اختار عدد من أهالي كفرسوسة الاستقرار في داريا عبر مسارات مختلفة، لكن القرب من منطقتهم الأصلية، وتوفر العمل والخدمات، ووجود الأقارب والمعارف، عوامل مشتركة جعلت انتقالهم أقل وطأة، وحولت المدينة، بمرور الوقت، من خيار للسكن أو العمل إلى مكان للحياة اليومية.
بدأت علاقة علي غباش، وهو لحام عجل يملك محلًا قرب دوار الشهداء، بداريا منذ تسعينيات القرن الماضي بسبب عمله، بينما يعيش وليد الخالدي، الذي يعمل حدادًا ويدير متجرًا للمواد الغذائية، في المدينة منذ نحو 35 عامًا.
أما محمد بوبس، فافتتح محلًا للفلافل في الشاميات قبل نحو سنة وثمانية أشهر، في حين تعمل مروة الواوي في تصفيف الشعر وتجارة الفساتين النسائية، وتملك صالونًا في الحي نفسه.
وتقدم التجارب الأربع التي استمعت إليها عنب بلدي نماذج فردية لا تعكس بالضرورة جميع تجارب القادمين من كفرسوسة، لكنها تظهر أسبابًا مختلفة دفعت أصحابها إلى اختيار داريا ثم الاستمرار فيها.
“حياتي هون”
لم يكن انتقال علي غباش إلى داريا نتيجة قرار اتخذه في مرحلة واحدة، بل جاء تدريجيًا منذ أن بدأ العمل فيها برفقة والده الراحل خلال تسعينيات القرن الماضي.
يتذكر غباش أن المنطقة كانت حينها أقل عمرانًا وحركة، قبل أن تبدأ المحلات والمطاعم بالافتتاح، وتتوسع الأبنية، ويزداد النشاط في شوارعها. وكان والده قد اختار داريا لافتتاح محل مستفيدًا من علاقاته بأصدقاء من أهالي المدينة.
ومع مرور السنوات، تجاوز ارتباط غباش بداريا حدود العمل، فقد اختار السكن فيها، بينما بقيت عائلته في كفرسوسة، ولم تغير محاولاتها إقناعه بالعودة للسكن بالقرب منها قراره.
واليوم يعمل غباش لحام عجل، ويملك محلًا بالقرب من دوار الشهداء، ويقول إن معظم علاقاته الاجتماعية تشكلت في داريا، وإن أصدقاءه ومعارفه فيها أكثر من كفرسوسة، ورغم ذلك، بقي قريبًا من عائلته، إذ يزور أفرادها كل يومين أو ثلاثة تقريبًا.
بالنسبة إليه، لم تلغِ الإقامة في داريا انتماءه إلى كفرسوسة، لكنها ربطت تفاصيل حياته اليومية بالمدينة التي وجد فيها عمله وصداقاته ومنزله.
ويختصر غباش هذه العلاقة بقوله، «كفرسوسة بالنسبة إلي بلدي، بس سبحان الله ما لي رزق فيها»، مضيفًا، «أنا هون، أكلي وشربي وحياتي هون».

علي غباش في محل اللحوم الذي يملكه قرب دوار الشهداء في داريا – 19 آب 2026 (عنب بلدي – نداء كناكرية)
“أولادي نص ديارنة ونص شوام”
يعيش وليد الخالدي في داريا منذ نحو عام 1990، ويسكن حاليًا بالقرب من مسجد البشير.
ويعمل الخالدي في الحدادة، إلى جانب إدارته متجرًا للمواد الغذائية في المدينة.
ويتذكر الخالدي داريا في سنوات إقامته الأولى من خلال ما يصفه بالألفة والتعاون بين السكان. ومع مرور الوقت، اتسعت دائرة معارفه وأصبح له أصدقاء يعتبرهم من أهله.
ثم أخذ ارتباطه بالمدينة شكلًا عائليًا أيضًا، إذ كان الخالدي متزوجًا قبل أن تتوفى زوجته، وبعد إقامته في داريا تعرف، عن طريق معارف، إلى سيدة من المدينة وتزوجها، وأنجب منها أطفالًا، ويصف أبناءه بأنهم «نصن ديارنة ونصن شوام».
وبعد نحو 35 عامًا، لا يفكر الخالدي في العودة إلى كفرسوسة، رغم امتلاكه عقارًا هناك، ويقول لعنب بلدي، «صاروا أهلي هون، وعيلتي هون، وشغلي هون»، قبل أن يضيف مازحًا أن سنوات إقامته الطويلة باتت تكفي ليحصل على «جنسية من داريا».
ولا تخلو تجربة الخالد من ملاحظات على التغيرات التي طرأت على المدينة، فهو يرى أن الألفة والمحبة بين السكان كانتا أكبر في السابق، ويشكو من ضعف الخدمات في المنطقة التي يسكنها، ولا سيما الكهرباء، لكنه يقول إن حياته استقرت في داريا ولم تعد العودة إلى كفرسوسة خيارًا بالنسبة إليه.

