زارت وزيرة الشؤون الاجتماعية والعمل السورية، هند قبوات، ووزيرة الشؤون الاجتماعية اللبنانية، حنين السيد، مدينة داريا، الأحد 18 تشرين الأول، والتقتا عددًا من الأهالي والناجين والناجيات من الاعتقال والتهجير، للاستماع إلى تجاربهم خلال سنوات الحرب واللجوء، والصعوبات التي تواجههم بعد العودة إلى سوريا.
وشملت الزيارة لقاءً في مبنى البلدية استمر نحو ساعة، وآخر في المركز الثقافي، أعقبتهما جولة في منطقة الجمعيات وأرض الخليج للاطلاع على أوضاع المدينة.
وشارك في اللقاءات مدير منطقة داريا، جميل مدور، ومعاونه عامر خشيني، والناشطة الحقوقية آمنة خولاني، إلى جانب وفد من وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل.
وتناولت مداخلات الأهالي انقطاع الأطفال عن التعليم، وصعوبة إعادة دمجهم في المدارس بعد سنوات اللجوء، وارتفاع إيجارات المنازل وتكاليف المعيشة، والحاجة إلى فرص عمل ودعم للأسر والناجين والناجيات.
وقالت قبوات لعنب بلدي إن وزارتها تعمل على مشروع لدعم الناجيات يشمل نساء من داريا، فيما تحدثت الوزيرة اللبنانية عن تجارب الأسر السورية التي لجأت إلى لبنان، والخدمات التي حصل بعضها عليها خلال إقامتها هناك.
انقطاع الأطفال عن التعليم
كانت أم محمد غرز الدين من أوائل العائدين إلى سوريا، بعدما قررت العودة من مصر لإتاحة الفرصة لأبنائها لاستكمال تعليمهم، لكنها واجهت صعوبة في إعادتهم إلى المدارس بعد انقطاع استمر ثلاث سنوات.
وقالت لعنب بلدي إن أبناءها التحقوا بالمدارس في مصر خلال السنوات الأولى من إقامتهم، قبل أن تحول متطلبات الإقامة وإجراءات التسجيل الطويلة دون استمرارهم في الدراسة.
وبعد العودة إلى سوريا، واجه الأبناء صعوبة في الاندماج مع الطلاب ومتابعة المناهج الدراسية، نتيجة الفجوة التعليمية التي خلفتها سنوات الانقطاع.
وركزت أم محمد خلال اللقاء على احتياجات الأطفال واليافعين الذين تتراوح أعمارهم بين 13 و17 عامًا، مطالبة ببرامج تساعدهم على استدراك ما فاتهم من التعليم، أو تتيح لهم تعلم مهن وحرف تؤهلهم للعمل مستقبلًا.
وأشارت إلى أن تعلق بعض الأطفال بالألعاب الإلكترونية يزيد صعوبة إعادتهم إلى الدراسة، معربة عن خشيتها من أن يؤدي استمرار انقطاعهم عن التعليم إلى تضاؤل فرصهم مستقبلًا.
وشاركها عمار غرز الدين القلق بشأن الأطفال المنقطعين عن الدراسة، معتبرًا أن التعليم والصحة من أولويات المرحلة الحالية.
وتحدث لعنب بلدي عن قضاء أطفال أوقاتًا طويلة في استخدام الهواتف والألعاب الإلكترونية، إلى جانب انتشار التدخين وبعض السلوكيات التي تثير قلق الأهالي.
ورغم معاناته من مشكلات السكن، اختار غرز الدين التركيز على التعليم خلال اللقاء، موضحًا أنه تنقل بين أربعة منازل تحمل تكاليف إصلاحها وإيجاراتها، بينما يملك منزلين مدمرين.
واعتبر أن معالجة أوضاع الأطفال التعليمية أكثر إلحاحًا بالنسبة إليه من مشكلاته السكنية.
