م. طارق معترماوي
لا يمكن لأي مقيم أو زائر لمدينة داريا إلا أن يلاحظ تغوّل مخالفات البناء، وخاصة الإنشاءات التجارية من محلات ومستودعات، وإضافة طوابق دون ترخيص لأبنية مرخصة سابقًا.
إن سرعة انتشار مخالفات البناء على المحاور الرئيسية للمدينة والمناطق الزراعية المجاورة لها غير مسبوقة، فلا يكاد يمر يوم واحد إلا ويشهد إنشاء محلات جديدة.
وعلى عكس نمط انتشار المخالفات المعتاد سابقًا، فإن الأعمال الإنشائية لا تتم فقط في أيام العطل الأسبوعية والأعياد، بل تراها قائمة على قدم وساق في أغلب الأيام، وتستخدم آلات الصب الحديثة من خلاطات وجبالات إسمنت ومضخات صب.
ومع انحسار المساحات القابلة للبناء على جانبي الطريق، فقد تمددت المخالفات شاقوليًا، فأصبحت طابقين، وأحيانًا ثلاثة.
هنا يتبادر إلى الذهن سؤال: هل تتم هذه المخالفات الإنشائية بقبول ضمني من البلدية، مقابل تسديد جزاءات مالية من مرتكبي المخالفات تُستخدم في تمويل مشاريع عامة؟
إذا كان هذا ما يحصل، فهذا يستدعي مساءلة جادة للبلدية حول جدول الأولويات وخطتها لمعالجة العشوائيات التي ستنجم، بلا شك، بعد السماح بهذا الكم من التجاوزات، ومدى التزام هذه المخالفات بشروط البناء الفنية.
أما إذا لم يكن للبلدية علم مسبق بهذه المخالفات، فلماذا لا يتم إيقافها؟ ولماذا لا تُطبّق عقوبات رادعة بحق المخالفين؟ فالكل يعلم أن مخالفات البناء الخرسانية، حال حصولها ووضعها قيد الاستثمار، سيصبح من شبه المستحيل إزالتها، لأن محاولة الإزالة ستولّد، إضافة إلى الخسائر المادية، توترات وعنفًا مجتمعيًا لسنا، كسوريين، بوارد تحمّله.
ربما تتعدد الإجابات: محدودية قدرة البلدية، وضعف المساندة الشرطية، أو الحذر السياسي المتمثل في عدم رغبة الدولة الناشئة في حصول توترات ناجمة عن تنفيذ القوانين بالقوة.
إلا أنه، مهما كانت الأسباب، فإن بقاء أهالي المدينة في موقف المتفرج لا يُعد حيادًا، بل قبولًا بخسارة مستقبل مدينتهم الحضري والعمراني، وتركه رهينة بيد من يخالف القانون ويسعى إلى الربح السريع دون الالتفات إلى المصلحة العامة ومستقبل المدينة.
مع التفهم الكامل لمن يضطر إلى المخالفة ليجد مأوى له ولأبنائه بدلًا من المنزل الذي دمره نظام الأسد في حربه الطويلة على الشعب السوري، يجب على محافظة ريف دمشق والبلدية ونقابة المهندسين إتاحة حلول مرنة لهذه الحالات. إلا أن معظم التوسع الملحوظ يقع في دائرة المتمولين وتجار المخالفات ومنتهزي الفرص.
تستفيد الآن شريحة صغيرة من المجتمع من هذه المخالفات، إلا أن الضرر سيكون دائمًا، وسيطال جميع السكان، فهذه التجاوزات غير المسبوقة ستؤدي إلى ضغط إضافي على البنية التحتية، وستنهار منظومات المياه والكهرباء، وتختنق الحركة المرورية، وتتردى جودة الحياة نتيجة اكتظاظ المساكن، وانتشار النفايات، وتغيب المساحات المفتوحة والخضراء نهائيًا. وهكذا تصبح مدينتنا، التي كانت قلب الغوطة الغربية، مجموعة من الكتل الإسمنتية غير المتناسقة والبائسة!
قد يقول قائل إن الدولة، لاحقًا، ستخدم هذه المناطق العشوائية، ولكن هذا الإجراء “الإسعافي” لن يغير من الواقع البائس للعشوائيات المستحدثة، سواء على المستوى الاقتصادي أو، وهو الأخطر، على المستوى الاجتماعي.
يراهن من يمول هذه المخالفات على أرباح كبيرة ناجمة عن انخفاض التكاليف، إلا أن المدينة لن تكون صالحة للعيش من دون شوارع آمنة ومساحات عامة تتيح التهوية والإضاءة الطبيعية، وهي مما يحتاجه الإنسان ليضمن حياة صحية ولائقة اجتماعيًا.
كما هو واضح، لا تستطيع البلدية حل هذه المشكلة بمفردها، لافتقارها إلى الكوادر الكافية، والسلطة القانونية، والقدرات الفنية، والدعم اللازم لإنفاذ القانون. لهذا تحتاج داريا إلى شراكة تجمع المؤسسات العامة، وأصحاب الاختصاص، والناشطين، والمجتمع المحلي. ويمكن أن تتجلى هذه الشراكة في مجلس استشاري فعال، لا صوري، مشترك بين البلدية والمجتمع، يضم ممثلين عن البلدية، ومهندسين معماريين ومدنيين، وخبراء في التخطيط الحضري، وحقوقيين، وملاك أراضٍ، ومقاولين، وممثلين عن عائلات المدينة.
يتمثل الإطار العام لعمل اللجنة في توثيق المخالفات الحالية، ووضع توصيات لمعالجة الوضع القائم، وخطة للاستجابة لزيادة الطلب على المباني السكنية والتجارية، إضافة إلى دعم البلدية بقراراتها المتعلقة بمنع انتشار المخالفات، ثم تُرفع هذه التوصيات إلى الجهات المختصة للمراجعة والموافقة الرسمية ووضعها قيد التنفيذ. لن تحل اللجنة محل البلدية، بل سيقتصر دورها على دعمها بالمعرفة التقنية، والشرعية المجتمعية، والمقترحات العملية، والتنسيق المستمر من خلال اجتماعات عامة علنية دورية تضمن الشفافية والتشاركية في وضع الخطط ومتابعة تنفيذها.
عارض نظام الأسد المبادرات المحلية المستقلة، وحرم المجتمعات من دور فعال في تخطيط مدنها. كانت القرارات مركزية، والمشاركة العامة محدودة وانتقائية، والمؤسسات تخدم السيطرة السياسية والأمنية ومصالح أزلام النظام في المدينة على حساب المصلحة العامة.
في سوريا الحرة، أصبح لنا، نحن المواطنين، الحق والمسؤولية في المشاركة في المجال العام. لكن هذه المشاركة يجب أن تتجاوز مجرد النقد بعد وقوع الضرر، فهي تتطلب مشاركة مبكرة، وتخطيطًا جماعيًا، ومتابعة ميدانية للتنفيذ، وتقييمًا موضوعيًا وعلنيًا للنتائج.
لا يتعين على مدينة داريا دفع الضريبة مرتين: الأولى حين تقدمت الصفوف الأولى للثورة السورية، والثانية، الآن، في الوقت الضائع بين سقوط نظام الأسد وتشكل مؤسسات فعالة في سوريا الجديدة.
