لم تكن منال (45 عامًا) تتخيل أن طريقها اليومي إلى أحد النوادي النسائية في مدينة داريا سيغدو، مع الوقت، بديلًا عن غرفة عمليات.
قبل سنوات، أنهكتها آلام الديسك في الظهر، فتنقلت بين جلسات علاج فيزيائي طويلة، وتناولت مسكنات قوية، إلى أن وصلت إلى مرحلة لم تعد قادرة فيها على الجلوس أو الوقوف دون مساعدة، وعندما راجعت طبيبًا مختصًا، جاءها الجواب حاسمًا: الجراحة هي الخيار الوحيد.
اختارت منال طريقًا آخر. رفضت الجراحة، وبدأت ممارسة الرياضة إلى جانب أدوية لم تُحدث في البداية تحسنًا، بل على العكس، ساءت حالتها الصحية في الأسابيع الأولى وانتقل الألم إلى ركبتها، ومع ذلك، واصلت التدريب.
لم يكن القرار سهلًا، لكنه كان ثابتًا، وبعد نحو ثلاثة أشهر، بدأت تلمس فرقًا حقيقيًا.
اليوم، وبعد ما يقارب عشر سنوات متقطعة من الالتزام بالرياضة، تقدر منال تحسن وضعها الصحي بنحو 70%. تقتطع وقتها بصعوبة من التزاماتها اليومية، لكنها تعود أكثر قدرة على إنجاز أعمالها بنشاط، وتقول لعنب بلدي إن يومها يبدو ناقصًا حين لا تتمكن من الذهاب إلى النادي.
لا تبدو قصة منال استثناءً، فهي واحدة من عشر تجارب رصدتها عنب بلدي خلال استطلاع ميداني أجرته في داريا، تناول واقع النوادي النسائية وانتشارها خلال الفترة الأخيرة.
في مدينة عرفت طويلًا ببيئتها الاجتماعية المحافظة، شكل تحفظ عدد من الأهالي على مشاركة الفتيات في الأنشطة الرياضية عاملًا حاضرًا لسنوات. إلا أن المشهد بدأ يتبدل تدريجيًا، فالمعطيات الميدانية تشير إلى تغير نسبي في هذه النظرة، مع تزايد الإقبال على النوادي النسائية، سواء بدافع العلاج أو تحسين اللياقة أو حتى البحث عن مساحة نفسية آمنة.
تغير في الأرقام.. وتحول في النظرة إلى الذات
بالنسبة لراما (24 عامًا)، لم تكن الرياضة خيارًا محببًا في البداية، ولم تتصور يومًا أنها ستختار تعب النادي وعذابه ليصبح، كما تصفه، “سكرًا” لحياتها، إلا أن التجربة سرعان ما تحولت إلى نقطة مفصلية.
خلال عام ونصف، فقدت راما ما بين 20 و25 كيلوغرامًا من وزنها، بعد أن كان يتجاوز 100 كيلوغرام.
لم يكن التغيير جسديًا فقط، بل انعكس على نمط حياتها وثقتها بنفسها.
التحول ذاته تلمسه هنادي (24 عامًا)، التي تصف التغيير في جسدها بأنه أعاد لها شعورًا افتقدته طويلًا.
دعم عائلتها كان عنصرًا أساسيًا في الاستمرار، من إيصالها اليومي إلى النادي، إلى تشجيعها على الالتزام.
وبالتمارين المنتظمة ونظام غذائي متفق عليه مع المدربة، انخفض وزن هنادي من 113 إلى 89 كيلوغرامًا.
اليوم، تشعر الشابة بأن مظهرها بات أقرب إلى عمرها الحقيقي، بعد سنوات ربطت فيها السمنة بصورة أكبر من سنها.
أما لين (17 عامًا)، فكانت تبحث عن الرضا قبل أي رقم على الميزان، فخفضت وزنها من 105 إلى 80 كيلوغرامًا، لكن الأهم بالنسبة لها كان الإحساس بالأمان داخل النادي.
“أنا هون بحس بالأمان”، تقول لين لعنب بلدي، مشيرة إلى أن التجربة شجعتها على دعوة أفراد من عائلتها لخوضها معها.
خصوصية عالية
هذا الإقبال يتجسد بوضوح في ناد يقع على بعد أمتار من جامع أنس في داريا. مساحة مقبولة، وآلات بحالة جيدة، وإدارة تقودها مدربة تمتلك خبرة تمتد لـ34 عامًا، مدعومة بشهادات تدريبية وتقدير من الاتحاد الرياضي.
في هذا المكان، لا تأتي النساء بحثًا عن الرشاقة فقط. الغالبية يحملن أهدافًا علاجية، ما يفرض نمط تدريب دقيق يركز على كل عضلة بحسب حاجة الجسد، من الأربطة إلى العضلات العميقة في الحوض والظهر.
