يواجه أطفال عائدون إلى داريا من دول كانت دراستهم فيها بلغات أخرى صعوبة في متابعة تعليمهم بالعربية، إذ يدخل بعضهم الصفوف النظامية من دون معرفة كافية بالقراءة والكتابة، بينما تبحث أسر أخرى عن برامج لتأسيس أطفالها لغويًا قبل إلحاقهم بالمدرسة.
ورصدت عنب بلدي حالات لأطفال عادوا من تركيا وسويسرا، وجد أهاليهم صعوبة في المواءمة بين الصفوف التي وصل إليها أبناؤهم في الخارج ومستواهم في اللغة العربية.
واضطرت بعض الأسر إلى الاستعانة بمعلمين خصوصيين ومعاهد، في حين لم يتمكن أطفال آخرون من الاستمرار في المدرسة.
ويقول مشرف التعليم الإلزامي في داريا، حسان الغزي، إن مسار «الفئة (ب)» يمكن أن يشمل بعض الطلاب العائدين الذين يعانون صعوبات لغوية أو نقصًا في التحصيل، إلا أن فتح شعب مستقلة لهذا المسار في المدينة لم يُحسم بعد.
في الصف قبل تعلم الحروف
عاد شفيق حافظ من إسطنبول إلى داريا بعدما أنهى ابنه الصف الثاني في تركيا ونجح إلى الثالث، لكنه لم يكن يعرف القراءة أو الكتابة بالعربية عند وصوله، وفق ما قاله والده لعنب بلدي.
وطلبت المدرسة، بحسب شفيق، إخضاع الطفل لاختبار لتحديد مستواه ووضعه في الصف الثالث، وعندما أوضح أن المشكلة ليست في المستوى الدراسي بقدر ما هي في عدم معرفته بالعربية، طُرح تسجيله في الصف الأول، لكنه رفض إعادة ابنه إلى صف سبق أن تجاوزه.
ويقول إن المدرسة اقترحت بعد ذلك أن يخضع الطفل للاختبار، وأن يؤدي عدم نجاحه فيه إلى تسجيله في الصف الثاني.
أبلغ شفيق مديرة المدرسة والمعلمة بأن ابنه يحتاج أولًا إلى وقت لتعلّم أساسيات العربية، وأن الأسرة مستعدة للتعاون مع المدرسة في ذلك، ويقول إنهما وافقتا في البداية، لكن الطفل بدأ خلال أسبوعه الأول بتقديم الامتحانات والإملاءات مع بقية الطلاب قبل أن يتعلم الحروف.
وبحسب رواية الأب، تعرض الطفل أيضًا للصراخ والعنف عندما لم يتمكن من الكتابة.
ويضيف أن المدرسة أبلغته بأن مسؤوليتها تقتصر على تدريس المنهاج، بينما يقع تعليم أساسيات اللغة على الأسرة، لذلك استعان بمعلمة خصوصية في المنزل، وسجل ابنه في معهد بعد انتهاء الدوام، إلى جانب متابعة الأسرة له.
ويرى شفيق أن ابنه يحتاج إلى المرور بمراحل تعلم الحروف والتهجئة والقراءة والكتابة قبل مطالبته بأداء الاختبارات نفسها التي يخضع لها زملاؤه.
أربعة أطفال يبحثون عن بداية بالعربية
عادت عفراء إلى سوريا قبل نحو عام برفقة أطفالها الخمسة، أربعة منهم في سن الدراسة، بينما يعاني الخامس، وفق والدته، من إعاقة مرتبطة بنقص الأوكسجين في الدماغ.
كان الأطفال يدرسون في سويسرا، ويتقنون الألمانية ولديهم مستوى من الإنكليزية، لكن معرفتهم بالعربية تكاد تكون معدومة.
وتقول عفراء لعنب بلدي إنها بدأت منذ العام الماضي مراجعة مدارس عامة وخاصة في داريا، إلا أن بعض المدارس لم تقبل تسجيل أطفالها بسبب عدم إتقانهم العربية، بينما طلبت مدارس أخرى أن تتولى الأسرة تأسيسهم لغويًا خارج المدرسة.
وقدرت كلفة تسجيل أطفالها الأربعة في مدارس خاصة بنحو 12 ألف دولار، إضافة إلى أجور مدرسين خصوصيين قالت إن المدارس طلبت منها تأمينهم. ولم تستطع تحمل هذه الكلفة، فتوجهت إلى المدارس العامة، لكنها لم تجد، وفق تجربتها، برنامجًا يتيح لأطفالها تعلم العربية قبل الانتقال إلى دراسة المنهاج.
أحد أبنائها، الذي كان يفترض أن يكون في الصف السابع، أمضى نحو شهرين في مدرسة، لكنه لم يكن قادرًا على فهم ما يقال داخل الصف أو المشاركة في الدروس، بحسب والدته.
