لم يعد مشهد المسدسات الظاهرة على خواصر بعض المدنيين في مدينة داريا يمر من دون انتباه، إذ يقول سكان إن حمل السلاح خارج إطار الجهات الأمنية والعسكرية أصبح أكثر حضورًا في الأماكن العامة.
وبين من يراه وسيلة للحماية الشخصية، ومن يعده استعراضًا يثير قلق المجتمع، يطالب سكان تحدثوا إلى عنب بلدي بتنظيم حمل السلاح وحصره بمن تسمح لهم القوانين، في وقت تؤكد فيه شرطة داريا أن وزارة الداخلية هي الجهة الوحيدة المخولة بإصدار التعليمات المتعلقة بترخيص السلاح وآلية حمله.
ويرى السكان أن المدينة لا تشهد ظروفًا أمنية تستدعي انتشار السلاح الظاهر بين المدنيين، بينما يترك وجوده في الشارع والمحال والأماكن العامة أثرًا مباشرًا على شعور الناس بالأمان، خاصة عند وقوع مشاجرات أو احتكاكات يومية.
للاستعراض أم للحاجة؟
قال عامر حيدر، من سكان داريا، إن حمل السلاح بين المدنيين بات يرتبط في كثير من الأحيان بالرغبة في الاستعراض أكثر من الحاجة الفعلية إليه.
وأضاف حيدر لعنب بلدي أن كثيرًا ممن يحملون المسدسات ليسوا من عناصر الجيش أو الأمن العام، بل مدنيون حصل بعضهم على أسلحة بعد سقوط النظام السابق أو اشتروها لاحقًا.
ويرى أن وجود السلاح مع الشخص خلال لحظات الغضب يزيد احتمالات استخدامه في المشاجرات، داعيًا إلى أن يبقى السلاح داخل المنزل عند الضرورة، لا أن يتحول إلى جزء من المظهر اليومي في الشارع.
واعتبر حيدر أن حمل السلاح الظاهر لا يمنح صاحبه احترامًا أكبر، بل قد يثير توترًا لدى من حوله، خصوصًا في مدينة يحاول سكانها استعادة حياتهم اليومية بعيدًا عن مظاهر العنف والسلاح.
“الاحترام لا يفرضه المسدس”
يشارك أحمد العزب، من سكان داريا، الرأي نفسه، معتبرًا أن حمل السلاح في شوارع المدينة لا يجد مبررًا في الظروف الأمنية الحالية.
وقال العزب لعنب بلدي إن حمل السلاح قد يكون مفهومًا في حالات محددة، كتاجر ينقل مبالغ مالية كبيرة ويخشى التعرض للسرقة، لكن حمله طوال الوقت بهدف إظهار الانتماء إلى جهة أمنية أو للاستعراض أمر لا يبرره الواقع.
وأضاف أن شخصية الإنسان واحترامه هما ما يفرضان حضوره بين الناس، لا السلاح الذي يحمله، مشيرًا إلى أن بعض المدنيين لا يدركون خطورة السلاح الذي بحوزتهم أو مسؤولية استخدامه.
ويعتقد العزب أن الدولة مطالبة بجعل تنظيم حمل السلاح من أولوياتها، خصوصًا مع وجود أسلحة خرجت من مؤسسات الدولة بعد سقوط النظام السابق، وانتقلت إلى أفراد مدنيين.
كما انتقد دخول بعض الأشخاص إلى المساجد وهم يحملون أسلحة ظاهرة خلال صلاة الجمعة، متسائلًا عن الحاجة إلى ذلك في مدينة لا تشهد تهديدات أمنية مباشرة.
ويرى أن وجود السلاح خلال أي خلاف يزيد احتمالات تصعيده بسرعة، في حين أن أفراد الأمن العام أنفسهم لا يظهرون أسلحتهم على الحواجز داخل المدينة، وهو ما يعكس، بحسب رأيه، أن مكان السلاح يجب أن يبقى ضمن مهامه الأمنية، لا بين المدنيين.
الأطفال يألفون السلاح
من جهته، يرى علاء الون، صاحب محل ألبسة في داريا، أن حمل السلاح أصبح ظاهرة لافتة بين مختلف الأعمار.
وقال الون لعنب بلدي إنه يشاهد شبانًا يدخلون المحال التجارية أو يتنقلون على الدراجات النارية وهم يحملون مسدسات ظاهرة، ما يجعل المشهد مألوفًا أكثر مما ينبغي في الحياة اليومية.
وأضاف أن بعض الزبائن يضعون أسلحتهم على الطاولة أثناء قياس الملابس، وهو سلوك يراه أقرب إلى التفاخر منه إلى الحاجة الأمنية.
ويقول الون إن أكثر ما يقلقه هو انعكاس هذا المشهد على الأطفال، إذ أصبحوا يلفتون انتباه ذويهم إلى الأشخاص الذين يحملون السلاح، ما قد يجعل حمله يبدو أمرًا طبيعيًا أو مرغوبًا بالنسبة إليهم.
وبرأيه، فإن اعتياد الأطفال على رؤية السلاح في المحال والشوارع قد يترك أثرًا طويلًا في نظرتهم إلى القوة والحضور الاجتماعي، خصوصًا إذا ارتبط السلاح في أذهانهم بالهيبة أو التميز.
حماية شخصية في مناطق معزولة
في المقابل، يبرر أحد سكان منطقة المراح، الذي طلب عدم الكشف عن هويته لأنه يحمل سلاحًا، احتفاظه بمسدس للدفاع عن نفسه بسبب طبيعة المنطقة التي يسكنها.
وقال لعنب بلدي إن الحي يفتقر إلى الإنارة والخدمات، ويشهد انتشارًا للكلاب الشاردة، ما يجعله يحمل السلاح أثناء خروجه في ساعات الليل أو الصباح الباكر تحسبًا لأي خطر.
وأكد أنه لا يتعمد إظهار السلاح أو استخدامه للاستعراض، لكنه أقر في الوقت نفسه بأنه لا يحمل ترخيصًا.
وأوضح أنه لا يعرف آلية الترخيص، كما أن كلفته تفوق قدرته المادية، بحسب قوله، معتبرًا أن بعض السكان في المناطق الطرفية أو ضعيفة الخدمات يشعرون بحاجة أكبر إلى وسيلة حماية شخصية.
وتكشف هذه الشهادة جانبًا آخر من الظاهرة، إذ لا ينطلق جميع حاملي السلاح من الرغبة في الاستعراض، بل من شعور بالخوف أو غياب الأمان في بعض المناطق، ما يجعل تنظيم السلاح مرتبطًا أيضًا بتحسين الخدمات والإنارة وتعزيز الحضور الأمني الرسمي.
الشرطة: الترخيص بيد وزارة الداخلية
حول تنظيم حمل السلاح، قال مخفر داريا لعنب بلدي إن جميع التعليمات المتعلقة بترخيص السلاح وآلية حمله تصدر عن وزارة الداخلية، وهي الجهة الوحيدة المخولة بالإعلان عن الإجراءات المنظمة لذلك.
وأضاف المخفر أن أي تعليمات تصدرها الوزارة يجري تنفيذها وفق ما يعلن رسميًا، سواء فيما يتعلق بالحصول على التراخيص أو ضوابط حمل السلاح.
وتظهر شهادات السكان أن الاعتراض لا يتركز على وجود السلاح بحد ذاته، بل على انتشاره بين المدنيين وإظهاره في الأماكن العامة، خاصة عندما يتحول إلى جزء من المشهد اليومي في المحال والشوارع وأماكن التجمع.
