بالعراضات والطبول والموسيقى، يفتتح بعض أصحاب المشاريع التجارية محلاتهم الجديدة في مدينة داريا، وسط توقعات بتحقيق مبيعات مرتفعة، لكن فرحة الافتتاح لا تدوم لدى بعضهم، إذ تتراجع المبيعات عن توقعاتهم، ولا تكفي الإيرادات لتغطية الإيجارات وتكاليف التشغيل، ما يدفع بعضهم إلى إغلاق محلاتهم بعد أشهر من افتتاحها.
وتحدث أصحاب محلات وعاملون في أسواق داريا لعنب بلدي عن تجارب تجارية لم تحقق النتائج المتوقعة، رغم امتلاك بعض أصحابها خبرة سابقة في العمل خارج سوريا.
ويربط هؤلاء تعثر بعض المشاريع بارتفاع الإيجارات، وسوء تقدير حجم الطلب، وتزاحم الأنشطة التجارية المتشابهة في شوارع محددة، إلى جانب صعوبات تتعلق باختيار الموردين وجودة البضائع وإدارة العمل.
الإيجارات تسبق المبيعات
وائل حلاق، الذي يعمل في سوق الشاميات منذ نحو ست سنوات، يرى أن السمعة التجارية للسوق ترفع توقعات بعض المقبلين على افتتاح المحلات، وتدفعهم للقبول بإيجارات كبيرة للحصول على موقع فيه، قبل التأكد من قدرة المشروع على تغطية نفقاته.
ويقول لعنب بلدي إن بعض المستثمرين يدخلون السوق معتقدين أنه يستوعب أي نشاط تجاري، ثم يكتشفون بعد شهر أو شهرين أن المبيعات أقل مما توقعوا، بينما تستمر التزاماتهم من إيجار وأجور عمال واشتراكات أمبيرات ومصاريف تشغيل أخرى.
وبحسب حلاق، لا يكفي أن تحقق السلعة هامش ربح يتراوح بين 20 و30%، إذ تعتمد قدرة المحل على الاستمرار على حجم المبيعات أيضًا، فبيع عدد محدود من القطع لا يغطي النفقات، حتى عندما تكون نسبة الربح في القطعة الواحدة مرتفعة.
ويشير إلى أن بعض المستأجرين الجدد يقبلون بإيجارات تصل إلى 700 أو 800 دولار شهريًا، ما يشجع، بحسب تقديره، بعض مالكي العقارات على رفع الإيجارات المطلوبة من أصحاب المحلات القائمة.
ويذكر أن إيجارات كانت تبلغ 300 دولار أصبح يُطلب مقابلها 900 دولار، معتبرًا أن هذه الزيادات تضغط على التجار الذين أمضوا سنوات في السوق وتحملوا صعوبات العمل فيه.
ويربط حلاق جزءًا من هذه المشكلة بقدوم مستثمرين عائدين من خارج سوريا، لا يمتلك بعضهم معرفة كافية بتفاصيل السوق المحلي، ويوافقون على الإيجارات المطلوبة قبل اختبار حجم المبيعات الذي يمكن تحقيقه.
ولا تقتصر المشكلة، بالنسبة إلى رائد الشربجي، صاحب مطعم معجنات في داريا، على قيمة الإيجار وحدها، بل تشمل المصاريف التي تبدأ منذ اليوم الأول لافتتاح المحل.
ويقول الشربجي لعنب بلدي إن إيجارًا شهريًا بقيمة 400 دولار يشكل عبئًا على المشروع قبل احتساب الكهرباء واشتراكات الأمبيرات والمازوت والمواد الأولية وبقية المصاريف.
ويختصر ذلك بعبارة «رفعنا الغلق 400 دولار»، في إشارة إلى المبلغ الذي يترتب على صاحب المحل دفعه لمجرد استئجار المكان وبدء العمل، بصرف النظر عن حجم المبيعات التي يحققها.
