كانت آية دقو (26 عامًا) تنتظر يوم الخميس لتذهب مع عائلتها من المزة إلى بيت جدها في داريا، حيث تلتقي أبناء خالاتها وبناتهن، وتقضي معهم الوقت في اللعب والسهر، قبل أن تنام في منزل الجد وتعود في اليوم التالي.
تتذكر آية تلك الزيارات بما رافقها من رحلات إلى بساتين داريا، وألعاب جماعية في أرض الديار، واجتماع الخالات وأطفالهن في منزل واحد.
وتستعيد مرح (41 عامًا) وسمر (50 عامًا) جمعات عائلية مشابهة، كانت تجمع الأخوات والإخوة حول الطعام والعمل المنزلي، وتتيح لهن الحديث عن شؤون حياتهن وتبادل النصائح.
لكن هذه اللقاءات تغيرت خلال سنوات الحرب وما تلاها، فقد توقفت زيارات آية بعد اعتقال خالها ووفاة جدها، بينما تفرقت أخوات مرح بين بلدان مختلفة، وأصبح تواصل سمر مع أخواتها يجري غالبًا عبر الهاتف وتطبيق «واتساب».
رحلات الجد إلى «الاعوج»
من ذكرياتها في داريا، تستعيد آية الرحلات التي كان يصطحب فيها جدها أحفاده على «الطرطيرة» (وهي عربة بثلاثة دواليب محلية الصنع)، إلى منطقة «الاعوج» الواقعة بين كروم المدينة وبساتينها.
وتقول لعنب بلدي إن جدها كان يجهز مستلزمات المشاوي، ثم يصطحب الأطفال إلى البستان لقضاء اليوم.
وفي الطريق، كانوا يمرون بـ “ميتور مي”، يقع على جانب الطريق، ويشرب منه المارة قبل متابعة سيرهم.
وكانت آية تستمتع بالجلوس على «الطرطيرة» خلال الرحلة، حتى إنها كانت تغفو في طريق العودة رغم ضجيج محركها.
أما في بيت الجد، فكانت أرض الدار مكانًا لألعاب الأطفال، ومنها لعبة المدرسة التي تتولى فيها ابنة خالتها الكبرى دور المعلمة.
وتوضح آية أنها كانت توفر جزءًا من مصروفها المدرسي لشراء الطباشير الملونة، بينما تستخدم ابنة خالتها الجدران للكتابة والشرح.
وكان الأطفال ينتقلون أحيانًا إلى الدرج لمواصلة اللعب بعيدًا عن نظر الجدة، حتى لا تراهم يكتبون على الجدران.
ولم تكن الزيارات مقتصرة على الأطفال، إذ اعتادت خالات آية الاجتماع في منزل والدهن يوم الخميس والبقاء حتى اليوم التالي.
وتتذكر آية أنها كانت تحاول مقاومة النوم خلال السهرات حتى لا يفوتها الوقت الذي تقضيه العائلة معًا، لكنها كانت تنام في النهاية رغم محاولاتها البقاء مستيقظة.
وتوقفت هذه الجمعات بعد بدء الحرب في سوريا، ثم اعتُقل خالها وتوفي جدها، فتغيرت ظروف العائلة ولم تعد الزيارات الأسبوعية كما كانت.
الفلافل والفطائر على الصاج
تبدأ ذكريات مرح عن الجمعات العائلية من بيت أهلها، حيث كانت تلتقي أخواتها وإخوتها، ويجتمعون لإعداد الفطور والطعام وقضاء اليوم معًا.
وتقول لعنب بلدي إن أخاها كان يحضر مع زوجته الفطور، الذي يتكون غالبًا من الفلافل والحمص والفول، ثم تشارك العائلة في إعداد الفلافل داخل المنزل.
وتتذكر مرح أن أخاها كان يأخذ حبات الفلافل من الصحن قبل اكتمال إعداد الفطور، بينما كان طبق المسبحة المغطى باللحم من الأطعمة المفضلة لدى العائلة.
