لم تغير سنوات الحرب والتهجير أماكن إقامة أبناء داريا فقط، بل تركت أثرًا واضحًا في لهجتهم وطريقة حديثهم.
فبعد أعوام من الإقامة في دمشق ومدن سورية أخرى أو خارج البلاد، دخلت مفردات ولهجات جديدة إلى كلام كثير منهم، بينما تراجعت كلمات دارانية ارتبطت بالحياة الزراعية والبيوت القديمة، وأصبحت غير مألوفة لدى عدد من أبناء الجيل الجديد.
ويظهر هذا التحول بين جيل يحتفظ بمفردات ورثها عن الآباء والأجداد، وآخر تشكلت لغته خلال سنوات الدراسة والنزوح والاختلاط ببيئات مختلفة.
وبينما يرى بعض أبناء المدينة أن اللهجة ما تزال جزءًا من هويتهم وانتمائهم، يوضح مختصون أن تغيرها نتيجة طبيعية للهجرة والانفتاح الثقافي وتبدل أنماط الحياة.
كلمات غابت مع البيوت القديمة
تستعيد أم بسام الدحلة (60 عامًا) لهجة داريا كما عرفتها في طفولتها، حين كانت المفردات مرتبطة مباشرة بتفاصيل الحياة اليومية داخل البيوت وفي الأراضي الزراعية.
وتقول إن أبناء داريا استخدموا كلمات لم تعد مألوفة اليوم، مثل “صلاحيي” للدلالة على إبريق الماء، و”يستئي” التي كانت تطلق على الوسادة، و”هِشّي” لفخارة الماء، إضافة إلى عبارة “شو دينو” التي كانت تستخدم بكثرة للاستفهام عن الشيء أو السؤال عن ماهيته.
وبحسب أم بسام، هذه المفردات لم تكن مجرد كلمات محلية، بل كانت جزءًا من نمط الحياة الذي عرفه سكان المدينة.
فطبيعة العمل الزراعي، وشكل البيوت التقليدية، والأدوات المستخدمة فيها، انعكست على اللغة اليومية، وأصبحت أسماء الأشياء والأعمال متداولة بين الناس.
ولا يقتصر الأمر على الكلمات المرتبطة بالأدوات اليومية، إذ تشير إلى مفردات أخرى تراجعت مع تغير شكل المنازل، مثل “الصَرمة”، وهي صندوق كانت توضع فيه المخدات المطرزة، و”الجودلي”، وهو أسلوب لترتيب اللحاف والوسائد داخل الغرف.
وتقول إن تغير المنازل والأدوات المستخدمة فيها أسهم في تراجع هذه الكلمات، فأصبحت معروفة لدى كبار السن أكثر من الأجيال الأصغر التي لم تعش التفاصيل نفسها.
التهجير أدخل مفردات جديدة
لم تبق لهجة داريا بمنأى عن التحولات التي فرضتها سنوات الحرب، إذ دفعت ظروف التهجير كثيرًا من أبناء المدينة إلى الإقامة في مدن ومناطق أخرى أو السفر إلى الخارج، ما جعل الاحتكاك بلهجات مختلفة جزءًا من حياتهم اليومية.
عاشت حنين خمسة عشر عامًا في دمشق خلال فترة التهجير، وتقول إنها اعتادت التحدث باللهجة الشامية نتيجة مخالطتها اليومية لأهل المدينة، لكنها ما تزال تستخدم لهجة داريا عندما تتحدث مع أبناء مدينتها، وتشعر بالفخر بالانتماء إليها.
وتوضح الشابة (25 عامًا) أن الإنسان قد يكتسب لهجة من يعيش بينهم بصورة تلقائية، خاصة إذا أمضى سنوات طويلة في بيئة مختلفة.
وترى أن هذا ما حدث مع كثير من أبناء داريا، الذين دخلت إلى حديثهم مفردات وأساليب جديدة خلال سنوات الدراسة أو العمل أو الإقامة خارج المدينة.
وتشير إلى أن بعض الأشخاص حاولوا خلال سنوات التهجير التحدث بلهجات أخرى حتى يبدوا من أبناء المناطق التي عاشوا فيها، لكنها ترى أن هذا السلوك يبقى مرتبطًا بالتنقل والاختلاط بين المجتمعات أكثر من كونه ظاهرة مقصودة.
وتروي حنين أن شقيقتها الصغرى تستغرب أحيانًا عبارات مثل “يفكحك على عينك”، التي تستخدمها والدتها أو جدتها، لأنها لم تعد متداولة بين أبناء جيلها.
ويعكس ذلك، بحسب تجربتها، الفجوة اللغوية التي بدأت تظهر داخل الأسرة الواحدة بين جيل ما يزال يستخدم بعض المفردات القديمة، وآخر لم تعد هذه العبارات جزءًا من حديثه اليومي.
التعليم والاختلاط أعادا تشكيل اللهجة
برأي أم بسام، فإن المدارس والاختلاط اليومي جعلا الشباب أكثر استخدامًا لمفردات منتشرة خارج داريا، بعدما كان أبناء جيلها يكتسبون لهجتهم بصورة أساسية من الأسرة والحي والعمل.
