يعمل مركز الدفاع المدني في مدينة داريا ضمن واقع خدمي معقد، بعد سنوات طويلة من الانقطاع، في ظل تحديات تتعلق بالبنية التحتية والجاهزية الفنية ومستوى الوعي المجتمعي بطبيعة عمله.
ومع عودة النشاط الرسمي بعد نحو 15 عامًا، وجد المركز نفسه أمام مهام واسعة تتجاوز الاستجابة التقليدية للحوادث الطارئة، في مدينة ما تزال تتعافى تدريجيًا من آثار الحرب وما خلّفته من دمار في البنية العمرانية والخدمية.
في مقابلة مع عنب بلدي، قال مدير مركز الدفاع المدني في داريا، خالد نجم، إن إعادة تفعيل العمل في المدينة واجهت منذ بدايتها صعوبات متعددة، نتيجة غياب البنية التحتية المساندة وعدم توفر منظومة دعم متكاملة تساعد الفرق في أداء مهامها.
وأضاف أن التحدي لم يكن تقنيًا فقط، بل شمل أيضًا مستوى المعرفة المجتمعية بطبيعة عمل الدفاع المدني وآلية الاستجابة للحوادث.
وأوضح نجم أن إعادة افتتاح مراكز الدفاع المدني في مناطق خرجت حديثًا من واقع الحرب لم يكن مجرد إجراء إداري، بل تطلب جهدًا ميدانيًا لإعادة بناء الثقة مع السكان وشرح طبيعة الدور الذي يؤديه الدفاع المدني في الاستجابة للحوادث والكوارث.
وبين أن الفرق وجدت نفسها منذ البداية أمام مهمة مزدوجة، تتمثل في تقديم الخدمات الطارئة من جهة، وتعريف المجتمع بدور المؤسسة وآليات التواصل معها من جهة أخرى.

مركز الدفاع المدني في مدينة داريا بريف دمشق – 2 آذار 2026 (عنب بلدي – سعيد خشفة)
تنوع في الاستجابة وضغط تشغيلي
ينقسم عمل المركز إلى قسمين رئيسيين، الأول هو قسم العمليات والطوارئ، الذي يتولى الاستجابة للحالات الطارئة وعمليات الإنقاذ وتقديم خدمات الإسعاف، فيما يختص القسم الثاني بالمشاركة المجتمعية والتعاون مع الدوائر الحكومية في بعض الأعمال الخدمية.
وبحسب نجم، فإن طبيعة البلاغات التي يتعامل معها المركز يوميًا متنوعة وتشمل الحرائق، وحوادث الإنقاذ، والاستجابات الإسعافية، إضافة إلى بلاغات تتعلق بمخاطر إنشائية أو أجسام مشبوهة قد تشكل خطرًا على السكان.
وأشار إلى أن الحرائق الناتجة عن التماس الكهربائي تشكل جزءًا من الاستجابات المتكررة، موضحًا أن المدينة تشهد ما بين خمسة إلى عشرة حرائق كهربائية شهريًا، إلى جانب حرائق أخرى تقع في منازل مدنيين أو أبنية مهجورة.
هذا التنوع في البلاغات، بحسب مدير المركز، يضع فرق الدفاع المدني أمام ضغط تشغيلي دائم، إذ يتطلب العمل جاهزية مستمرة وقدرة على التعامل مع أكثر من حالة في الوقت نفسه، خاصة في مدينة ما تزال بنيتها الخدمية غير مستقرة بشكل كامل.
تشبيك وتعاون محلي
إلى جانب الاستجابة للحوادث الطارئة، يعمل المركز على تعزيز التعاون مع الجهات الحكومية والفعاليات المدنية والمجتمع المحلي بهدف رفع مستوى الاستجابة وتحسين الجاهزية الميدانية.
ويشمل هذا التعاون المشاركة في بعض الأعمال الخدمية، مثل فتح الطرقات الرئيسية وترحيل الأنقاض التي تعيق حركة الأهالي، إضافة إلى المشاركة في حملات النظافة التي تنظمها الجهات المحلية.
وأوضح نجم أن مشاركة فرق الدفاع المدني في حملة النظافة التي سبقت شهر رمضان شكلت حضورًا ميدانيًا مهمًا في المدينة، وأسهمت في تعزيز ثقافة العمل التطوعي والمسؤولية المجتمعية، حتى وإن لم تكن حملة توعوية مباشرة بالمعنى التقليدي.
صيانة الآليات.. التحدي الأبرز
ورغم رفع مستوى الجاهزية التشغيلية، أشار مدير المركز إلى أن صيانة الآليات تمثل أحد أبرز التحديات التي تواجه العمل حاليًا.
وقال إن بعض الآليات كانت متهالكة خلال السنوات السابقة ولم تخضع لصيانة دورية كافية، وهو ما ينعكس أحيانًا على القدرة التشغيلية للفرق أثناء الاستجابة للحوادث.
وأوضح أن المركز يعمل حاليًا بالإمكانات المتاحة، مع الحرص على الحفاظ على أعلى مستوى ممكن من الجاهزية، إلا أن الحاجة تبقى قائمة إلى دعم فني وصيانة منتظمة للآليات، في ظل تعدد المهام واتساع نطاق العمل داخل المدينة.
وأضاف أن حجم الاحتياجات في داريا يجعل المطلوب من فرق الدفاع المدني غالبًا أكبر من الإمكانات المتوفرة، الأمر الذي يحول الحفاظ على الجاهزية إلى تحدٍ يومي مستمر.
تعزيز الوعي كخط دفاع أول
فيما يتعلق بالتوعية، أشار نجم إلى وجود جهة مختصة بهذا المجال ضمن وزارة الطوارئ وإدارة الكوارث، تعمل على نشر الرسائل الإرشادية المرتبطة بالسلامة العامة.
ودعا الأهالي إلى متابعة الصفحات الرسمية للدفاع المدني والوزارة والالتزام بإرشادات السلامة، مؤكدًا أن الوقاية والوعي المجتمعي يشكلان عنصرين أساسيين في الحد من المخاطر قبل وقوعها.
ويرى المركز أن جزءًا من التحدي لا يرتبط فقط بالإمكانات المتوفرة، بل أيضًا بثقافة التعامل مع المخاطر، مشددًا على أن الإبلاغ المبكر والتعامل الجدي مع أي خطر محتمل يسهمان في تقليل الخسائر وحماية الأرواح.
ويعد الدفاع المدني في مدينة لا تزال تعيد تنظيم بنيتها الخدمية بعد سنوات الحرب، أحد أعمدة الاستجابة الطارئة، يعمل بين ضغط البلاغات وتحديات الإمكانات، في محاولة للحفاظ على جاهزية مستمرة ضمن واقع خدمي لم يكتمل تعافيه بعد.
