أنعشت الأمطار الأخيرة في داريا آمال المزارعين بتحسن الموسم الزراعي بعد أشهر من الجفاف وضعف الهطولات، وسط حديث عن أثر إيجابي بدأ يظهر في الأرض والأنهار وبعض الآبار، في حين يقول مزارعون إن المطر جاء متأخرًا، وإن جزءًا من الخسائر التي لحقت بالأشجار والإنتاج خلال الموسم الحالي لم يعد ممكنًا تعويضه بالكامل.
ويأتي هذا التحسن النسبي بعد موسم صعب كان المزارعون في داريا قد اشتكوا خلاله من تراجع مياه الري وارتفاع تكاليف الإنتاج، في وقت ما تزال فيه الزراعة، التي ارتبطت تاريخيًا باسم المدينة وكانت لسنوات مصدر رزق لكثير من أهلها وسلة غذاء لدمشق ومحيطها، تواجه تحديات متزايدة تتعلق بالمياه والكلفة واستمرار العمل في الأرض.
وبحسب شهادات جمعتها عنب بلدي من مزارعين في داريا، جاءت الهطولات الأخيرة بعد فترة اتسمت بضعف الأمطار في بداية الشتاء، ما انعكس على الأشجار والمحاصيل والآبار، وفرض على عدد من الفلاحين إنفاق مبالغ كبيرة من دون مردود يذكر.
وقال أحد المزارعين إنه أنفق العام الماضي نحو 900 مليون ليرة سورية على مستلزمات الزراعة، لكنه لم يحصل إلا على إنتاج محدود جدًا، مرجعًا السبب إلى غياب الأمطار وضعف الري وتراجع منسوب المياه.
وأضاف أن بعض أشجار المشمش لديه يبست بسبب قلة المياه، وأن الخسائر كانت كبيرة قياسًا بما دفعه خلال الموسم.
ولا تبدو هذه الشهادة منفصلة عن الصورة الأوسع التي رصدتها عنب بلدي سابقًا في داريا، حين تحدث مزارعون عن أن معظم أعباء الزراعة باتت تقع على عاتقهم مباشرة، من تأمين البذار والأسمدة ووسائل الري، في ظل غياب الدعم وارتفاع مستمر في تكاليف الإنتاج.
مطر متأخر.. لكنه خفف الضغط
رغم هذه الخسائر، يرى مزارعون أن الأمطار الأخيرة شكلت انفراجًا مهمًا، حتى وإن جاءت في نهاية الموسم الشتوي لا في بدايته.
وعبر أحدهم بقوله: “الله طمرنا بفضله”، معتبرًا أن الهطولات الأخيرة أسهمت في تحسن وضع الأراضي، وقد تساعد على مرور الزراعات البعلية بصورة أفضل، لكنه أشار في الوقت نفسه إلى أن الآبار لم تتحسن بعد بالشكل الكافي، مرجحًا أن يظهر أثر المطر عليها لاحقًا.
وأضاف أن الفائدة كانت ستكون أكبر لو جاء الشتاء باكرًا، لأن تحسن الآبار والمخزون المائي كان سيكون أفضل، فيما قال مزارع آخر إن الإنتاج قد يتحسن مع استمرار الهطولات، لكن تأخر المطر إلى آخر الموسم حد من أثره المباشر على بعض الزراعات.
كما أشار بعض المزارعين إلى أن “النهر الأعوج” وصل متأخرًا أيضًا، ما قلل من الفائدة المرجوة في توقيت يحتاج فيه الفلاح إلى المياه في مرحلة أبكر من الموسم.
وكان مزارعون في داريا قد قالوا سابقًا لعنب بلدي إن كثيرًا من الأراضي الزراعية في المدينة تعتمد على نهر الأعوج بوصفه مصدرًا رئيسيًا للري، إلا أن كميات المياه المتدفقة فيه تراجعت خلال الفترة الأخيرة، ما جعل مسألة الري أكثر تعقيدًا بالنسبة إلى المزارعين.
الأرض استفادت.. والآبار تحتاج وقتًا
في المقابل، قال مزارعون إن أثر الأمطار بدا أوضح على الأرض من الآبار حتى الآن.
وأوضح أحدهم أن أكبر نعمة جاءت هذا الموسم كانت الأمطار، لأنها حسنت وضع الأرض والآبار وكل ما يرتبط بها، مضيفًا أن التحسن بدأ يظهر وإن لم يصل بعد إلى الدرجة المطلوبة.