ورغم غياب إحصاءات واضحة، تشير المدربة إلى وجود مجموعة ثابتة من المتدربات الملتزمات، يتراوح عددهن بين 30 و40 امرأة، جميعهن من النساء، دون أي اختلاط في فترات التدريب.
وبحسب ما قالته المدربة لعنب بلدي، يراعي النادي أوضاع بعض الأرامل والأيتام، فيعفي حالات محددة من الاشتراكات. كما يستقبل النادي متدربات من مناطق مجاورة لداريا، بعضهن منذ أكثر من 15 عامًا.
الطابع المحافظ للمكان، من اللباس إلى نوع الموسيقى، لم يكن عائقًا، بل عنصر جذب، خاصة للنساء الأكبر سنًا. أما عن التطوير، فلا خطط راهنة، باستثناء برامج خاصة تُحضّر لشهر رمضان، تختم المدربة.
شغف التدريب يصطدم بواقع البنية التحتية
في شارع الثانوية الشرعية، يقدم ناد آخر صورة أخرى للمشهد. مساحة واسعة، آلات مرتبة، ومدربة شابة دخلت المجال بدافع الشغف وحب الرياضة.
هنا أيضًا، تختلف نظرة النساء للرياضة، فبين من ترى فيها استثمارًا صحيًا، ومن تعتبرها ترفًا، تتفاوت نسب الالتزام.
تقديرات المدربة تشير إلى أن عدد المنتسبات يتراوح بين 18 و23 امرأة، دون وجود سجلات تنظيمية دقيقة، أما واقع البنية التحتية، فتصفه لعنب بلدي بأنه أقرب إلى النوادي الشعبية، مع طموح دائم للتطوير.
أرقام غير مكتملة وتجارب متقاطعة
في ناد ثالث، قريب من ساحة العلم، تفرض الخصوصية نفسها بحكم الموقع تحت الأرض.
المدربة هناك تفضل عدم الخوض في الأرقام، مكتفية بالإشارة إلى تغيرها المستمر. ومع ذلك، ترجح المعلومات التي جمعتها عنب بلدي أن عدد المنتسبات يتراوح بين 20 و25 امرأة.
التدريب يبنى هنا على الفروق الفردية، خصوصًا مع وجود حالات تلتحق لأسباب علاجية، تشرح المدربة لعنب بلدي، موضحة أن الفصل الزمني بين النساء والشباب واضح.
وسط هذه التفاصيل، تظهر قصص فردية أخرى. رغد، التي جاءت بدافع التسلية، وجدت نفسها مستمرة منذ ثمانية أشهر. وعائشة (49 عامًا)، وجدت في النادي متنفسًا من ضغوط المنزل، ورسالة واضحة: الرياضة لا عمر لها.
رأي طبي.. بين الفائدة والتحذير
من زاوية طبية، يربط الطبيب والمعالج الفيزيائي محمد شاهين بين طبيعة الأعمال اليومية وسوء استخدام العمود الفقري، معتبرًا أن الرياضة باتت ضرورة، لا خيارًا، غير أن الفارق، برأيه، يكمن في الأسلوب والإشراف.
يحذر شاهين، في حديثه إلى عنب بلدي، من ممارسة الرياضة العامة بغرض العلاج دون تقييم طبي، مشيرًا إلى “فقر شديد في الخبرات” لدى بعض المدربين، وما قد يترتب على ذلك من أخطاء خطرة.
ويوصي الطبيب باللجوء إلى المعالج الفيزيائي عند الحاجة، ويضع السباحة في مقدمة الخيارات الآمنة.
نفسيًا، لا يقل الأثر أهمية. فالرياضة، كما يوضح، تعزز الحيوية وتخفف التوتر وتحسن وظائف القلب والتنفس، شرط أن تمارس ضمن بيئة آمنة وتحت إشراف واعٍ.
تعكس تجربة النوادي النسائية في داريا تحولًا اجتماعيًا وصحيًا يتشكل تدريجيًا، مع تزايد حضور الرياضة في حياة النساء، لا بوصفها نشاطًا ترفيهيًا، بل كحاجة علاجية ونفسية في آن واحد، ضمن بيئة تراعي الخصوصية والواقع الاجتماعي للمدينة.
وبين قصص نساء وجدن في هذه النوادي وسيلة لتحسين صحتهن الجسدية والنفسية، ومدربات يعملن ضمن إمكانات محدودة وبنية تحتية ما زالت بحاجة إلى تطوير، تبرز أهمية تعزيز الإشراف الطبي وتوفير دعم مستدام لضمان أمان هذه التجربة واستمرارها.
بالنسبة لمنال، التي رفضت الجراحة قبل سنوات، بات الذهاب إلى النادي جزءًا ثابتًا من يومها. تحسن وضعها الصحي، كما تقول، وأصبحت ممارسة الرياضة خيارها الدائم، في مدينة ما زالت تحاول استعادة إيقاع حياتها خطوة بعد أخرى.
