لم تعد المشكلات البيئية التي يتحدث عنها سكان داريا مقتصرة على آثار الدمار الذي خلفته الحرب. فمع عودة السكان وأعمال إزالة الأنقاض وتأهيل الطرق والمباني، برزت مشكلات أخرى تتعلق بالغبار وحرق النفايات وتراجع المساحات المزروعة، إلى جانب تفاوت الوصول إلى المياه والخدمات بين أحياء المدينة.
هذه القضايا طرحها المشاركون خلال جلسات حوارية نظمتها منظمة «جوار» في داريابالتعاون مع مركز «فكر وبناء» في داريا، يومي الخميس والجمعة، 1 و2 من تشرين الأول، ضمن مشروع بحثي يدرس العدالة البيئية في إعادة الإعمار والتعافي في سوريا.
وتحدث المشاركون عن حياتهم في داريا قبل الحرب وخلال الحصار والتهجير وبعد العودة، وعن التغيرات التي لحقت بالبساتين والمنازل والمدارس والخدمات.
وظهرت خلال النقاش أعباء تتحملها بعض الأسر، منها شراء مياه الشرب والسكن في منازل متضررة لتجنب دفع الإيجارات.
وشملت القضايا المطروحة الأنقاض ومياه الشرب والصرف الصحي والتلوث والغبار وإدارة النفايات والكهرباء والزراعة ومخلفات الحرب والعمران الجديد.
السكان يحددون ما يحتاج إلى البحث
قالت تالة الشامي، المهندسة المعمارية والباحثة الميدانية في منظمة «سيربانيزم»، المرخصة في سوريا باسم «جوار»، لعنب بلدي، إن اللقاءات تأتي ضمن مشروع بحثي يتناول الأحوال البيئية والعدالة البيئية خلال إعادة الإعمار والتعافي في سوريا.
وعمل الفريق خلال العام الماضي على دراسة الموضوع على مستوى سوريا وإعداد ملخص عن كيفية توزع الأعباء البيئية بين فئات المجتمع، قبل الانتقال إلى دراسة مناطق أصغر، بدءًا من داريا، على أن تشمل الدراسة مدينة محردة أيضًا.
وفي داريا، يعتمد الفريق على تجارب السكان لتحديد المشكلات التي سيجري التركيز عليها، ومن يتأثر بها أكثر، والمناطق التي تتركز فيها.
وضربت الشامي مثالًا بالغبار والأتربة الناتجة عن فتح الطرق وإزالة الأنقاض، إلى جانب مخلفات الحرب والألغام، بوصفها قضايا مرتبطة بمرحلة التعافي نفسها، وليست فقط بما خلفته سنوات الحرب.
وبحسب الشامي، يساعد حديث السكان الفريق على معرفة أثر هذه المشكلات في حياتهم اليومية وقدرتهم على الوصول إلى الموارد، قبل الانتقال إلى صياغة نتائج وتوصيات يمكن تقديمها إلى الجهات المؤثرة في القرار.
المياه تصل.. لكنها ليست دائمًا للشرب
كانت المياه من القضايا التي ظهرت في أحاديث المشاركين.
وقالت الشامي إن وصول المياه إلى المنزل لا يعني بالضرورة حصول الأسرة على مياه صالحة للشرب، ما يضطر بعض العائلات إلى شراء مياه الشرب وتحمل تكلفة إضافية.
كما تختلف إمكانية الوصول إلى الخدمات والموارد بين منطقة وأخرى داخل داريا، بحسب ما سمعه الفريق من السكان.
ومن الأعباء التي تناولها النقاش أيضًا وضع الأسر العائدة إلى منازل متضررة بعد سنوات من النزوح.
وقالت الشامي إن بعض أصحاب هذه المنازل يجرون إصلاحات محدودة، أو «يرقعون» المنزل كما وصف مشاركون، ليصبح قابلًا للسكن، حتى وإن لم تتوفر فيه ظروف سكن صحية، لأن العودة إليه تعفي الأسرة من تكاليف الإيجار التي كانت تتحملها في مكان النزوح.
البساتين التي يتذكرها السكان
بالنسبة إلى ريم عديلة، إحدى المشاركات من سكان داريا، كان العمل على خريطة المدينة فرصة لمقارنة المناطق التي تعرفها بما أصبحت عليه بعد الحرب.
وقالت لعنب بلدي إن من يأتي من خارج داريا قد لا يعرف حجم التغير الذي طرأ على مناطقها، بينما يستطيع السكان الذين عرفوا المدينة قبل الحرب ملاحظة الفوارق.
وتلاحظ عديلة تحسنًا خلال السنوات الأخيرة، لكنها ترى أن المدينة ما تزال بعيدة عما كانت عليه في عامي 2010 و2011.
وتستعيد في حديثها البساتين وأشجار العنب التي عرفت بها داريا، وتقول إن الزراعة والمحاصيل تضررت بشدة خلال سنوات الحرب.
وبحسب تجربتها، كان السكان يعتمدون على إنتاج منطقتهم من الخضار والفواكه بدرجة أكبر قبل الحرب، بينما باتت هذه المنتجات تأتي اليوم من مناطق أخرى.
وتأمل عديلة أن تساعد مثل هذه النقاشات في زيادة الاهتمام بالمشكلات البيئية التي تواجه المدينة، وترى أن عقدها كان مطلوبًا منذ وقت أبكر.
