لم تعد أزمة البنزين في داريا، التي بدأت منذ يوم الثلاثاء 30 حزيران، تقتصر على صعوبة الحصول على الوقود، بل امتد أثرها إلى أعمال يعتمد أصحابها على التنقل اليومي، من محال الخضروات وسيارات الأجرة إلى احتياجات كبار السن، بعدما تحولت ساعات الانتظار أمام محطات الوقود إلى جزء من يوم العمل، وأجبرت بعضهم على تقليص نشاطهم أو تأجيله.
وتشير شهادات تحدث أصحابها إلى عنب بلدي إلى أن المشكلة لا ترتبط بانقطاع البنزين بشكل كامل، وإنما بصعوبة الوصول إليه، نتيجة الازدحام أمام محطات الوقود وسرعة نفاد الكميات المتوفرة، ما جعل الوقت اللازم للحصول على الوقود جزءًا من كلفة العمل اليومية.
بائع خضروات.. البضاعة نفدت قبل البنزين
داخل محل أبو جمال سرور، قرب المركز الثقافي في داريا، لم يبق سوى كميات محدودة من الخضروات القديمة، بعدما تعذر عليه الذهاب إلى سوق الهال لتجديد بضاعته.
ويقول سرور إنه لم يتمكن من النزول إلى السوق بسبب عدم توفر البنزين لسيارته، موضحًا أن الصهريج الذي وصل إلى إحدى الكازيات نفد خلال نحو ساعتين فقط، بينما غادر كثير من المنتظرين دون أن يتمكنوا من تعبئة سياراتهم.
ويضيف أن عشرات الدراجات النارية والسيارات احتشدت أمام المحطة، حتى إن مجرد الذهاب إليها أصبح يحمل مخاطرة، بسبب الازدحام واحتمال تعرض السيارة لأضرار أو كسر المرايا، وهو ما قد يكلفه أرباح يوم كامل.
وبسبب ذلك، اقتصر البيع خلال الأيام الماضية على ما تبقى لديه من خضروات قديمة، دون أن يتمكن من شراء بضاعة جديدة.
ويقول: “قاعدين لا شغلة ولا عملة، عم ندبر حالنا باللي عنا.. معنا أكل مناكل، ما معنا ما مناكل”.
ويرى سرور أن الأزمة لا ترتبط فقط بتوفر البنزين، بل أيضًا بطريقة طرحه في المحطات، موضحًا أن بعض أصحاب الكازيات ينتظرون تعويضًا عن فارق السعر بعد تخفيض أسعار البنزين، لأنهم اشتروا مخزونهم السابق بسعر أعلى، وهو ما ينعكس، بحسب قوله، على عمليات التعبئة.

سائقو الأجرة.. ساعات انتظار بدل نقل الركاب
ولا يختلف واقع سائقي سيارات الأجرة كثيرًا، إذ يقول أبو رائد نايلة إن جزءًا كبيرًا من يومه أصبح يقضيه في انتظار البنزين بدل نقل الركاب.
ويضيف أنه لم يتمكن من تعبئة سيارته منذ يومين، ما اضطره إلى الوقوف أربع أو خمس ساعات أمام محطات الوقود للحصول على تنكة بنزين.
ويقول: “عم نوقف بالنهار أربع خمس ساعات لنعبي تنكة بنزين”.
ويشير إلى أن هذه الساعات تعني خسارة مباشرة في الدخل، بينما تبقى المصاريف اليومية قائمة، من الوقود وأجرة السيارة إلى الطعام والمصاريف الشخصية.
وأضاف أنه يضطر أحيانًا إلى شراء البنزين من السوق الحرة بسعر يصل إلى 20 ألف ليرة سورية لليتر، في وقت لم تعد فيه أجور النقل تغطي النفقات اليومية.
وقال: “بدك تدفعي بنزين وأجار سيارة وأكلك وشربك يعني أقل شي 200-300 ألف باليوم، وأحيانًا كل النهار ما بيجينا طلب أو طلبين، من وين الواحد بدو ياكل ويشرب؟”
ويرى نايلة أيضًا أن انتشار تطبيقات النقل خفض الإقبال على سيارات الأجرة التقليدية، ما زاد صعوبة تأمين دخل ثابت في ظل أزمة الوقود.

كبار السن ينسحبون من الطوابير
أما أبو وائل شبرق، وهو سبعيني يستخدم دراجة نارية للتنقل بين منزله وبستانه، فيقول إن الأزمة دفعته إلى الاستغناء عن وسيلة تنقله في كثير من الأحيان.
ويضيف أنه أصبح يقطع مسافات سيرًا على الأقدام كلما احتاج إلى الذهاب إلى أرضه أو العودة منها، أو ينتظر انتهاء دوام أبنائه ليقضوا له احتياجاته.
ويقول إنه لم يعد قادرًا على الوقوف ساعات طويلة أمام الكازيات للحصول على لترين فقط من البنزين لدراجته النارية، موضحًا أن وضعه الصحي لم يعد يسمح له بتحمل ساعات الانتظار كما في السابق.
وأضاف أنه اضطر أكثر من مرة إلى الخروج في ساعات الظهيرة، ما عرضه للإجهاد وضربات الشمس.
وتظهر شهادات السكان أن أزمة البنزين لم تعد تقاس فقط بتوفر المادة أو غيابها، بل بالوقت الذي يضيع في انتظارها، وبما يتركه ذلك على العمل اليومي.
وبين محل خضروات لم يتمكن صاحبه من تجديد بضاعته، وسائق تاكسي يخسر ساعات من يومه أمام الكازية، ورجل سبعيني يؤجل تنقلاته أو يمشي بدل استخدام دراجته، تبدو الأزمة حاضرة في تفاصيل صغيرة، لكنها كافية لتعطيل يوم كامل.