أما أم محمد، فقالت إن ردود المسؤولين أظهرت إدراكهم للصعوبات التي تواجه الأسر العائدة، لكنها تضمنت إشارات إلى محدودية الإمكانات المتاحة لتلبية احتياجاتها.

مطالب بحلول للسكن وتحسين الدخل
طرحت أم علاء مدور خلال اللقاء مقترحًا لتأمين منازل تستطيع الأسر تملكها بالتقسيط، بدل الاستمرار في دفع الإيجارات.
وقالت لعنب بلدي إن بعض أصحاب العقارات يستغلون حاجة المستأجرين، معتبرة أن دفع أقساط شهرية مقابل تملك منزل سيكون أفضل للأسر من إنفاق المبالغ نفسها على الإيجار.
وطالبت أيضًا ببرامج تعليمية ومهنية للأطفال واليافعين الذين انقطعوا عن الدراسة، بمن فيهم من لا يجيدون القراءة والكتابة.
وتحدثت أم علاء عن أهمية عودتها إلى بلدها بعد سنوات من التهجير، معربة عن أملها في تحسن الظروف المعيشية والخدمية.
من جهتها، ركزت ريم عديلة على انخفاض الرواتب وارتفاع الأسعار، وقالت لعنب بلدي إنها تضطر إلى العمل في أكثر من وظيفة لتغطية نفقات أسرتها، لأن دخل وظيفة واحدة لا يكفي لتأمين احتياجات المنزل.
واعتبرت أن ارتفاع تكاليف المعيشة يمثل أبرز الصعوبات التي تواجهها، في ظل محدودية الدخل والحاجة إلى تأمين المصاريف اليومية.
وبحسب عديلة، أوضحت الوزيرة خلال اللقاء أن الجهات المعنية مطلعة على احتياجات الأسر، لكن حجم الدمار الذي خلفته الحرب يجعل الاستجابة صعبة، وأن نتائج العمل الجاري لم تظهر بعد بالمستوى الذي يحتاجه السكان.
مشروع لدعم الناجيات
قالت وزيرة الشؤون الاجتماعية والعمل السورية، هند قبوات، إن التعامل مع ملفات الضحايا والناجين لا يقتصر على وزارتها، بل يشمل أيضًا هيئة العدالة الانتقالية وهيئة المفقودين.
وأوضحت، ردًا على سؤال لعنب بلدي عن خطط الوزارة، أن لديها مشروعًا مخصصًا لدعم الناجيات، يشمل نساء من مدينة داريا، دون أن تقدم تفاصيل عن طبيعة المشروع أو موعد تنفيذه.
واعتبرت قبوات أن الشهادات التي استمعت إليها خلال اللقاء تعكس صعوبات يعيشها أهالي داريا، وتتكرر لدى سوريين في مناطق أخرى.
وفيما يتعلق بعودة اللاجئين السوريين من لبنان، قالت إن العمل مستمر على هذا الملف، مؤكدة ضرورة توفير ظروف تحفظ كرامة العائدين، ومعربة عن رغبتها في إنهاء إقامة السوريين في المخيمات وعودتهم للعيش في سوريا.
كما أشارت إلى تجارب إيجابية تحدث عنها بعض المشاركين خلال إقامتهم في لبنان، وأشادت بدور منظمات المجتمع المدني التي قدمت المساعدة للسوريين، داعية إلى تعزيز العلاقات بين البلدين على أساس الاحترام المتبادل.
من جهتها، قالت وزيرة الشؤون الاجتماعية اللبنانية، حنين السيد، إن اللقاء أتاح لها الاستماع إلى شهادات عائلات فقدت أبناءها، ونساء عانين من الاختفاء القسري لأبنائهن وأزواجهن، واضطرت بعضهن إلى اللجوء إلى لبنان قبل العودة إلى سوريا.
وأضافت أن بعض المشاركات تحدثن عن تمكن أبنائهن من متابعة التعليم خلال إقامتهم في لبنان، وعن فرص عمل ومساعدات قدمتها المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين.
