لم تعد النقاشات المتعلقة بمهور الزواج في داريا تدور حول الأرقام وحدها، بل باتت ترتبط بأسئلة أوسع تتعلق بقدرة الشباب على الزواج، وضمان مستقبل الفتاة، والتغيرات الاقتصادية التي فرضتها السنوات الأخيرة.
وبين من يرى أن المهر حق للعروس يجب الحفاظ عليه، ومن يعتبر أن المغالاة فيه تعقد الزواج وتؤخره، تتباين مواقف الأهالي والشباب حول ما يعد “مهرًا مناسبًا” في المدينة.
وخلال استطلاع أجرته عنب بلدي في داريا، برزت آراء مختلفة حول قيمة المهر المتعارف عليها، والعوامل التي تحددها، ومدى تأثير الوضع الاقتصادي الحالي على قرارات الزواج وشروطه.
المهر حق للعروس.. لكن ضمن حدود
تقول أم عبد الرحمن، وهي أم لفتاة في سن الزواج، إن المبالغة في المهر ليست ضرورية، مشيرة إلى أن المتعارف عليه في كثير من الحالات هو خمس ليرات ذهب مقدمًا وخمس ليرات مؤخرًا، إضافة إلى نحو ألفي دولار لما يعرف بـ “ملبوس البدن” أي تكاليف لباس العروس واحتياجاتها الشخصية.
وترى أن هذه المبالغ قد لا تكون مناسبة لجميع الشباب، لكنها ترتبط بارتفاع تكاليف المعيشة والأسعار، موضحة أن بعض الأهالي يعتبرون المهر وسيلة لضمان مستقبل ابنتهم إذا لم تستمر الحياة الزوجية.
وأضافت أنها لا تضع شروطًا مسبقة تتعلق بالسكن، معتبرة أن الأمر يعتمد على قدرة الشاب وإمكاناته، سواء استطاع تأمين منزل مستقل أم لا، مؤكدة أنها ستتعامل مع زواج ابنتها وفق هذا التصور.
أهل العريس: المقبوض يرهق الشباب
أما وليد البرمة، وهو أب لأربعة أبناء، فيقول إنه زوج ابنه الأكبر بمهر بلغ خمس ليرات ذهب مقدمًا وست ليرات مؤخرًا، ويرى أن هذا الرقم قريب مما هو متداول بين الناس.
ويعتقد أن قيمة المهر ليست العامل الأهم في نجاح الزواج، بقدر ما يشكل التفاهم بين الطرفين أساسًا لاستمرار الحياة الزوجية، مضيفًا أن المهر، رغم تحوله في بعض الحالات إلى إجراء شكلي، يبقى حقًا مشروعًا للعروس.
لكن البرمة يرى في المقابل أن اشتراط دفع المهر كاملًا بشكل مقبوض يشكل عبئًا إضافيًا على الشباب، خاصة في ظل الظروف الاقتصادية الحالية، مشيرًا إلى أن أبناءه لم يواجهوا هذا الشرط حتى الآن.
ويتكرر الحديث في داريا عن تفاوت المهور بين العائلات، إذ يرى بعض السكان أن الوضع الاقتصادي للعريس وقدرته على تأمين حياة مستقرة أصبحا عاملين أساسيين في تحديد قيمة المهر.
ويقول البرمة إن بعض الأهالي ينظرون إلى المهر بوصفه ضمانة لحقوق الفتاة، لكنه لا يرى أن ارتفاعه يرتبط بالضرورة بنجاح الزواج أو استمراره، مضيفًا أن التفاهم بين الزوجين يبقى العامل الأكثر أهمية.
الشباب: الفارق ليس دائمًا في المهر
حمزة، وهو شاب من داريا لم يخض تجربة الخطبة بعد، يرى أن تكاليف الزواج عمومًا أصبحت عبئًا على معظم الشباب، موضحًا أن بعض الزيجات تتم بمهر يبلغ ثلاث ليرات ذهب مقدمًا وثلاث ليرات مؤخرًا، بينما تصل في حالات أخرى إلى ست ليرات مقدمًا وست ليرات مؤخرًا.
وبرأيه، لا يرتبط هذا الفارق دائمًا بظروف العروس أو احتياجاتها، بل أحيانًا بالوضع الاجتماعي أو الاقتصادي للعائلتين.
ويقول إن المهر الذي يستطيع تحمله شخصيًا يتراوح بين ثلاث أو أربع ليرات ذهب مقدمًا ومثلها مؤخرًا، بينما يتراوح “ملبوس البدن” عادة بين ألف وألف وخمسمئة دولار، وقد يصل في بعض الحالات إلى ألفي دولار.
وأضاف أن امتلاكه منزلًا يجعله أقل قلقًا من موضوع السكن، مقارنة بشباب آخرين يضطرون إلى تأجيل الزواج بسبب صعوبة تأمين منزل مستقل.
«المصاري بتروح وبتجي»
من جهتها، ترى أم محمد شيخ يوسف أن قيمة المهر يجب أن ترتبط بظروف الشاب وقدرته، موضحة أن كثيرًا من العائلات تطلب حاليًا خمس ليرات ذهب مقدمًا وخمس ليرات مؤخرًا، بينما تقبل عائلات أخرى بمبالغ أقل.
وأضافت أن بعض الأهالي يرفعون قيمة المهر عندما يكون العريس مغتربًا، انطلاقًا من اعتقاد بأن دخله أعلى من غيره، وهو ما لا يكون صحيحًا دائمًا.
وترى أن الأخلاق والانسجام بين الزوجين أكثر أهمية من المال، وتقول: “المصاري بتروح وبتجي”.
كما تشير إلى أن بعض مشاريع الزواج لم تكتمل بسبب تمسك الأهالي بشروط معينة أو رفضهم انتقال بناتهم إلى خارج البلاد بعد الزواج.
المهر ليس دائمًا سبب الفشل
وفي مقابل الاعتقاد بأن ارتفاع المهر يمثل العقبة الأساسية أمام الزواج، تروي أم نضال تجربة ابنها الذي خطب فتاة من داريا.
وتقول إن أهل الفتاة طلبوا خمس ليرات ذهب مقدمًا وخمس ليرات مؤخرًا، وهو مبلغ لم يشكل مشكلة بالنسبة لابنها، لكن الخطبة انتهت بعد شهرين بسبب خلافات وعدم توافق بين الطرفين.
وتضيف أن المشكلة لم تكن مرتبطة بالمهر أو التكاليف، بل بطريقة التفكير والتوقعات المختلفة لدى كل منهما، معتبرة أن التفاهم يبقى العامل الأهم لاستمرار أي علاقة.
وفي المقابل، يتحدث سكان عن حالات طلبت فيها عائلات مهورًا مرتفعة مقارنة بما هو متداول في المدينة، ورغم اعتراض أهل الشاب على المبلغ، مضى بعض الشبان في الزواج بسبب رغبتهم بالارتباط بمن اختاروها.
وتكشف الآراء التي رصدتها عنب بلدي أن النقاش حول مهور الزواج في داريا لا يتعلق بقيمة الذهب أو المبالغ المطلوبة فقط، بل بفكرة أوسع تتعلق بالأمان والاستقرار وقدرة الشباب على بدء حياتهم الزوجية.
ففي وقت ترى فيه بعض العائلات أن المهر المرتفع يحفظ حقوق الفتاة، يميل آخرون إلى ربط نجاح الزواج بالتفاهم والقدرة على تجاوز الظروف الاقتصادية، أكثر من ارتباطه بالأرقام المكتوبة في عقد الزواج.