البناء على حساب الأرض الزراعية
تراجع المساحات الخضراء كان أيضًا موضع قلق لدى المهندس مظهر الشربجي، أحد المشاركين في الجلسة.
وقال إن داريا عرفت بطابعها الزراعي، وإن الدمار أضعف غطاءها النباتي، بينما يضيف النشاط العمراني الحالي ضغطًا جديدًا على الأراضي والمساحات الخضراء.
وحذر الشربجي من التوسع في البناء على حساب الأراضي الزراعية بحثًا عن العائد المالي، ودعا إلى إدخال استعادة الزراعة وتنميتها ضمن أعمال التعافي في المدينة.
واستخدم وصف داريا القديم بأنها «عروس الغوطة الغربية» في حديثه عن المساحات الزراعية التي فقدتها.
ويرى الشربجي أن استعادة جميع المناطق الزراعية قد لا تكون ممكنة، لكن ذلك لا يمنع السكان من الزراعة في محيط المنازل والمساحات المتاحة، خصوصًا لما يراه من أثر للمساحات الخضراء على الأسر والأطفال.
نفايات تحرق قرب مدرسة
بالنسبة إلى إيناس عليان، لا يرتبط التلوث في داريا بذكرى الحرب وحدها، بل بمشكلات تواجهها في حياتها اليومية.
وقالت لعنب بلدي إن نفايات تتجمع وتحرق أمام المدرسة الرابعة، وإن الدخان يصل إلى الطلاب والعاملين فيها.
وتعاني عليان من الربو، وتربط بين مشكلاتها التنفسية والتعرض للدخان والغبار والنفايات.
وتتساءل عن سبب عدم تخصيص أماكن للتعامل مع النفايات بعيدًا عن المدارس والمناطق السكنية.
كما تلاحظ نقص الأشجار والمساحات الخضراء خلال تنقلها في المدينة، وتقول إن وجودها يمنحها شعورًا بالراحة، لكن الوصول إلى أماكن خضراء داخل داريا ليس سهلًا.
وتحدثت أيضًا عن أشجار تزرع ثم لا تبقى في أماكنها، وهو ما ترى أنه يزيد صعوبة استعادة الغطاء النباتي.
غادرت عليان داريا وهي في التاسعة من عمرها، ولذلك حملت الصور التي عرضت خلال الجلسة معنى مختلفًا بالنسبة إليها، فقد تعرفت من خلالها إلى أماكن لم تعد تتذكرها، وفوجئت بأن بعض الشوارع التي ظهرت في الصور كانت موجودة في المدينة التي غادرتها طفلة.
وقالت إن صورة لطفلة أعادتها إلى العمر الذي كانت فيه عندما خرجت من داريا.
وتناول النقاش الذي شاركت فيه أيضًا أرض الخليج، وما وصفته بأخذ تواقيع من أصحابها لتفويض إقامة مشاريع لإعادة إعمارها.
الخدمات لا تصل إلى الأحياء بالطريقة نفسها
تضع شذى جنبلاط، وهي من سكان داريا قبل الحرب وحتى الآن، الغطاء النباتي في مقدمة القضايا التي تهمها.
وقالت لعنب بلدي إنها تلمس آثار تلوث الهواء في حياتها اليومية، وترى أن انحسار الغطاء النباتي أحد العوامل المرتبطة بذلك.
لكن النقاش بالنسبة إليها لم يكن متعلقًا بالبيئة وحدها، إذ تحدث المشاركون عن الكهرباء والمياه والعمران والملوثات، وظهرت خلال الأحاديث فوارق في مستوى الخدمات بين المناطق.
وأشارت جنبلاط إلى تفاوت بين المدينة والريف، وكذلك بين أحياء داريا نفسها، تبعًا لمناطق التخديم والأولويات.
وترى أن السكان أقدر على تحديد هذه الفوارق من خلال تجربتهم اليومية، ولذلك تعتبر مشاركتهم ضرورية عند وضع تصورات للخدمات وإعادة الإعمار.
ووصفت الوضع البيئي في المدينة بأنه «محزن ومؤلم»، وقالت إن معالجة المشكلات الموجودة تتجاوز قدرة الأهالي وحدهم، وتحتاج إلى عمل تشارك فيه المؤسسات الرسمية ومنظمات المجتمع المدني والمنظمات الدولية والمجتمع المحلي.
من تجارب السكان إلى توصيات
وجه منظمو الجلسات الدعوة إلى سكان داريا وريفها، وشجعوا مشاركة النساء والشباب والمزارعين ومصابي الحرب وسكان المساكن المخالفة أو المستملكة.
لكن عدد المشاركين كان أقل مما توقعه المنظمون في البداية.
وقالت الشامي إن ضيق الوقت والحاجة إلى معرفة المجتمع المحلي بصورة أعمق أثرا في القدرة على توسيع الدعوات، قبل أن ينضم مشاركون آخرون خلال اللقاءات.
وبحسب الشامي، لم يمنع العدد المحدود من جمع تجارب يحتاج الاستماع إلى كل واحدة منها وقتًا، وبرزت بينها روايات نساء تحدثن عن حياتهن في داريا قبل عام 2011، وخلال الحرب والحصار والتهجير، ثم بعد العودة.
وسيستخدم الفريق ما جمعه في داريا لتحديد القضايا التي تحتاج إلى دراسة أوسع، والفئات والمناطق الأكثر تأثرًا بها، قبل إعداد نتائج وتوصيات حول الأضرار البيئية وتوزعها وأثر أعمال التعافي وإعادة الإعمار على السكان.