وقال آخر إن الموسم أصبح “ممتازًا” الآن مقارنة ببدايته، مشيرًا إلى أن الشتاء مر عليه شهران تقريبًا من دون أمطار حقيقية، قبل أن تأتي الهطولات الأخيرة وتحمل معها فرصة للتعويض.
وأضاف أن الفائدة الأساسية للموسم الزراعي تكون عادة في شهري كانون الأول وكانون الثاني، ولهذا فإن تأخر الأمطار أضعف أثرها في البداية، لكنه رأى أن الهطولات الحالية قد تساعد في تعويض جزء من النقص.
ويأتي هذا الكلام في وقت كانت فيه عنب بلدي وثقت شكاوى مزارعين من أن العمل في الأرض لم يعد يضمن بالضرورة عائدًا يغطي التكاليف، إذ قد تصل تكلفة زراعة الدونم الواحد، في بعض المحاصيل، إلى ملايين الليرات، بينما يباع الإنتاج أحيانًا بأسعار لا تعكس حجم الإنفاق المبذول عليه.
الهطولات بالأرقام
وتنسجم إفادات المزارعين في داريا مع مؤشرات مطرية رسمية أظهرت تحسنًا واضحًا في الهطولات هذا الموسم.
فبحسب نشرة صادرة عن مديرية الزراعة في دمشق وريفها صباح الأحد 22 آذار 2026، سجلت داريا 10.8 مليمترات في الهطول الأخير، ليرتفع مجموع أمطار الموسم إلى 231.2 مليمترًا، مقارنة بـ 51.5 مليمترًا فقط في الفترة المقابلة من الموسم السابق، وهو رقم يتجاوز أيضًا المعدل السنوي البالغ 203.6 مليمترات.
وفي هذا السياق، تبدو الهطولات الأخيرة في داريا جزءًا من تحسن مطري ملموس انعكس على الأرض والزراعة، حتى وإن جاء متأخرًا عن التوقيت الذي كان المزارعون يعولون عليه في بداية الموسم.

رئيس جمعية الفلاحين: الموسم جيد رغم بعض الأضرار
من جهته، قال محمود أبو بكر، رئيس جمعية الفلاحين في داريا، لعنب بلدي، إن الأمطار الأخيرة كانت جيدة جدًا، وأسهمت في تخفيف العبء عن المزارعين، ولا سيما من جهة الري.
وأضاف أن الأنهار امتلأت بالمياه، وأن الموسم يبدو جيدًا حتى الآن، مشيرًا إلى أن مختلف جوانب العمل الزراعي استفادت من هذه الهطولات.
لكنه أوضح أيضًا أن الموسم ما يزال يحتاج إلى مزيد من التحسن، لافتًا إلى أن موجة البرد الأخيرة أثرت على بعض المناطق الزراعية، ولا سيما على الأزهار، وهو ما قد ينعكس على جزء من إنتاج بعض الأشجار المثمرة.
مشكلات أقدم من الجفاف
ولم يحصر أبو بكر الصعوبات في قلة الأمطار فقط، بل أشار إلى مشكلات بنيوية أقدم ما تزال تثقل كاهل الزراعة في داريا، من بينها السواتر الترابية التي خلفها النظام السابق، وردم أجزاء واسعة من الأنهار والمجاري المائية.
وقال إن إزالة هذه السواتر مكلفة جدًا اليوم، وإن ثلاثة أرباع الأنهار في المنطقة باتت مردومة أو مغلقة بفعل الردم والتسكير، ما يجعل الاستفادة الكاملة من المياه أكثر صعوبة، حتى في المواسم التي تشهد هطولات جيدة.
وأضاف أن تجاوز هذه العقبات يحتاج إلى دعم من الدولة وأهل الخير، لأن معالجة الأضرار القديمة تتطلب أعمالًا واسعة لا يستطيع المزارعون وحدهم تحملها.
وتتقاطع هذه المشكلات مع ما تحدث عنه مزارعون في داريا سابقًا بشأن تراجع المياه وتغير واقع الأنهر التي كانت، في سنوات سابقة، أكثر وفرة واستخدامًا في الري، قبل أن تتأثر بتوسع البناء وتراجع الجريان وتبدل واقع المجاري المائية في المنطقة.
ورغم الارتياح الذي أبداه المزارعون للهطولات الأخيرة، فإن تقدير أثرها النهائي ما يزال مرتبطًا بما ستكشفه الأسابيع المقبلة في الأرض والآبار والأشجار. فالمطر، كما يراه الفلاحون، جاء مهمًا وضروريًا، لكنه وصل بعد مرحلة كانت قد تركت فيها قلة المياه أثرها بالفعل على جزء من الموسم.

