ناقشت ورشة عقدت في المركز الثقافي بداريا، الخميس 14 من أيار، دور السكان في تحديد أولويات التعافي الحضري وإعادة هيكلة المدينة، من خلال تدريب مشاركين من داريا ومحيطها على التصميم التشاركي، وصولًا إلى تنفيذ تدخلات في بعض الفراغات العامة.
وتطرح الورشة سؤالًا أساسيًا حول موقع المجتمع المحلي في رسم أولويات المدينة بعد سنوات الحرب، بين من يرى في المشاركة خطوة ضرورية لإنتاج حلول أقرب إلى حاجات السكان، ومن يخشى أن تبقى الأفكار ضمن إطار النقاشات ما لم ترتبط بتنفيذ واضح وإمكانات كافية.
المجتمع يحدد الأولويات
خبير الإدارة المحلية، مظهر شربجي، قال لعنب بلدي إنه دعي إلى الورشة بصفته مخططًا عمرانيًا، وإن ما لفت انتباهه هو طبيعة الجلسة الحوارية بين المجتمع المحلي وفريق يجري تدريبه للمساهمة في مشاريع مرتبطة بالتعافي الحضري.
وأوضح شربجي أنه قدم في اليوم السابق جلسة عن السردية التاريخية لداريا وأهمية البيانات، بهدف منح المشاركين قاعدة معرفية تساعدهم قبل الدخول في مراحل التخطيط والعمل الميداني.
وأضاف أن الحضور، رغم أنه لم يكن واسعًا، يشكل “نواة أولى” يمكن أن تشجع مزيدًا من الأهالي على المشاركة وطرح آرائهم حول أولويات المدينة.
وشدد شربجي على أن المنظمات لا تملك “يدًا سحرية”، بل تقدم مساحة أولية تساعد أبناء المدينة على تطوير أفكارهم، معتبرًا أن الأثر قد يبدأ صغيرًا لكنه يمكن أن يفتح الباب أمام مبادرات ومشاريع أخرى.
وأشار إلى أن المجتمع المحلي في داريا لا يقتصر على أبناء المدينة الأصليين، بل يشمل جميع المقيمين فيها، لافتًا إلى نية القائمين على المبادرة دعوة فئات أخرى، بينهم مسيحيون ودمشقيون مقيمون في داريا، للاستماع إلى احتياجاتهم ووجهات نظرهم.
الاتصالات والشبكات ضمن المحاور
هدى حمود، وهي خريجة هندسة مدنية ومتطوعة في المبادرة، قالت لعنب بلدي إن ما جذبها إلى المشاركة هو ارتباط المبادرة باختصاصها وبفكرة إعادة تأهيل داريا بعد سنوات الحرب.
وأضافت أن المحور الذي تعمل عليه يرتبط بالاتصالات والشبكات، بسبب ما تعانيه المدينة من ضعف في خدمات الاتصال والإنترنت، نتيجة تضرر البنية التحتية والشبكات والأبراج.
وأوضحت أن التدريب يتضمن محاور متعددة، يختار كل مشارك محورًا لدراسته وجمع البيانات حوله، بهدف تحديد أبرز المشكلات التي يعاني منها السكان، ثم مناقشة الحلول الممكنة مع المجتمع المحلي.
وبحسب حمود، لا تقتصر المبادرة على النقاش النظري، بل تسعى إلى إشراك الأهالي في تحديد المشكلات والأولويات قبل الانتقال إلى طرح الحلول.
مخاوف من بقاء الأفكار دون تنفيذ
في المقابل، طرح مدير المشاريع في جمعية “الأنس”، محمد عوض، تساؤلات حول قدرة المبادرات الصغيرة على التعامل مع حجم الاحتياجات في داريا.
وقال لعنب بلدي عوض إن فكرة إشراك الشباب في اقتراح حلول لمشكلات المدينة إيجابية، لكنه اعتبر أن الدعم المتاح لا يزال محدودًا مقارنة بحجم الملفات المطروحة، خصوصًا عند الحديث عن إعادة الإعمار أو الاقتصاد أو معالجة الأبنية المتضررة.