ويضيف أن حجم المبيعات يؤثر في قدرة المشروع على تحمل هذه التكاليف، خصوصًا عندما تتغير أسعار المواد الأولية بعد بدء العمل.
ويضرب مثالًا بالطحين الذي يستخدمه في مطعمه، موضحًا أن سعر الطن ارتفع من 340 دولارًا في أواخر أيلول الماضي إلى 510 دولارات وقت إجراء المقابلة، مشيرًا إلى احتفاظه بفواتير الشراء السابقة.
ويستهلك مطعمه طنًا من الطحين خلال نحو أسبوع إلى عشرة أيام، بينما تشتري محلات أقل مبيعًا احتياجاتها بكميات صغيرة، كيسًا أو كيسين في كل مرة.
ويرى الشربجي أن حجم مبيعاته يساعده على تغطية النفقات، في حين يواجه صاحب المشروع الجديد التزامات الإيجار والطاقة والمواد الأولية قبل أن يعرف إن كان الطلب على منتجاته كافيًا للاستمرار.

نجاح المشروع في الخارج لا يضمن نجاحه في داريا
إلى جانب حسابات الإيجار والتشغيل، يشير أصحاب محلات إلى أهمية معرفة احتياجات السكان وقدرتهم الشرائية قبل اختيار النشاط التجاري.
يرى وائل حلاق أن بعض العائدين إلى سوريا يحاولون نقل مشاريع نجحوا فيها خارج البلاد، دون مراعاة اختلاف ظروف المستهلكين.
ويضرب مثالًا بتجارة العطور، موضحًا أن شخصًا نجح في بيعها خارج سوريا قد يواجه صعوبة في تحقيق المبيعات نفسها في داريا، حيث تنشغل عائلات، بحسب وصفه، بتأمين الطعام والملابس وتجهيز المنازل ومستلزمات المدارس.
ويقول إن بيع زجاجة عطر بعشرة دولارات أو عشرين دولارًا يصبح أصعب عندما تكون الأولوية لهذه الاحتياجات، معتبرًا أن بعض مشاريع السلع الكمالية تحتاج إلى رأس مال يسمح لأصحابها بتحمل ضعف المبيعات خلال السنة الأولى أو السنتين الأوليين.
وتتقاطع هذه القراءة مع تجربة رائد الشربجي، الذي سبق له العمل في لبنان، وما زال يمتلك محلًا في مدينة صيدا.
يقول الشربجي إن خبرته في صناعة المعجنات اللبنانية لم تكن كافية لضمان الإقبال عليها في داريا، بعدما اكتشف اختلافًا في تفضيلات الزبائن.
فبينما اعتاد العمل على المعجنات بالطريقة اللبنانية، وجد أن معظم الطلبات في داريا تتجه إلى الخبز والعجين بالطريقة السورية، في حين بقي الطلب على المناقيش اللبنانية محدودًا، وغالبًا من أشخاص سبق أن أقاموا في لبنان.
ودفعه ذلك إلى مراعاة الأذواق المحلية بدل الاعتماد على المنتجات التي اعتاد تقديمها في السوق اللبنانية.
ويرى الشربجي أن الخبرة السابقة تمنح صاحب المشروع معرفة بالمهنة، لكنها لا تعفيه من دراسة السوق الذي ينتقل إليه، ومعرفة المنتجات التي يطلبها الزبائن والأسعار التي يستطيعون دفعها.
محلات متشابهة تتنافس في الشوارع نفسها
يعد اختيار موقع المشروع، بحسب الشربجي، أحد القرارات التي قد تؤثر في فرص نجاحه، خصوصًا عندما يفتتح مستثمرون محلات تقدم منتجات متشابهة بالقرب من مشاريع قائمة.
