تلجأ مريم إلى «السيتامول» عندما تشعر بالصداع، لكنها استخدمته في فترة دراستها للثانوية العامة أيضًا في أوقات التوتر والضغط داخل الصف، بينما تقول سارة، وهي طالبة جامعية، إنها تتناوله بصورة متكررة لتتمكن من متابعة دوامها بعد التنقل يوميًا بين داريا ودمشق.
وتظهر حالات رصدتها عنب بلدي في داريا استخدام المسكن لأسباب تتراوح بين الصداع وآلام الجسم وأعراض الرشح، من دون استشارة طبية في كثير من الحالات، في وقت يقول صيدلاني في المدينة إن شراء المسكنات بصورة مباشرة وشبه يومية شائع بين زبائنه.
ويحذر طبيب من أن المشكلة لا ترتبط بتناول المسكن عند حدوث ألم عارض، بل بتكرار الأعراض والاستمرار في تسكينها دون معرفة سببها، إضافة إلى مخاطر تناول جرعات مرتفعة من «السيتامول».
حبة لمواصلة اليوم
خلال دراستها للثانوية العامة، كانت مريم (22 عامًا) تتناول «السيتامول» عند شعورها بالتوتر أو الضغط النفسي داخل الصف.
وقالت لعنب بلدي إنها كانت تتعامل معه آنذاك باعتباره وسيلة تساعدها على تجاوز اللحظة ومتابعة الدراسة، ووصفت استخدامه بقولها: «كلما شعرت بضيق أو توتر، أتناول حبة مسكن لتجاوز اللحظة والقدرة على الاستمرار».
وانتهت تلك المرحلة بالنسبة إلى مريم، لكنها تقول إن تناول «السيتامول» من دون استشارة طبية ما يزال موجودًا في محيطها الأسري، إذ يلجأ بعض أفراد العائلة إلى حبوب بعيار 1000 ملغ عند ظهور أعراض الرشح.
أما سارة (20 عامًا)، وهي طالبة تتنقل يوميًا بين داريا ودمشق، فتربط استخدامها المتكرر للدواء بالصداع الذي تعزوه إلى مشقة الطريق.
وقالت لعنب بلدي: «مع مشقة الطريق اليومي والصداع المستمر، أعتمد على السيتامول يوميًا لأتمكن من متابعة دوامي الجامعي».
وتشتري سارة المسكن مباشرة عندما تشعر بالصداع، ولا ترى أن الأمر يستدعي مراجعة الطبيب.
جرعات عشوائية
قال الصيدلاني عمر دواليبي، وهو من صيادلة داريا، لعنب بلدي، إن شراء المسكنات يتكرر بصورة شبه يومية ومن فئات عمرية مختلفة.
وأوضح أن «السيتامول» من الأدوية التي يمكن شراؤها من دون وصفة طبية، ما يجعل الوصول إليه سهلًا.
وبحسب دواليبي، يطلب كثير من الزبائن «ظرف سيتامول» مباشرة، أو خلطات مسكنة تحتوي على «السيتامول» و«الديكلوفيناك»، لمعالجة آلام الرأس والظهر، من دون الاستفسار عن الجرعة المناسبة أو الآثار الجانبية.
وقال إن بعض المراجعين ينظرون إلى المسكن باعتباره أسرع وسيلة لمتابعة العمل أو الدراسة والالتزامات اليومية، بينما لا يستجيب كثير منهم لنصيحته بمراجعة الطبيب عند تكرر الأعراض.
وأضاف: «لا توجد ثقافة كافية بخصوص الجرعات، وهناك قناعة راسخة لدى الناس بضرورة أخذ المسكن الفوري لإكمال التزاماتهم».
ويرى دواليبي أن اعتبار الصداع مشكلة بسيطة لا تستحق مراجعة الطبيب أحد أسباب استمرار هذا النمط من الاستخدام.

استخدام متكرر
مرت رؤى كمال، وهي من سكان داريا، بمرحلة تقول إنها كانت تستخدم فيها المسكنات بكثرة كلما شعرت بالألم.
وقالت لعنب بلدي إن المسكن كان يمنحها راحة مؤقتة، قبل أن يعود الألم في بعض الأحيان، ما جعلها تلجأ إليه مجددًا.
ووصفت اعتمادها عليه آنذاك بأنه أصبح عادة يصعب الابتعاد عنها، وقالت: «بصير الواحد يفقد الصبر ويلجأ للحل السريع، باخد حبة وبريح راسي».
وقبل نحو ست سنوات، بدأت رؤى تخفيف استخدام المسكنات تدريجيًا، ثم قصرت تناولها على ما تعتبره حالات ضرورية، قبل أن تتوقف عن تناول «السيتامول» كليًا.
وقالت إن منزلها لم يعد يحتوي على الدواء منذ نحو عامين.
وعندما تشعر حاليًا بألم خفيف، تقول إنها تفضل الانتظار والراحة وشرب الماء، إلى جانب أنشطة تساعدها على تخفيف التوتر.
وتربط رؤى بين تغيير عاداتها اليومية وتراجع بعض الأعراض التي كانت تعاني منها سابقًا، لكن تجربتها تبقى شخصية ولا تثبت وجود علاقة طبية بين توقفها عن المسكنات واختفاء تلك الأعراض.
متى يصبح الصداع سببًا لمراجعة الطبيب؟
قال الطبيب عبد الرحمن مطر لعنب بلدي إن تناول «السيتامول» عند حدوث صداع عارض لا يمثل مشكلة بحد ذاته، لكن تكرر الصداع أو استمرار ارتفاع الحرارة يستدعي البحث عن السبب بدل الاستمرار في تناول المسكن.
وأضاف أن تناول جرعات مرتفعة من «السيتامول» قد يسبب تسممًا في الكبد، وأن الإفراط فيه لفترات طويلة يمكن أن يؤدي إلى أضرار خطرة.
وقال مطر: «إذا استمر الصداع أو الحرارة بشكل مزمن، يصبح من الضروري مراجعة الطبيب للوقوف على السبب الحقيقي بدلًا من الاكتفاء بتسكين الأعراض».
