لم يعد صوت الطائرة في سماء داريا يحمل المعنى نفسه لدى عدد من سكانها، فالصوت الذي ارتبط خلال سنوات الحرب بالخوف والبحث عن مكان آمن، بات اليوم، وفق شهادات أهالٍ تحدثوا لعنب بلدي، أقرب إلى شعور بالاطمئنان، مع اختلاف الجهة والسياق والذاكرة التي يحملها السكان عن الطيران.
وتتفق شهادات من التقتهم عنب بلدي على أن الفارق لا يتعلق بصوت الطائرة بحد ذاته، بل بما مثله هذا الصوت خلال عهد النظام السابق، حين ارتبط بالقصف والبراميل والصواريخ، مقابل رؤيته اليوم كتحليق اعتيادي أو دوريات متابعة لا تثير الخوف ذاته.
من الرعب إلى الاعتياد
قال أبو شهاب الكوز، من أهالي داريا، إن شعوره عند سماع صوت الطائرة اليوم يختلف كثيرًا عما كان عليه خلال عهد النظام السابق.
وأضاف أن الطائرة في السابق كانت “تدب الرعب في قلوب الناس”، أما اليوم فيراها أمرًا عاديًا ومصدرًا للاطمئنان، بعد أن اعتاد السكان رؤيتها في السماء دون الخوف الذي كان يرافقها سابقًا.
وتذكر الكوز أن الأطفال كانوا قديمًا يرددون أغنية “طيري طيارة طيري من ورق وخيطان”، قبل أن تتحول الطائرة خلال سنوات الحرب إلى مصدر خوف، بسبب القصف والصواريخ والبراميل التي دمرت البلاد، بحسب تعبيره.
“الفرق من الأرض إلى السماء”
يرى حاتم أبو اللبن، أبو جمال، أن صوت الطائرة اليوم يمنحه شعورًا بالراحة والطمأنينة، بعكس ما كان يحدث خلال سنوات الحرب.
وباعتقاده، فإن الطائرة اليوم تخرج في إطار الخدمة ومتابعة شؤون الناس، بينما كان ظهورها سابقًا يثير الخوف والقلق.
ووصف أبو اللبن الفرق بين المرحلتين بأنه “من الأرض إلى السماء”، معتبرًا أن الوضع الحالي أفضل بكثير، وأنه لم يعد يشعر بالخوف عند سماع صوت الطائرة.
وتذكر أن الأطفال في السابق كانوا يعرفون صوت الطائرة من الأغاني والألعاب، قبل أن يصبح هذا الصوت مرتبطًا بالخوف بعد تعرضهم للقصف، بحسب قوله.
طائرة للأمان لا للخوف
أبو حاتم أبو اللبن قال إن صوت الطائرة في السابق كان مصدر خوف كبير، أما اليوم فيراه مصدر أمان.
وأضاف أن الطائرات خلال سنوات الحرب كانت تثير الرعب بين الناس، بينما يشعر اليوم أن الوضع تغير، وأن تحليقها لم يعد يحمل المعنى نفسه الذي ارتبط بذاكرة الحرب.
واعتبر أن الطائرة اليوم أصبحت مرتبطة بالأمان لا بالخوف، بعد أن كانت مصدرًا للقلق خلال السنوات الماضية.
ذاكرة الأطفال مع الطائرة
بالنسبة إلى مروان أبو حرب، من سكان داريا، فإن شعور الناس تغير عند سماع صوت الطائرة، إذ يقول إن “الخوف تبدل إلى أمن”، بحسب تعبيره.
وأضاف أن السكان كانوا في السابق يخافون من صوت الطائرة، ويهربون أو ينتظرون لمعرفة أين ستقصف، بينما باتوا اليوم ينظرون إليها باعتبارها جزءًا من حالة الأمان.
وأشار إلى أن الأطفال خلال سنوات الحرب كانوا يراقبون الطائرات بخوف، لأنهم يعرفون أنها قد تقصف، بينما يراها اليوم مرتبطة بالحماية لا بالتهديد.
صوت يستدعي ذاكرة الحرب
قال أبو سعيد السقا إن سماع صوت الطائرة اليوم يجعله يشعر بالسرور والاطمئنان، بعدما كان الصوت نفسه يثير الرعب والخوف خلال سنوات الحرب.
وأضاف أن الطائرة تذكره بالمراحل الصعبة التي مرت على الأهالي خلال عهد النظام السابق، وبالمعاناة التي عاشها السكان مع القصف.
وأوضح أن رؤية الطائرة قبل الأحداث كانت أمرًا عاديًا ولا تثير مشكلة، لكن بعد بداية الثورة تحولت إلى مصدر رعب بالنسبة للسكان.
وقال إن الأهالي كانوا خلال سنوات الحرب يهربون أو يختبئون عند سماع صوت الطائرة، خوفًا من القصف، بينما يشعر اليوم بالراحة عند رؤيتها.
أطفال يلوحون للطائرة
في شهادة أخرى، قال أحد سكان داريا إن سماع صوت الطائرة اليوم لم يعد يثير الخوف، بل يمنحه شعورًا بالاطمئنان.
وأضاف أنه ينظر إلى التحليق الحالي باعتباره جولة استطلاع أو متابعة، مشيرًا إلى أن الأطفال يلوحون للطائرة عند رؤيتها، في مشهد مختلف تمامًا عما كان يحدث خلال سنوات الحرب.
وتابع أن الناس سابقًا كانوا يهربون إلى الملاجئ أو يحاولون الاختفاء عن الأنظار خوفًا من القصف، خصوصًا من البراميل.
وقال إن الأطفال اليوم يتمنون رؤية الطائرة، بينما كان صوتها في الماضي مرتبطًا بالخوف والهرب.
صوت واحد وذاكرتان
تكشف شهادات السكان الذين التقتهم عنب بلدي في داريا أن صوت الطائرة جزء من الذاكرة التي تركتها سنوات الحرب في المدينة.
فالصوت نفسه الذي كان يستدعي الخوف والاختباء، بات اليوم يرى من قبل بعض الأهالي كعلامة على تغير المرحلة، وأن تحليق المروحيات لم يعد يحمل الخطر السابق.