وليد الخالدي في محله للحدادة بداريا
«أقرب شيء إلى كفرسوسة»
اختار محمد بوبس، صاحب محل فلافل في حي الشاميات، داريا عبر مسار مختلف. كانت لديه شقة في كفرسوسة، لكنه لم يتمكن من الاستقرار فيها طويلًا، فانتقل لاحقًا إلى داريا.
وافتتح بوبس محل الفلافل قبل نحو سنة وثمانية أشهر، ومن موقع عمله لاحظ، بحسب تجربته، ازدياد الحركة تدريجيًا مع افتتاح فرن ومحال جديدة وعودة النشاط إلى الشوارع المحيطة.
لكن فرصة العمل لم تكن وحدها ما شجعه على البقاء، إذ أسهم موقع داريا القريب من كفرسوسة في تسهيل انتقاله، إلى جانب التقارب الذي وجده في نمط الحياة والعلاقات بين الجيران.
ويصف بوبس داريا بأنها «أقرب شيء إلى كفرسوسة»، مشيرًا إلى أن وجود أشخاص آخرين من أهالي منطقته فيها عزز شعوره بالألفة، وجعل المكان مألوفًا بالنسبة إليه.
ولم يشعر بوبس بأن الانتقال اقتلعه من بيئته الاجتماعية، بل يقول عن حياته في داريا، «كأني قاعد بكفرسوسة»، مضيفًا أن العمل يسير، والمنطقة تتحسن، والعلاقات بين سكانها ساعدته على الاستقرار.

محمد بوبس في محل الفلافل الخاص به في حي الشاميات بداريا – 19 آب 2026 (عنب بلدي – نداء كناكرية)
“جوها متل جونا”
كان قرب داريا من كفرسوسة عاملًا أساسيًا أيضًا في تجربة مروة الواوي، التي تعمل في تصفيف الشعر وتجارة الفساتين النسائية، وتملك صالونًا في حي الشاميات.
اشترت الواوي منزلًا في داريا قبل الحرب، لكنها لم تتمكن من الإقامة فيه حينها، وعندما عادت إليه لاحقًا، وجدته محروقًا ومتضررًا، ما اضطرها إلى ترميمه وإعادة تأهيله قبل السكن فيه.
وأقامت في المنزل نحو ثلاث سنوات ونصف، لكنها لم تشعر بالراحة، فباعته وانتقلت إلى الشاميات، حيث تسكن وتعمل حاليًا.
وتقول الواوي، «داريا أقرب منطقة لكفرسوسة، ويعني جوها متل جونا، وقريبة على المدينة».
وفي الشاميات، وجدت الواوي، بحسب قولها، الخدمات والحركة التي تحتاج إليها في حياتها اليومية، إلى جانب محال تبقى مفتوحة حتى ساعات متأخرة.
كما أنها لا تضطر إلى الذهاب إلى دمشق لتأمين احتياجاتها الأساسية، بسبب توفر معظم ما تبحث عنه بالقرب من منزلها.
ولعب الجيران دورًا في تثبيت خيارها، إذ يقيم حولها عدد من أهالي كفرسوسة، ما خفف شعورها بالغربة وساعدها على الاندماج في الحي.
ومع الوقت، لم تعد العودة إلى كفرسوسة خيارًا مطروحًا بالنسبة إليها، وتقول إنه حتى إذا اضطرت يومًا إلى بيع منزلها الحالي، فلن تفكر في العودة إليها، بعدما أصبح سكنها وعملها مرتبطين بداريا.

مروة الواوي في صالونها في حي الشاميات بداريا – 19 آب 2026 (عنب بلدي – نداء كناكرية)
حياة استقرت في داريا
تمتد تجارب الأشخاص الأربعة الذين التقت بهم عنب بلدي على فترات زمنية مختلفة، فالخالدي وغباش يعيشان في داريا منذ التسعينيات، بينما جاءت تجربتا بوبس والواوي في ظروف وفترات مختلفة.
وكان العمل مدخل غباش إلى المدينة، بينما امتدت علاقة الخالدي بها من السكن والعمل إلى تكوين أسرة، ووجد بوبس في داريا مكانًا لنشاطه التجاري، في حين اجتمع السكن والعمل في حي واحد بالنسبة إلى الواوي.
وبقيت كفرسوسة قريبة من حياتهم، جغرافيًا واجتماعيًا، لكن سنوات الإقامة والعمل والعلاقات التي بنوها في داريا جعلت العودة إليها غير مطروحة لدى بعضهم.
ويختصر الخالدي ذلك بقوله، «صاروا أهلي هون، وعيلتي هون، وشغلي هون»، بينما تقول الواوي عن التقارب الذي وجدته بين المنطقتين، «ما اختلف شي علينا، بلد واحدة، والناس قريبة منا، وطباعهم قريبة منا».