ويقول إن بعض المقبلين على الاستثمار يختارون موقعًا بجوار مطعم ناجح، معتقدين أن الإقبال على المطعم الأول يعني وجود طلب كافٍ على مشروع مماثل، دون النظر إلى عدد المنافسين أو اختلاف ظروف عملهم.
ويقدر الشربجي وجود نحو عشرة مطاعم على الطريق الممتد من الكورنيش باتجاه ساحة التربة، كما يشير إلى تجاور عدد من المطاعم ومحلات المعجنات في حي الشاميات.
ويميز بين تجمع محلات الألبسة، الذي يتيح للزبائن التنقل والمقارنة بين المنتجات والأسعار، وبين تجاور مطاعم تقدم أصنافًا متشابهة وتتنافس على الزبائن أنفسهم.
ويرى أن افتتاح مشروع في منطقة تفتقر إلى الخدمة قد يكون أنسب من دخول سوق تضم عددًا كبيرًا من المحلات التي تقدم المنتج نفسه.
ويشير أيضًا إلى أن تقليد مشروع ناجح قد يتجاهل اختلاف ظروف أصحابه، إذ قد يكون صاحب المشروع القائم مالكًا للعقار، أو يعمل في السوق منذ سنوات ولديه زبائن اعتادوا التعامل معه، بينما يبدأ المستثمر الجديد بإيجار مرتفع والتزامات إضافية.
ويستشهد بتجربة محل مجاور لمطعمه، يقول إنه تعثر في البداية بسبب مشكلات إدارية، قبل أن يشتري شخص عائد من مصر معداته بنحو 15 ألف دولار، ثم يغلق المشروع بعد ستة أشهر.
وبحسب الشربجي، يعمل ابن صاحب المشروع لديه حاليًا، وقد أخبره أن العائلة كانت تدير عملًا في مصر يشغل ستة أو سبعة عمال، وكانت تواجه صعوبة في تلبية كثرة الطلبات.
ويعتبر الشربجي أن هذه التجربة توضح اختلاف ظروف العمل بين سوق وأخرى، لكنه لا يقدم معلومات مباشرة من صاحب المشروع المغلق عن جميع الأسباب التي أدت إلى توقفه.
ومن جانبه، اختبر هيثم حبيب، الذي عمل في تجارة المواد الغذائية بتركيا قبل عودته إلى داريا، أثر اختيار الموقع على المبيعات في تجربتين مختلفتين.
ففي تركيا، افتتح حبيب محلًا صغيرًا يستهدف الزبائن السوريين، لكنه اكتشف أن موقعه، رغم وجوده في شارع رئيسي، بعيد عن تجمعاتهم.
وبعد نحو سنة، انتقل إلى موقع آخر، ووسع المحل وزاد تنوع البضائع، مع اعتماد أسعار تساعده على جذب الزبائن وتغطية النفقات.
وعندما عاد إلى داريا، افتتح محل بقالة في شارع يضم عددًا من المحلات التي تبيع المواد الغذائية، معتقدًا أن تجمعها قد يحول المنطقة إلى سوق يقصده الناس للتسوق، على غرار سوق باب سريجة في دمشق.
لكن التجربة لم تحقق النتيجة التي توقعها.
ويقر حبيب بأن انشغاله بترميم منزله ومزرعته المتضررين استهلك معظم وقته، وأدى إلى إهمال متابعة محله الأول، بالتزامن مع ضعف العمل في بدايته.
ويقول إنه تدارك هذه المشكلة في محله الثاني، بعدما أدرك أهمية وجود صاحب المشروع ومتابعته اليومية للعمل.
الموردون والإدارة.. خبرة تبدأ من جديد
لم تكن معرفة هيثم حبيب بتجارة المواد الغذائية كافية لتجاوز جميع الصعوبات التي واجهها عند العودة إلى داريا، رغم سنوات عمله في المهنة بتركيا.
فخلال عمله هناك، بنى علاقات مع موردين أصبح يثق بأسعارهم وجودة بضائعهم، حتى بات يطلب احتياجاته هاتفيًا دون الحاجة إلى مراجعة تفاصيل كل صنف في كل مرة.
