يمد عبد الله معضماني ساقيه فوق بساط مفروش على الأرض، ويثبت بقدميه قطعة خشبية يلتف حولها خيط أبيض. يجلس على مقعد منخفض، وأمامه مقشة قش يمرر الخيط عبرها ويشده، وحوله حزم تنتظر الخياطة وأخرى اتخذت شكلها النهائي.
يجمع السيقان بيديه ويضغطها، ثم يثبت جسم المقشة بين قطعتين خشبيتين. وبالقرب منه شفرة يستخدمها في التشذيب، وقصاصات قش متناثرة على البساط، فيما تتكئ حزم أخرى على الجدار قرب باب مفتوح.
قبل نحو 12 عامًا، لم يكن عبد الله يعرف هذه الصنعة. تعلمها من جار خلال النزوح، ثم واصل العمل بها بعد عودته إلى داريا، بعدما أبعدته مشكلات صحية عن مهنته السابقة في الدهان.
واليوم، يصنع المقشات لقاء أجرة، مستخدمًا القش الذي يجلبه أصحابه إليه، وكل ما يتجمع حول مقعده من المقشات ليس ملكًا له ليبيعه.
تعلمها خلال النزوح
تنقل عمل عبد الله بين دهان الأثاث والموبيليا، والدهان الحراري، ودهان السيارات والمنازل والأبواب. ويقول لعنب بلدي إن المواد والروائح القوية التي كان يتعامل معها أثرت في صدره ورأسه، حتى أصبحت العودة إلى تلك الأعمال صعبة عليه.
وخلال النزوح، عرض عليه جار يصنع مقشات القش أن يتعلم منه ويعمل في الحرفة. تردد في البداية، فلا خبرة لديه بصناعتها، ولا يعرف كيف يجمع السيقان ويخيطها لتصبح مقشة متماسكة.
شجعه الجار ووعده بتعليمه. بدأ بمراقبة عمله، ثم جرب بنفسه، واكتسب مهارته بالتدريب والممارسة، ومع الوقت، صارت الحرفة مصدرًا للإنفاق على أسرته، واستمر فيها بعد العودة.
ويقول إنه يشعر بالسعادة لإتقانه مهنة لم يكن يعرفها، وبصناعة منتج تقليدي ما زال يجد من يستخدمه. لكن تعلم الخطوات الأولى لم يكن كافيًا لحل كل ما واجهه أثناء التصنيع.

تفاصيل داخل المقشة
كانت المقشة تنثني أو تلتوي كلما زاد عبد الله سماكتها. يخيطها بنحو ثلاثة خطوط، ويضيف إليها القش، لكنها لا تحافظ على التماسك الذي يريده، ولم يكن يعرف ما الذي ينقصها.
بعد عودته إلى داريا، قصد حرفيًا يعمل في المهنة نفسها، راغبًا في العمل لديه وتعلم مهارات إضافية. طلب منه الرجل أن يصنع مقشة أمامه ليرى طريقته.
أنجزها عبد الله، لكن طريقة صنعها لم تنل رضا الحرفي. وبحسب روايته، أقر الرجل بأنها سميكة ونظيفة، لكنه أخبره أن تصنيعها بهذا الشكل قد يسبب خسارة، بسبب ما يستهلكه من مواد وجهد.
ثم صنع الحرفي مقشة أمامه. هذه المرة، انتبه عبد الله إلى ما يضعه الرجل داخلها، إذ كان يقص أجزاء مناسبة من أطراف القش وجوانبه، ويحشو بها المقشة قبل خياطتها.
يقول إن هذا التدعيم الداخلي كان غائبًا عن عمله، وإنه فهم من خلاله كيف يجعل المقشة أكثر تماسكًا ويتجنب انثناءها عند زيادة سماكتها.
عاد إلى منزله وطبق ما شاهده. وتحسنت النتيجة، حتى رأى أن المقشة التي أنجزها أصبحت أفضل من النموذج الذي صنعه الحرفي أمامه.
وأخذ عنه تفاصيل أخرى تتعلق بحركة اليد وطريقة الخياطة وقص القش وتجهيزه، وأضافها إلى ما تعلمه من جاره وما اكتسبه بالتجربة اليومية.
