يرتبط وصول الإنترنت في داريا بحلول بديلة أكثر منه ببنية تحتية مستقرة. فبعد أكثر من عام على سقوط النظام، لم يسجل تطور ملحوظ في إعادة تأهيل شبكات الهاتف الأرضي أو خدمة ADSL، وهي خدمة الإنترنت الثابتة التي تعتمد على خطوط الهاتف النحاسية.
كما لا تتوفر شبكة ألياف ضوئية (فايبر) منزلية، خلافًا لما هو متاح في أحياء بدمشق مثل المزة أو المالكي.
في ظل هذا الواقع، يعتمد معظم السكان على خدمة “الإنترنت الهوائي”، أو ما يعرف محليًا بـ “WiFi outdoor”، بوصفها الخيار العملي الوحيد في غالبية الأحياء.
وبين تفاوت الأسعار والسرعات والانقطاعات، يبرز سؤال متكرر بين الأهالي: ما الخيار الأنسب للاشتراك؟
رصدت عنب بلدي واقع الإنترنت المتاح عبر مراجعة قوائم الأسعار المعلنة في مكاتب الشركات خلال شباط 2026، والتواصل مع شركات وموزعين محليين، والاستماع إلى تجارب مشتركين في أحياء مختلفة، إضافة إلى رأي تقني مستقل.
كيف تعمل الخدمة؟
تعتمد شركات محلية على استجرار خط ألياف ضوئية من الشركة السورية للاتصالات، ثم إعادة بثه عبر برج يثبت على سطح أحد الأبنية، لتُوزع الإشارة إلى المنازل عبر لواقط خارجية توصل بكبل “إيثرنت” إلى راوتر داخل المنزل.
تتراوح تكاليف التركيب الأولية بين 150 و200 دولار أمريكي تقريبًا، بحسب إفادات عدد من المشتركين، وهي كلفة يعتبرها كثير من المستخدمون مرتفعة قياسًا بمستوى الدخل.
أما الاشتراك الشهري فيختلف باختلاف السرعة ونوع الباقة (محدودة أو غير محدودة).
أسعار تبدأ من 75 ألف ليرة
بحسب قوائم الأسعار التي اطلعت عليها عنب بلدي في 12 شباط 2026، تبدأ بعض الباقات غير المحدودة من نحو 75 ألف ليرة سورية (حوالي 6.4 دولار أمريكي وفق سعر صرف 11,700 ليرة للدولار) لسرعة 1 ميغابت في الثانية لدى شركة “مون بلو”، فيما تبلغ 95 ألف ليرة (نحو 8.1 دولار) للسرعة نفسها لدى كل من “أومني لينك” و”ستار نت” و”تيلينور نت”.
وعند سرعة 2 ميغابت، تسجل الأسعار 125 ألف ليرة (نحو 10.7 دولار) لدى “مون بلو”، مقابل 185 ألف ليرة (نحو 15.8 دولار) لدى “أومني لينك” و”ستار نت”.
أما سرعة 3 ميغابت فتبلغ 170 ألف ليرة (نحو 14.5 دولار) لدى “مون بلو”، و250 ألف ليرة (نحو 21.4 دولار) لدى الشركتين الأخريين.
وفي فئة 4 ميغابت غير المحدود، يبلغ الاشتراك الشهري 210 آلاف ليرة (نحو 18 دولارًا) لدى “مون بلو”، مقابل 300 ألف ليرة (نحو 25.6 دولارًا) لدى “أومني لينك” و”ستار نت”.
أما في السرعات المتوسطة، فتتقارب الأسعار بين الشركات، إذ يبلغ اشتراك 5 ميغابت غير المحدود 240 ألف ليرة (نحو 20.5 دولارًا) لدى “أومني لينك” و”ستار نت”، و260 ألف ليرة (نحو 22.2 دولارًا) لدى “مون بلو”.
وعند 6 ميغابت، يبلغ الاشتراك 290 ألف ليرة (نحو 24.8 دولارًا)، وعند 7 ميغابت 340 ألف ليرة (نحو 29 دولارًا)، وعند 8 ميغابت 380 ألف ليرة (نحو 32.5 دولارًا) شهريًا.
وتصل بعض الباقات لدى “أومني لينك” إلى سرعات أعلى، مثل 10 ميغابت بسعر 700 ألف ليرة (نحو 59.8 دولارًا)، و14 ميغابت بـ800 ألف ليرة (نحو 68.4 دولارًا).
كما تتدرج باقات أخرى حتى 20 و30 و35 ميغابت، بأسعار تصل إلى مليوني ليرة سورية شهريًا (نحو 171 دولارًا).
إلى جانب الباقات غير المحدودة، توفر الشركات باقات محدودة التحميل (50–800 غيغابايت) بسرعات مختلفة، تبدأ من 55 ألف ليرة تقريبًا (نحو 4.7 دولار) لسرعة 1 ميغابت مع 50 غيغابايت، وتزداد الأسعار بزيادة السعة والسرعة.
ورغم هذا التنوع، تشير إفادات عدد من المستخدمين إلى أن السرعة الفعلية قد تنخفض في أوقات الذروة، خاصة مساءً، ما يجعل الاستقرار عاملًا حاسمًا في تقييم الخدمة، وليس السعر وحده.
