لم تعد الخياطة في داريا مرتبطة بتجهيز عدة فساتين للعروس كما كان الحال قبل عقود، إذ دفعت تكاليف الأقمشة وأجور الخياطة، إلى جانب انتشار محال تأجير الفساتين، كثيرًا من العائلات إلى الاكتفاء باستئجار فستان واحد للمباركة.
هذا التحول لم يغير شكل الأعراس فقط، بل انعكس أيضًا على سوق الخياطة نفسه، بعدما انتقلت المهنة من الاعتماد على تفصيل الملابس حسب الطلب، إلى تقديم خدمات متنوعة تشمل تأجير الفساتين وإجراء التعديلات، في محاولة للتكيف مع تغير القدرة الشرائية وأذواق الزبائن.
وبينما ما يزال التفصيل حاضرًا، تقول خياطات، التقت بهن عنب بلدي، إن التأجير أصبح مصدر دخل موازيًا يساعدهن على الاستمرار، في وقت باتت فيه العائلات تبحث عن خيارات أقل كلفة من تلك التي كانت سائدة قبل سنوات.
من “حلم العمر” إلى مهنة يومية
تقول الخياطة أم سامر المغربي، البالغة 51 عامًا، إنها تعلمت الخياطة بعد انقطاعها عن الدراسة عقب الصف السادس، إذ بدأت بمساعدة خالتها التي كانت تعمل في المهنة، قبل أن تستكمل تعلمها بعد زواجها من خياط.
وتضيف لعنب بلدي أن التعلم كان عمليًا بالكامل، من مراقبة العمل إلى استخدام المقص والماكينة الصناعية، بعدما كانت قد اعتادت على الماكينات المنزلية البسيطة.
وتصف أم سامر الخياطة بأنها “حلم العمر” الذي تحقق تدريجيًا مع اكتساب الخبرة والعمل اليومي إلى جانب زوجها.
بدأ عمل الزوجين من المنزل، عبر خياطة ملابس لأقارب العائلة، قبل أن يتوسع لاحقًا إلى تنفيذ موديلات نسائية لصالح معامل ألبسة في دمشق، بينما كانت تشارك في اختيار القصات ومتابعة تنفيذها، ما منحها خبرة أوسع في المهنة.


الأعراس لم تعد كما كانت
تستذكر أم سامر مرحلة كانت العروس خلالها تجهز سبعة أو ثمانية فساتين، إضافة إلى أطقم متنوعة للمباركات التي تمتد عدة أيام.
وتقول إن هذا المشهد تغير اليوم مع ارتفاع أسعار الأقمشة وأجور الخياطة، وانتشار محال تأجير الفساتين، ما جعل كثيرًا من العرائس يكتفين بفستان واحد، أو يتجهن إلى الاستئجار بدل التفصيل.
كما غير الإنترنت شكل العلاقة بين الخياطة والزبونة، إذ تقول أم سامر إن كثرة الموديلات المتاحة عبر مواقع التواصل والتسوق، مثل “شي إن”، جعلت كثيرًا من الزبونات يحضرن صورًا لتصاميم يرغبن بتنفيذها، أو يطلبن تصميمًا جديدًا دون تصور واضح، ما يزيد صعوبة العمل.
وتوضح أن تنفيذ صورة مأخوذة من الإنترنت لا يكون ممكنًا دائمًا كما تتخيله الزبونة، لأن النتيجة ترتبط بنوع القماش، وطبيعة الجسم، والتفاصيل المطلوبة، والوقت المتاح للتنفيذ.
التأجير يدخل إلى المهنة
لمواجهة تغير السوق، أدخلت أم سامر تأجير الفساتين إلى عملها، بعد أن بدأت بثلاثة فساتين فقط داخل منزلها.
وتقول إن فستان زفاف ابنتها كان نقطة تحول، إذ بدأ الناس يطلبون استئجاره بعد مشاهدة صوره، ثم أصبح يؤجر مرات عدة، ما شجعها على التوسع في هذا الجانب.
ورغم ذلك، تؤكد أن التفصيل لم يختف، لكنه أصبح خيارًا أقل انتشارًا من السابق، بينما تحول التأجير إلى مصدر دخل موازٍ يساعد على استمرار المهنة.