حاولت نقله إلى مدرسة أخرى، لكنه لم يستمر فيها أيضًا، وتقول عفراء إن ابنها تعرض للصراخ والضرب من مدرسين، فقررت إخراجه من المدرسة وإرساله لتعلم مهنة حتى لا يبقى في المنزل.
وتضيف أن ابنتها في الصف الأول واجهت مشكلة مشابهة، إذ احتاجت إلى تعلم العربية تدريجيًا، بينما تصف الأم تعامل المدرسة معها بأنه اعتمد على الصراخ والعقاب بدل مساعدتها على تجاوز حاجز اللغة.
بحثت عفراء بعد ذلك عن بديل خارج المدرسة، وراجعت المركز الثقافي للسؤال عن دورة لتأسيس أطفالها بالعربية.
وبحسب روايتها، سجل العاملون بياناتها وأسماء أطفالها وأخبروها بأنهم سيتواصلون معها عند بدء الدورة، لكنها لم تتلق اتصالًا.
وسجلت أطفالها لاحقًا في دورة تأسيسية لدى معهد في داريا، انتظمت خلال أسبوعها الأول قبل أن تصبح غير منتظمة، وفق قولها.
هل تكون «الفئة (ب)» خيارًا؟
يشرح مشرف التعليم الإلزامي، حسان الغزي، أن «الفئة (ب)» مسار تعليمي مكثف مخصص أساسًا للطلاب المنقطعين عن الدراسة لأكثر من عامين، ويمكن أن يشمل بعض القادمين من خارج سوريا ممن لديهم صعوبات لغوية أو نقص في التحصيل الدراسي.
ويركز المسار على المعارف الأساسية التي يحتاجها الطالب للعودة لاحقًا إلى التعليم النظامي.
ويتألف، بحسب الغزي، من أربعة مستويات، يعادل كل مستوى منها صفين دراسيين يدرسان خلال عام واحد: الأول والثاني، ثم الثالث والرابع، فالخامس والسادس، وأخيرًا السابع والثامن.
وبعد إنهاء المستوى الرابع، يستطيع الطالب الانتقال إلى الصف التاسع النظامي، إذ لا يوجد مستوى من «الفئة (ب)» يعادل الصف التاسع.
ويقول الغزي إن المنهاج المكثف يختصر بعض الدروس ويستبعد مواد غير أساسية، بما يتيح وقتًا أكبر للعربية والرياضيات والمواد العلمية.
لكن تطبيق المسار في داريا يواجه مشكلة تتعلق بمكان تدريس الطلاب.
وبحسب الغزي، تشترط التوجيهات الوزارية فصل طلاب «الفئة (ب)» عن طلاب التعليم النظامي في شعب مستقلة، بينما يوجد حاليًا طلاب تنطبق عليهم الفئة المستهدفة داخل الصفوف العادية في مدارس المدينة، بانتظار تحديد آلية التعامل معهم.
شعب مستقلة لم تفتح بعد
يربط الغزي فتح شعب مستقلة بواقع الأبنية المدرسية وتوزع الطلاب داخل المدينة.
ويقول إن مدارس داريا كانت متضررة بدرجات متفاوتة عند بدء العودة والترميم عام 2018، وإن العمل بدأ حينها بأربع مدارس قبل أن يرتفع عدد المدارس المؤهلة إلى نحو 22، بينما لا تزال أربع أو خمس مدارس بحاجة إلى الترميم، وفق تقديره.
ومن المدارس التي ذكرها مدرسة معن بن زائدة، التي قال إنها مدمرة بالكامل، وإعدادية المحدثة الثالثة.
ورغم أن غالبية مدارس المدينة تعمل حاليًا بدوام واحد، وأن عددًا من القاعات غير ممتلئ، بحسب الغزي، فإن فتح شعب مخصصة لـ«الفئة (ب)» يحتاج إلى جمع الطلاب في أبنية يمكن الوصول إليها من مناطق مختلفة، وليس فقط إلى وجود غرف صفية فارغة.
ويطرح الغزي ترميم إعدادية المحدثة الثالثة بوصفه أحد الخيارات لاستقبال الطلاب المتسربين وطلاب «الفئة (ب)».
كما توجد، بحسب الغزي، خيارات لإعادة توزيع بعض الطلاب بين الأبنية المدرسية للاستفادة من مدرسة يمكن تخصيص عدد من غرفها لهذا المسار.
ويشير إلى وجود أطفال عائدين من لبنان انقطعوا عن التعليم أو يعانون ضعفًا في التحصيل واللغة، إلى جانب عائدين من دول كانت دراستهم فيها بلغات أخرى.
ويرى أن وضع القادمين من الأردن ومصر يختلف لكون الدراسة في البلدين متاحة بالعربية.