وبعد الفطور، تبدأ الأخوات إعداد الفطائر والخبز على الصاج، وتتوزع المهام بينهن؛ فتتولى إحداهن تقطيع العجين، وأخرى فرده، فيما تضع الثالثة الحشوة.
وكانت والدتهن تشاركهن الجلسة وتحاول تعليمهن طريقة تقليب الخبز على الصاج، لكن معظمهن لم يتقنّها، باستثناء إحدى الأخوات.
وتستمر الزيارة حتى المساء، حيث تجتمع الأخوات مع إخوتهن للحديث وتبادل النصائح، وأحيانًا إعداد وجبة عشاء متأخرة.
وتصف مرح تلك اللقاءات بأنها كانت تمنحها راحة نفسية، إذ كانت تستطيع الحديث مع أخواتها عن تفاصيل حياتها، وتشعر بغياب أي واحدة منهن عندما لا تتمكن من الحضور.
أما اليوم، فتعيش أخوات مرح في بلدان مختلفة، وأصبح التواصل بينهن يعتمد على المكالمات والرسائل.
ورغم استمرار الاتصال، ترى مرح أن الحديث عبر الهاتف لا يعوض اللقاء المباشر، ولا يتيح لهن مشاركة التفاصيل اليومية التي كانت تجمعهن في بيت الأهل.
حديث أخوات وتبادل النصائح
بالنسبة إلى سمر (50 عامًا)، كانت الجمعات العائلية فرصة للجلوس مع أخواتها والحديث عن المشكلات التي تواجه كل واحدة منهن.
وتقول لعنب بلدي إن الأخوات لم يكن يخبرن والدتهن بكل ما يحدث معهن، خشية التعرض للتوبيخ عند ارتكاب خطأ، ولذلك كن يلجأن إلى بعضهن لطلب النصيحة.
وكانت كل واحدة تستمع إلى الأخرى وتحاول مساعدتها على معالجة المشكلة، دون لومها أو الحكم عليها.
وتوضح سمر أن هذه الجلسات كانت تمنحها حرية الحديث عن أمور يصعب مناقشتها مع أشخاص آخرين، لأن أخواتها يعرفن ظروفها وتفاصيل حياتها.
ومع مرور السنوات، توقفت اللقاءات المنتظمة، وأصبح التواصل يجري غالبًا عبر الهاتف و«واتساب»، نتيجة المسافات وانشغال كل واحدة بمسؤولياتها.
وترى سمر أن حاجة الإنسان إلى الاجتماع بأهله والحديث معهم لا تنتهي مع التقدم في العمر، وأن العلاقة بين الإخوة والأخوات تختلف عن العلاقات مع الجيران والأصدقاء.
وتفتقد بصورة خاصة الجلسات التي كانت تستطيع خلالها الحديث عن أخطائها ومشكلاتها، دون الخوف من أن تتغير نظرة أخواتها إليها.
لقاءات لم تعد منتظمة
اختلفت تفاصيل الجمعات التي تتذكرها النساء الثلاث، من رحلات آية مع جدها إلى بساتين «الاعوج»، إلى إعداد مرح وأخواتها الفلافل والفطائر على الصاج، وجلسات سمر مع أخواتها للحديث عن شؤون حياتهن.
وتغيرت ظروف هذه اللقاءات خلال السنوات الماضية، فتوقفت جمعات آية بعد الحرب واعتقال خالها ووفاة جدها، وتفرقت أخوات مرح بين بلدان مختلفة، بينما أصبحت لقاءات سمر مع أخواتها أقل انتظامًا.
ولا تزال النساء الثلاث على تواصل مع أفراد عائلاتهن بدرجات متفاوتة، لكنهن يفتقدن الاجتماعات التي كانت تجمعهم في منزل واحد.
وتقول سمر إن وجود الأهل حول الإنسان يمنحه شعورًا بالراحة والفرح، وهو ما تفتقده في المكالمات الهاتفية التي أصبحت وسيلة التواصل الأساسية مع أخواتها.