في مكان عمله الحالي، تتوزع هذه المراحل حول مقعده الخشبي: حزم ضيقة مربوطة من طرفها، ومقشات عريضة تمر عبرها خيوط بيضاء متوازية، وقش طويل لم يُشذب بعد، وبجواره وعاء معدني فيه ماء تستند إليه حزمة قش، وأدوات صغيرة قرب متناول يده.
يمسك الحزمة رأسيًا ويضغطها، ثم يعيد وضعها عرضيًا فوق ساقيه، وعند الخياطة، تحصر قطعتا الخشب جسم المقشة بينما يشد الخيط بيده، قبل تشذيب القش وضبط شكله.
ويربط عبد الله جودة المقشة بصلابتها وقدرتها على تحمل الاستخدام. ويقول إنه يحرص على أن تكون ثقيلة وقوية، ويقدر أنها قد تستمر في الخدمة سنة أو سنتين.
ويقارنها ببعض المقشات المعروضة في الأسواق، التي يراها أخف وأقل تحملًا.
ورغم انتشار البلاستيك، يقول إن بعض المتعاملين معه يفضلون القش، بحثًا عن المتانة وارتباطًا بمنتج اعتادوا استخدامه.
حرفة بين دمشق وإدلب وسهل الغاب
عُرف صانع مقشات القش في دمشق باسم «المقشاتي»، وكانت حزم القش تباع في سوق متخصصة بمحلة القشري في حي الميدان، لتتحول في أيدي الحرفيين إلى مقشات تعرض في الدكاكين أو يحملها باعة جوالون على الدواب.
ومن أدوات الصنعة «المقعدة»، التي يجلس عليها الحرفي ويستعين بقدميه لشد الحزمة أثناء ربطها، بعد ترطيب القش بالماء لتسهيل العمل به.
وترتبط الحرفة بزراعة «ذرة المكانس»، التي تستخدم عيدانها في التصنيع وبذورها علفًا للحيوانات. وتنتشر زراعتها في سهل الغاب بمحافظة حماة، حيث تواصل أسر صناعة المكانس وبيعها في الأسواق المحلية، ومنها حرفيون توارثوا المهنة عن آبائهم وأجدادهم.
ووصل قش الغاب إلى ورش في إدلب، بعدما واجه حرفيون صعوبات في نقله من دمشق.
وخلال سنوات الثورة، تأثر عمل بعض هذه الورش بصعوبات التوريد وتراجع التصدير، إلى جانب منافسة المكانس البلاستيكية، بعدما كانت منتجاتها تجد أسواقًا في العراق ولبنان ودول خليجية.
أما عبد الله، فلم يتعلم الصنعة داخل أسرته، بل أخذها عن جاره خلال النزوح، وبنى خبرته بالممارسة والتعلم من حرفي آخر.
وتختلف طريقة عمله عن الورش التي تشتري القش وتسوق إنتاجها، إذ يتولى تصنيع المادة التي يأتي بها أصحابها إليه.
إنتاج أقل وعلاقات مستمرة
كان عبد الله معضماني ينجز نحو 40 مقشة يوميًا خلال النزوح، أما الآن فيصنع نحو 15. ويرجع تراجع إنتاجه أساسًا إلى التعب، إلى جانب انخفاض كميات القش التي يجلبها الفلاحون.
ومع انخفاض الإنتاج، تبقى عليه مصاريف ومسؤوليات أسرية تدفعه إلى مواصلة العمل، بالقدر الذي تسمح به صحته.
اكتسب زبائنه من معرفة الناس بصنعته، ويروي أنهم كانوا يتصلون به للسؤال عن مكان سكنه أو عمله، ثم يأتون بالسيارات ويحضرون القش، سواء كان يعمل في محل أو في المنزل.
ومن يقصدونه حاليًا هم من أهالي داريا، وتعود معرفته بهم إلى فترة النزوح. استمرت العلاقة بعد العودة، وباتوا يعرفون من يقصدون عندما يريدون تحويل ما لديهم من قش إلى مقشات.
لكن هناك طلبات لا يستطيع تلبيتها، فأشخاص يرون المقشات الجاهزة ويرغبون في شرائها، بينما تبقى ملكًا لمن أحضروا القش.
حول مقعده، تستند المقشات المكتملة بعضها إلى بعض، فيما يعمل على واحدة أخرى. وعندما يأتي أصحابها، يأخذون ما أحضروه قشًا وقد صار مقشات جاهزة، ويترك له كل منهم أجرة صنعها.