وترى أم سامر أن الخياطة اليوم لم تعد تقتصر على تفصيل فستان جديد من البداية، بل تشمل أيضًا تعديل الفساتين الجاهزة أو المؤجرة، وتضييقها أو توسيعها، وتغيير بعض تفاصيلها بما يناسب الزبونة.
ذاكرة الفساتين السبعة
أم هيثم تستعيد تجربة مختلفة عاشتها عند زواجها، إذ تقول إنها اشترت الأقمشة وخيطت سبعة فساتين، واحدًا لكل يوم من أيام المباركة، واستغرق تجهيزها نحو ستة أشهر.
وتضيف لعنب بلدي أن تلك التجربة أصبحت اليوم بعيدة عن إمكانات معظم العائلات، إذ تستعد ابنتها للزواج، لكن ميزانية الأسرة لن تسمح سوى باستئجار فستان واحد.
وترى أم هيثم أن الأسواق توفر خيارات كثيرة، إلا أن ارتفاع الأسعار يجعل التأجير الخيار الأكثر واقعية، حتى وإن كانت لا تزال تفضل امتلاك العروس لفستانها الخاص باعتباره ذكرى تبقى معها.
بالنسبة إليها، لا يتعلق الأمر بالفستان وحده، بل بعادة اجتماعية كاملة تغيرت مع تغير الظروف، إذ لم تعد العائلات قادرة على تخصيص ميزانيات كبيرة لملابس المباركات كما كان يحدث سابقًا.


ميزانيات الزواج تغيرت
تقول أم سامر مرداش، وهي والدة عروس جاءت لاستئجار فستان زفاف لابنتها، إن الأسرة لم تفكر أصلًا في تفصيل الفستان بسبب ارتفاع التكاليف.
وتوضح لعنب بلدي أن أسعار الفساتين، سواء كانت جاهزة أو مفصلة، تجاوزت قدرة كثير من العائلات، ما جعل التأجير الحل الأكثر انتشارًا.
وتضيف أن تجهيز عدة فساتين للعروس لم يعد خيارًا مطروحًا كما في السابق، بل أصبح التركيز على فستان واحد للمناسبة، في ظل أولويات مالية مختلفة تفرضها تكاليف الزواج والسكن وبقية التجهيزات.
ويعكس كلام السيدة تحولًا في عادات الزواج، إذ انتقلت بعض الأسر من فكرة “تجهيز العروس” بعدة أطقم وفساتين، إلى البحث عن الحد الأدنى الممكن لإتمام المناسبة ضمن ميزانية محدودة.
تعديلات وطلبات لا تنتهي
لا ترتبط صعوبات المهنة بارتفاع التكاليف فقط، بحسب أم سامر المغربي، إذ تشير إلى أن أكثر ما يرهقها هو طلبات التعديل المتكررة بعد انتهاء الخياطة، واختلاف توقعات الزبونات، إلى جانب ضغط العمل قبل مواسم الأعراس.
وتصف أكثر ما يرهقها خلال العمل بـ”النق”، في إشارة إلى كثرة الملاحظات وطلبات التعديل التي قد تستمر حتى بعد انتهاء الخياطة.
وتضيف أن بعض الزبونات يطلبن تعديلات لا تتناسب مع طبيعة القماش أو التصميم، ما يجعل تنفيذها صعبًا أو غير ممكن، بينما تبقى الخياطة قائمة على التفاهم بين الطرفين للوصول إلى النتيجة المطلوبة.
وتؤكد أن نجاح العمل لا يعتمد على مهارة الخياطة فقط، بل يحتاج أيضًا إلى وضوح في الطلب، وثقة بين الخياطة والزبونة، وتقدير للوقت والجهد الذي يحتاجه تنفيذ الفستان أو تعديله.
وبحسب الخياطة وزبائنها فالتغيير لم يقتصر على شكل فساتين الزواج، بل طال طبيعة المهنة نفسها، بعدما دفع ارتفاع التكاليف كثيرًا من الخياطات إلى الجمع بين التفصيل والتأجير.