وتتفق مدرسة اللغة العربية والخبيرة اللغوية هناء طالب مع هذا الطرح، لكنها ترى أن تغير اللهجة لا يمكن ربطه بسبب واحد، بل بمجموعة من العوامل المتداخلة، في مقدمتها الهجرة، وارتفاع المستوى التعليمي، والانفتاح الواسع على وسائل التواصل الاجتماعي، وما وفرته من احتكاك مستمر بلهجات وأساليب حديث مختلفة.
وتوضح طالب أن أبناء داريا الذين عاشوا سنوات طويلة خارج مدينتهم اضطروا إلى استخدام مفردات أكثر شيوعًا لتسهيل التواصل مع المجتمعات التي انتقلوا إليها، وهو ما أدى تدريجيًا إلى تراجع بعض الكلمات المحلية من حديثهم، حتى بعد العودة إلى المدينة.
وتضيف أن العمر الذي غادر فيه الشخص داريا يلعب دورًا مهمًا في حجم التغير الذي يطرأ على لهجته.
فالأطفال الذين أمضوا سنوات التكوين اللغوي الأولى في مدن أو دول أخرى غالبًا ما يعودون بلهجة مختلفة بصورة أوضح، بينما يحتفظ من غادروا في أعمار أكبر بجزء أوسع من لهجتهم الأصلية، رغم تأثرها أيضًا بسنوات الاحتكاك الطويلة ببيئات جديدة.
وترى طالب أن بعض الشباب قد يتجنبون استخدام لهجة داريا في مواقف معينة خشية التعرض للسخرية أو التنمر بسبب اختلاف نطق بعض الكلمات، مؤكدة أن ذلك لا يعني بالضرورة رفض اللهجة المحلية، بل يعكس أحيانًا رغبة في الاندماج مع المجتمع الذي يعيشون فيه.
لماذا تتراجع بعض الكلمات؟
تشير الخبيرة اللغوية إلى أن اختفاء بعض المفردات لا يعني بالضرورة التخلي المقصود عنها، بل يعد نتيجة طبيعية لتغير البيئة التي تستخدم فيها اللغة.
فالكلمات التي كانت مفهومة داخل داريا قد تحتاج إلى شرح خارجها، ما يدفع المتحدث إلى استبدالها بمرادفات أكثر انتشارًا.
ومع تكرار استخدام البديل، تتراجع الكلمة المحلية تدريجيًا من الحديث اليومي.
وتلفت طالب إلى أن هذه الظاهرة لا تخص داريا وحدها، بل تشهدها معظم اللهجات، إذ تختفي كلمات قديمة مع تغير أنماط الحياة وظهور أدوات ومفاهيم جديدة. وتذكر في هذا السياق أن مفردات كثيرة ذات أصول تركية كانت شائعة في مدن سورية مختلفة خلال العهد العثماني، ثم تراجع استخدامها مع مرور الزمن.
وبذلك لا يرتبط تغير اللهجة بالتهجير وحده، بل أيضًا بالتعليم، وتغير البيوت والأدوات، واتساع دائرة الاحتكاك الاجتماعي، ودخول وسائل التواصل إلى الحياة اليومية.
الحفاظ على اللهجة يبدأ بتوثيقها
ورغم هذا التحول، ترى طالب أن الحفاظ على لهجة داريا لا يعني منعها من التطور أو مطالبة الناس باستخدامها في جميع المواقف، وإنما توثيق مفرداتها وتعابيرها بوصفها جزءًا من الذاكرة الثقافية للمدينة.
وتقترح إعداد مقاطع فيديو قصيرة ومشاهد تمثيلية تستخدم اللهجة الدارانية في مواقف الحياة اليومية، إلى جانب كتابة قصص مبسطة تتضمن مفرداتها المحلية، وعرضها في المناسبات المجتمعية، بما يتيح للأجيال الجديدة التعرف إلى الكلمات التي استخدمها الآباء والأجداد، حتى إن تغيرت طريقة الحديث بمرور الزمن.
وتتفق حنين مع أهمية الحفاظ على اللهجة، لكنها ترى أنها ليست العنصر الوحيد الذي يصنع هوية أبناء المدينة، إذ ترتبط هذه الهوية أيضًا بالذكريات والعادات والعلاقات والارتباط بالمكان.
أما أم بسام، فتؤكد أن الحفاظ على اللهجة يبدأ داخل الأسرة، من خلال استمرار الآباء والأجداد في استخدام الكلمات التي نشأوا عليها مع أبنائهم وأحفادهم، دون اعتبارها قديمة أو مدعاة للحرج، لأن بقاء هذه المفردات في التداول يساعد على نقل جزء من ذاكرة المدينة إلى الأجيال الجديدة.
ولا تبدو لهجة داريا اليوم كما كانت قبل سنوات الحرب، لكنها لم تختف أيضًا. فبين كلمات ما تزال تتردد في بعض البيوت، وأخرى لم يعد يعرفها إلا كبار السن، تواصل اللهجة تغيرها مع انتقال السكان بين المدن والبلدان، محتفظة بجزء من ذاكرة المكان، وحاملة في الوقت نفسه أثر البيئات التي عاش فيها أبناؤه خلال سنوات التهجير.