وتساءل عوض عن الجهة التي ستنفذ الحلول المقترحة، وما إذا كانت ستنفذ بالتعاون مع المؤسسات الحكومية أو بدعم خارجي، أم ستبقى ضمن إطار النقاشات فقط.
وأضاف أن سكانًا في داريا سمعوا خلال السنوات الماضية كثيرًا من المبادرات والأفكار، لكنهم ينتظرون نتائج عملية على الأرض.
ثلاث تدخلات في المساحات العامة
قال المعماري ومؤسس مؤسسة “ريبارامترايز”، محمد زوار النوري، لعنب بلدي إن المؤسسة تعمل على استراتيجيات إعادة الإعمار والتخطيط الحضري والتعافي الحضري، وتشارك في مبادرة تستهدف مدينة داريا ضمن مشروع “صلة”.
وأوضح أن المبادرة انطلقت من ضعف المشاركة المجتمعية في التخطيط الحضري، وتهدف إلى تمكين سكان داريا من فهم أدوات التخطيط والمشاركة في تحديد احتياجات المدينة.
وأضاف أن المشاركين يتدربون على قراءة واقع داريا من خلال محاور تشمل التخطيط، والصحة العامة، والبيئة، والاقتصاد، لفهم نقاط القوة والضعف والتحديات، ثم اقتراح حلول قابلة للتنفيذ.
وبحسب النوري، ستتضمن المبادرة ثلاثة تدخلات حضرية في المدينة، تنفذ بأيدي حرفيين وعمال من داريا، بما يسهم في دعم الاقتصاد المحلي.
وأشار إلى أن الجلسات الحالية ستتبعها لقاءات مع فئات مختلفة من المجتمع المحلي، بينها النساء، والوجهاء، وذوو الاحتياجات الخاصة، والتقنيون، وممثلو البلدية، إلى جانب استبيانات وجلسات استماع، قبل الوصول إلى مراحل التحليل والمسح الميداني والتصميم.
بناء المدينة بيد أهلها
قال المهندس طارق معترماوي، مدير مشروع “صلة” في منظمة “مارس”، إن المشروع يطرح فكرة إعادة تصميم داريا بعد الحرب من خلال المشاركة المجتمعية.
وأضاف لعنب بلدي أن المجتمع كان مغيبًا خلال عقود سابقة عن عملية اتخاذ القرار، وأن المرحلة الحالية تمنح فرصة لأن يأخذ السكان دورهم في التفكير بمستقبل مدينتهم.
واعتبر معترماوي أن الظروف المعيشية قد تجعل مشاركة السكان في الورشات محدودة، لكن وجود مجموعة مهتمة من أبناء المدينة ومحيطها يشكل خطوة أولى يمكن البناء عليها.
تدريب ينتهي بتدخلات عملية
تندرج الورشة ضمن مبادرة “ريكودينغ داريا”، التي تقودها مؤسسة “ريبارامترايز” تحت مظلة مشروع “صلة” المدعوم من منظمة “مارس”.
وتستهدف المبادرة 18 مشاركًا ومشاركة من أبناء داريا ومحيطها، ضمن برنامج يمتد من 7 أيار حتى نهاية حزيران 2026، ويتطلب التزامًا مكثفًا لمدة 14 يومًا خلال هذه الفترة.
وبحسب الإعلان الخاص بالمبادرة، يتلقى المشاركون تدريبًا على “منهجية التعافي الحضري” وتطبيق التصميم التشاركي على أرض الواقع، وصولًا إلى تصميم وتنفيذ تدخلات حضرية في المدينة، بالتعاون مع حرفيين محليين.
وتشمل هذه التدخلات أفكارًا مرتبطة بإحياء بعض الفراغات العامة في داريا، مثل مقاعد الجلوس التفاعلية وعناصر الفرش الحضري التي تدمج التكنولوجيا بالهوية المحلية، وفق ما ورد في إعلان المبادرة.
وتضع المبادرة اختبارها العملي خلال الأسابيع المقبلة، مع الانتقال من جلسات التدريب والنقاش إلى اختيار التدخلات الثلاثة وتنفيذها قبل نهاية حزيران، بما يحدد إن كانت “إعادة هيكلة داريا” ستبقى عنوانًا تدريبيًا، أم تتحول إلى نماذج صغيرة قابلة للتوسع داخل المدينة.