تباين في توصيف السرعات
تعمل في داريا عدة شركات، من بينها “أومني لينك” و”تيرا نت” و”داريا نت” و”أونلاين” و”ستار نت” و”تيلينور نت”. وعند سؤال عدد من الشركات عن طبيعة الخدمة، ظهرت اختلافات واضحة في توصيف السرعات وجودتها.
محمد شيخ النجار، مدير شركة “أومني لينك”، قال إن السرعات المقدمة فعلية، مشيرًا إلى اعتماد الشركة على ألواح طاقة شمسية وإنفيرترات للتخفيف من تأثير انقطاع الكهرباء، وأن الأعطال غالبًا ما تكون خارج إرادة الشركة.
في المقابل، أوضح بشار الكحيل من شركة “تيرا نت” أن السرعات تقريبية وليست مضمونة بالكامل، مشيرًا إلى أن الحزمة المتاحة للشركة من الدولة تبلغ 8 غيغابايت، دون توضيح ما إذا كان المقصود سعة بيانات أم سرعة خط، لكنه أقر بوجود ضعف ملحوظ في الأداء خلال ساعات المساء عند ارتفاع الضغط.
أما ممثل “داريا نت” فأرجع الانقطاعات إلى الكهرباء والبنية التحتية وتأثير الأبنية الجديدة على الإشارة، بينما أشار ممثل “أونلاين” إلى أن الضغط يتركز مساءً وأن بعض الأعطال ترتبط بتحديثات الشبكة.
تقييم الشركات بحسب شهادات المشتركين
فيما يتعلق بجودة الخدمة، أظهرت إفادات المشتركين تباينًا واضحًا بين الشركات.
بالنسبة إلى “ستار نت”، قال مشتركون إن السرعات المعلنة تصلهم فعليًا في معظم الأوقات، وإن الانقطاع، إن حدث، يكون مؤقتًا ولا يتجاوز عادة ربع ساعة يوميًا، مع استجابة سريعة من خدمة الزبائن.
أما “أومني لينك”، فوصفت الشركة السرعات بأنها فعلية لكنها تقريبية بحكم طبيعة البث الهوائي، فيما أشار بعض المشتركين إلى تراجع طفيف في السرعة خلال ساعات الذروة.
في المقابل، قال مشتركون في “أونلاين” إن السرعات الفعلية أقل من المعلنة، ووصفوا جودة الإنترنت بأنها غير مستقرة، رغم تأكيد الشركة أن الضغط المسائي هو العامل الأساسي.
ووُصف أداء “داريا نت” بأنه “متوسط” بحسب أكثر من مشترك، مع تفاوت بين الأحياء.
أما “تيرا نت”، فأكدت أن السرعات تقريبية، وأشارت إحدى المشتركات إلى أن الشركة لا تقوم بقطع الخدمة فور انتهاء الباقة المحدودة، وفق تجربتها.
أما “تيلينور نت”، فهي شركة أحدث دخولًا إلى السوق المحلي، ولم تتوفر شهادات كافية لتقييم جودة الخدمة بشكل موسع.
لماذا لا تصل السرعة المعلنة فعليًا؟
بحسب الخبير التقني شاكر المصري، مؤسس شركة “إنجاز تك”، فإن المشكلة لا تتعلق بالمزود المحلي فقط، بل بسعة الخط الذي يحصل عليه من مزوده الرئيسي.
فإذا امتلكت شركة خطًا بسعة 100 ميغابت في الثانية ووزعته على عدد كبير من المشتركين، فإن السرعة الفعلية لكل مستخدم تنخفض كلما ازداد الضغط، في ما يعرف تقنيًا بـ “عنق الزجاجة”.
ويشبه المصري الأمر بخط مياه مخصص لعشرة منازل يستخدم من قبل مئة منزل، ما يؤدي إلى ضعف التدفق لدى الجميع، خصوصًا في ساعات الذروة.
ولا يرتبط الأداء بالسعة فقط، بل بطبيعة التقنية نفسها. فالإنترنت الهوائي يعتمد على بث الإشارة عبر الهواء، ما يجعله عرضة للتأثر بالعوامل الجوية والعوائق العمرانية، بخلاف الألياف الضوئية الأرضية الأكثر استقرارًا.
خدمة أساسية.. وتنظيم غائب
يواجه بعض المشتركين صعوبة في تقديم شكاوى رسمية، في ظل غياب منصة إلكترونية واضحة لتسجيل الشكاوى ومتابعتها. ويشير مختصون إلى أهمية وجود آلية تنظيمية تضمن التزام المزودين بالسعات المعلنة.
في ظل اعتماد التعليم والعمل والخدمات الرقمية على الاتصال بالشبكة، لم يعد الإنترنت خدمة ثانوية، بل عنصرًا أساسيًا في حياة السكان، إلا أن تحسين الجودة في داريا يظل مرتبطًا بإعادة تأهيل البنية التحتية وتنظيم السوق، بما يحد من الفجوة بين السعر المدفوع والخدمة الفعلية.
