللبن، قبل أن تميل المشتريات لاحقًا إلى مستلزمات السلطة أو الفتوش.
ولا يقتصر أثر الغلاء على الزبائن فقط، بحسب أبو جمال، بل يطال أصحاب المحال أيضًا، إذ تصلهم البضائع بأسعار مرتفعة من التجار، ما يضطرهم بدورهم إلى رفع الأسعار.
ويضيف أبو جمال أنه اضطر إلى تقليل كميات الشراء للمحل بسبب ارتفاع التكاليف.
ويلاحظ كذلك أن بعض العائلات باتت تتجه إلى الوجبات الأخف والأقل كلفة، مثل التسقية أو الفول، خاصة مع اقتراب نفاد رواتب الموظفين. وفي المقابل، يقول إن بعض الزبائن يشترون احتياجاتهم من دون سؤال كبير عن السعر، لأن بعض المواد لا يمكن الاستغناء عنها.
اعتدال أكثر مع نهاية الشهر
ولا يقتصر هذا التغير على السوق فقط، بل ينعكس أيضًا في طريقة نظر بعض السيدات إلى سفرة الإفطار في الأيام الأخيرة من رمضان.
تقول نور الهدى إن حماسها للطبخ بدأ متأخرًا هذا العام، موضحة أنها أعدت في بداية الشهر طبق التسقية لأنها كانت “مشتاقة له”، قبل أن تبدأ لاحقًا بإعداد طبخات أخرى.
أما فاتن، فتقول إنها تحاول الحفاظ على توازن في السفرة، فتعتمد على ما هو متوفر لديها من دون مبالغة، لكنها في الوقت نفسه لا ترغب في تقليص المائدة بشكل كبير.
وتعكس هذه الشهادات تغيرًا واضحًا في شكل سفرة رمضان في داريا مع اقتراب نهاية الشهر، ليس فقط في عدد الأطباق والكميات، بل أيضًا في أولويات الإنفاق وعادات الشراء.
وبين الغلاء وضيق الوقت والإرهاق المتراكم من الطبخ اليومي، تميل كثير من العائلات إلى تبسيط سفرة الإفطار بما يتناسب مع إمكاناتها، من دون أن تفقد هذه السفرة حضورها بوصفها لحظة تجمع الأسرة في نهاية يوم الصيام.