أما في داريا، فاضطر إلى البحث مجددًا عن الموردين المناسبين، والتعرف إلى أسعارهم ونوعية المواد التي يبيعونها.
ويقول لعنب بلدي إنه واجه حالات غش في بعض البضائع التي اشتراها، واكتشف أن انخفاض السعر لا يعني بالضرورة الحصول على منتج مناسب، ما اضطره إلى تغيير مصادر الشراء أكثر من مرة.
واستمر في البحث حتى تعرف إلى موردين آخرين للزيت وغيره من المواد الغذائية، وبدأ يبني معهم علاقات عمل جديدة.
ويصف شعوره خلال تلك المرحلة بالقول: «حسيت حالي مالي ابن مصلحة»، رغم أنه عاد إلى المهنة نفسها التي مارسها لسنوات.
ويوضح أن افتقاده إلى شبكة الموردين التي بناها في تركيا أعاده إلى خطوات كان قد تجاوزها هناك، وألزمه بإعادة تعلم تفاصيل السوق المحلي.
ولا تتوقف أهمية الخبرة، بالنسبة إلى حبيب، عند شراء البضائع، بل تشمل متابعة العاملين والأسعار وجودة المنتجات وطريقة التعامل مع الزبائن.
ويرى أن وجود صاحب المحل يساعده على معرفة احتياجات زبائنه ومراقبة العمل، مشيرًا إلى أن بعض الزبائن يفضلون التعامل معه مباشرة، لأنهم اعتادوا أن يعرف طلباتهم ويقدم لهم المنتجات التي يثقون بها.
ويعتبر أن المستثمر الذي يفتتح مشروعًا في مهنة لا يعرف تفاصيلها قد يواجه صعوبة في تقييم أداء العاملين واكتشاف أخطائهم، خصوصًا في المطاعم، حيث تؤثر جودة الطعام والخدمة في قرار الزبون بالعودة.
ويستعيد تجربة زار فيها مع زوجته مطعمًا بعد افتتاح رافقته دعاية واسعة، لكنه وجد أن العاملين لم يتمكنوا من تنظيم الخدمة رغم عدم وجود ازدحام وقت الزيارة.
ويضيف أنه لم يكن راضيًا عن مذاق الطعام الذي اشتراه، رغم أن أسعاره كانت مماثلة لأسعار مطاعم أخرى.
وبحسب حبيب، قد تنجح الدعاية في جذب الزبائن إلى تجربة المطعم للمرة الأولى، لكن استمرار الإقبال يعتمد على جودة ما يقدم لهم وطريقة التعامل معهم.
وينتقد كذلك اعتماد بعض المشاريع على البيع بأقل من سعر الشراء خلال فترة الافتتاح لجذب الزبائن، ثم رفع الأسعار لاحقًا لتعويض الخسائر.
ويقول إن بعض أصحاب المشاريع يقبلون بخسارة ألف دولار أو ألفين خلال مرحلة الترويج، لكنهم يواجهون صعوبة عندما يحاولون الانتقال إلى أسعار أعلى من تلك التي اعتادها الزبائن.
ويرى أن هذه الطريقة قد تحقق مبيعات مؤقتة، لكنها لا تضمن استمرار الإقبال، خصوصًا عندما تصبح الأسعار أعلى من أسعار المحلات التي اعتاد الزبائن التعامل معها.
وتظهر تجارب أصحاب المحلات الذين تحدثوا لعنب بلدي اختلاف التحديات التي تواجه المشاريع التجارية الجديدة في داريا، بين تكاليف ثابتة تبدأ قبل تحقيق المبيعات، واختلاف الطلب عن الأسواق التي عمل فيها بعض المستثمرين سابقًا، وصعوبات اختيار الموقع والموردين وإدارة العمل.

