يعتمد جزء من سكان مدينة داريا على مبادرات محلية لتغطية احتياجاتهم الطبية، في ظل محدودية الخدمات الصحية العامة وارتفاع تكاليف العلاج في العيادات الخاصة، خاصة لدى مرضى الأمراض المزمنة والأسر ذات الدخل المحدود.
ومن بين هذه المبادرات، تواصل جمعية الشفاء الخيرية، الواقعة في شارع البلدية، تقديم خدمات طبية مجانية وأخرى بأجور مخفضة، إلى جانب خدمات مأجورة بالكامل.
وخلال لقاء أجرته عنب بلدي مع المسؤول الإداري في الجمعية، محمد مطر، قال إن مستوصف الجمعية يستقبل يوميًا نحو 100 مراجع، يحصل ما بين 10 و15% منهم على خدمات مجانية بالكامل، بينما يستفيد الباقون من خدمات بأسعار مخفضة أو بأجور رمزية.
خدمات مجانية ودعم جزئي للأدوية
تشمل الخدمات المجانية التي تقدمها الجمعية فوط العجزة، والعكازات الطبية، وبعض مستلزمات كبار السن، إضافة إلى تقديم الأدوية مجانًا للأسر الأشد فقرًا والأيتام. أما بقية المرضى، فيحصلون على الأدوية بنحو 50% من قيمتها، فيما تُفرض رسوم رمزية على المعاينات.
وأشار مطر إلى أن المعاينات كانت مجانية في بداية عمل الجمعية، قبل اعتماد رسم رمزي لاحقًا لتنظيم العمل وتقليل الضغط الناتج عن المراجعات غير الضرورية.
كما نظمت الجمعية حملات طبية دورية، من بينها حملة لمعاينة الأطفال مجانًا، وتعتزم إطلاق حملة لمرضى السكري، مع احتمال فرض رسوم على بعض المستلزمات المرتبطة بالحملة، بحسب طبيعة الخدمة.
الدعم يخضع لتقييم اجتماعي
رغم أن المستوصف يستقبل جميع أهالي داريا لإجراء المعاينات، فإن الحصول على خدمات مجانية أو مدعومة يرتبط بتقييم اجتماعي لكل حالة.
وأوضح مطر أن المستفيد يُطلب منه تقديم معلومات عن وضع أسرته، تشمل عدد أفرادها، ووجود معيل من عدمه، وطبيعة العمل، وعدد الأبناء في المدارس، بهدف تقدير القدرة المادية للأسرة.
وفي بعض الحالات تجري الجمعية زيارة منزلية للتحقق من الوضع المعيشي قبل اتخاذ قرار الدعم.
وبين أن المساعدة قد تكون مؤقتة في حالات الحوادث أو الطوارئ، بينما تُقدم بشكل مستمر لمرضى الأمراض المزمنة وكبار السن.
كما تقدم الجمعية إحالات طبية لبعض المرضى الذين يحتاجون إلى عمليات جراحية، وتسهم في تغطية كامل التكاليف أو جزء منها، وفق نتائج التقييم والإمكانات المالية المتاحة.
تمويل متقلب
بحسب مطر، بلغ عدد المستفيدين من خدمات الجمعية 5714 شخصًا خلال السنوات الأربع الماضية، بعضهم استفاد لمرة واحدة، وآخرون بشكل متكرر، خصوصًا مرضى الأمراض المزمنة الذين يحصلون على أدويتهم بشكل دوري.
وأشار إلى أن الإقبال ازداد مؤخرًا مع عودة عدد من الأهالي إلى المدينة.
وتعتمد الجمعية في تمويلها على تبرعات أفراد من المجتمع المحلي، من بينها اشتراكات شهرية، إضافة إلى إيرادات ذاتية من الصيدلية والمخبر والعيادة السنية التابعة لها.
إلا أن التمويل، بحسب مطر، غير ثابت، إذ ترتفع التبرعات في مواسم معينة مثل شهر رمضان، ما يسمح بتغطية المصاريف لعدة أشهر، بينما تمر فترات أخرى بتراجع في الموارد.
وأوضح أن الجمعية لم تضطر حتى الآن إلى رفض حالات بسبب الضغط، لكنها قد تخفض نسب الدعم في بعض الفترات.
فعلى سبيل المثال، قد تنخفض نسبة المساهمة في بعض العمليات الجراحية من 50% إلى 20% عند تراجع التبرعات، لتُرفع مجددًا عند تحسن الموارد.
كانت خدمات الجمعية تقتصر سابقًا على العيادات بأجور رمزية، لكنها افتتحت منذ سبعة أشهر قسم إسعاف ومخبرًا، إضافة إلى خدمات غسيل الكلى، تعمل هذه الأقسام على مدار 24 ساعة بأجور كاملة.
ويأتي هذا التوسع في وقت يشهد فيه القطاع الصحي في داريا تحديات إضافية، عقب انتهاء دعم منظمة “أطباء بلا حدود” لقسم الإسعاف الليلي في مركز داريا الصحي مع نهاية كانون الثاني 2026، إضافة إلى شكاوى متكررة من نقص بعض المواد الطبية فيه.
وكانت عنب بلدي وثقت سابقًا تأثير توقف التمويل الخارجي على استمرارية الخدمات الإسعافية في المدينة.
تجارب مراجعين
أم محمد، وهي سيدة في الخمسينيات من عمرها، قالت إنها تراجع الجمعية بشكل مستمر لعدم قدرتها على تحمل أجور العيادات الخاصة، موضحة أنها تحصل على أدويتها بنصف قيمتها، ما يخفف عنها العبء المالي.
من جهته، قال خالد، وهو في الستينات من عمره، إنه قصد الجمعية للمرة الأولى بعد إصابته بتسمم غذائي مساءً، مشيرًا إلى أنه اختارها بعدما سمع أن أسعارها أقل من العيادات الخاصة، مضيفًا أنه تلقى العلاج مقابل أجر رمزي.
بين الحاجة وشح الموارد
في ظل ارتفاع تكاليف العلاج في القطاع الخاص، وتراجع بعض أشكال الدعم الخارجي للمرافق الصحية، باتت المبادرات المحلية جزءًا من المشهد الصحي في داريا.
غير أن استمرار هذه الخدمات يبقى مرتبطًا بقدرتها على تأمين تمويل مستقر، في وقت يتزايد فيه الطلب على الرعاية الطبية.
وتعكس تجربة جمعية الشفاء واقعًا أوسع في المدينة: حاجة قائمة لدى شريحة من السكان إلى خدمات صحية منخفضة الكلفة، في مقابل موارد محدودة تعتمد أساسًا على التبرعات والإيرادات الذاتية.
وبين هذين العاملين، يتحدد مدى قدرة هذه المبادرات على الاستمرار في تغطية جزء من الفجوة الصحية التي تعانيها داريا.