واعتبرت السيد أن العودة إلى سوريا تتيح لهؤلاء النساء المشاركة في إعادة بناء حياتهن وتأسيس أعمالهن من جديد.
وردًا على سؤال بشأن ما يمكن أن تقدمه من وعود للسوريين، أوضحت أن هذا الأمر يعود إلى الدولة السورية، معربة عن أملها في استمرار عودة اللاجئين.
الدمار وعودة السكان إلى داريا
تطرق مدير منطقة داريا، جميل مدور، خلال الزيارة إلى حجم الدمار الذي تواجهه المدينة مع عودة سكانها، مستندًا إلى دراسة أعدتها الجمعية الأمريكية للمهندسين السوريين ووحدة تنسيق الدعم (ACU).
وقال إن نسبة الدمار داخل المخطط التنظيمي بلغت نحو 60%، بين دمار كلي وجزئي، بينما تعرضت مناطق المزارع والتجمعات السكنية خارج المخطط لدمار كامل.
وأوضح مدور أن داريا أُخليت من سكانها في نهاية آب 2016، وبدأت العودة إليها بصورة محدودة مطلع عام 2019، في ظل تضرر الشوارع وغياب الخدمات الأساسية، ما دفع السكان إلى الاعتماد على آبار الأحياء لتأمين مياه الشرب.
وبحسب الأرقام التي قدمها، بلغ عدد الموجودين في المدينة نحو 90 ألف نسمة في كانون الأول 2024، ويرجح أنه تجاوز 250 ألفًا حاليًا، مقارنة بنحو 320 ألف نسمة عام 2011.
وتوقع مدور أن يصل عدد السكان إلى نحو نصف مليون نسمة في حال عودة جميع الأهالي، مع احتساب النمو السكاني.
وأشار إلى استمرار وجود مخلفات حرب في بعض المواقع، ومنها مبنى مدرسة التمريض الذي لم يُعَد تأهيله بعد.
وقال إن الفرقة الرابعة، في جيش النظام السابق، استخدمت المبنى مستودعًا للذخيرة خلال الحرب، وإن انفجارًا لمخلفات الحرب وقع فيه قبل نحو 20 يومًا، أدى إلى وفاة شخص وإصابة آخر كانا قد دخلا الموقع.
آمنة خولاني: قلة الموارد تؤثر في دعم الناجيات
قالت الناشطة الحقوقية آمنة خولاني إن زيارة الوزيرتين إلى داريا جاءت ضمن جولة شملت مناطق في دمشق وريفها تعرضت للقصف والدمار وتهجير السكان خلال سنوات الحرب.
وأوضحت أن لبنان استقبل أعدادًا كبيرة من المهجرين السوريين، سواء ممن أقاموا فيه أو اتخذوه محطة للانتقال إلى بلدان أخرى، وأن تجارب اللجوء ترافقت مع تحديات وتوترات في العلاقة بين السوريين واللبنانيين.
وأضافت أن الزيارة جاءت لدعم جهود وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل السورية في التعافي وتقديم الخدمات، وإتاحة الفرصة للأهالي لعرض احتياجاتهم مباشرة على المسؤولين.
وعن شكاوى بعض الناجيات من بطء الدعم وشعورهن بأن احتياجاتهن مهملة، قالت خولاني لعنب بلدي إن هذا الشعور مبرر، ولا يقتصر على نساء داريا.
وأرجعت ضعف الاستجابة إلى قلة الموارد المتاحة والأخطاء التي ترافق توزيعها، مشيرة إلى أن ذلك يؤثر بصورة خاصة في الفئات الأكثر احتياجًا، ومنها النساء الناجيات من الاعتقال، إلى جانب الرجال الناجين.
وشجعت خولاني الناجيات على مواصلة المطالبة بحقوقهن، والتعبير عن احتياجاتهن لضمان حضورها في خطط الدعم والتعافي.




