بعد سنوات من مغادرة داريا، يؤجل السكن والعمل والعائلة عودة ثلاثة من أربعة أشخاص تحدثوا إلى عنب بلدي من الأردن وصحنايا والكسوة، بعدما ارتبطت حياتهم بمنازل وأعمال وأقارب وخدمات في أماكن إقامتهم الحالية.
أبو وسيم عليان يملك منزلًا ومحلًا في الكسوة، واستقر أبناء سميرة راجح وأحفادها في الأردن، بينما تقيم سيرين في صحنايا بالقرب من أهلها، وتقول إن كلفة السكن والخدمات تجعل انتقالها إلى داريا صعبًا حاليًا.
أما أم عدنان عباس، المقيمة في الأردن، فتريد العودة، وتعمل على إكساء منزلها في داريا على مراحل، في وقت يدفعها ارتفاع الإيجارات وصعوبة العمل إلى محاولة تسريع تجهيز المنزل.
وتأتي هذه الحالات مع توقع بلدية داريا عودة أعداد إضافية من أبناء المدينة المقيمين خارجها.
وقال رئيس البلدية، رائد عبيد، لعنب بلدي في 16 من آب، إن عدد المقيمين حاليًا ضمن الحدود الإدارية للمدينة يتراوح، وفق تقديرات البلدية، بين 250 و275 ألف نسمة.
منزل مهدم والأبناء في الأردن
غادرت سميرة راجح داريا عام 2012، واستقرت منذ ذلك الوقت في الأردن، ولا تفكر حاليًا في العودة، بعدما دُمر منزلها في منطقة الخليج، ولا تملك المال الكافي لشراء منزل آخر في المدينة.
ولا تزال منطقة الخليج من المناطق التي ينتظر مالكوها حسم وضع منازلهم وأراضيهم.
وفي 13 من آب، تجمع عدد من أهالي المنطقة أمام مبنى بلدية داريا للمطالبة بالسماح لهم بالعودة وإعادة البناء، وقال بعضهم لعنب بلدي إن استمرار وضع المنطقة الحالي يبقيهم في مساكن مستأجرة رغم استعدادهم لإعمار منازلهم بإمكاناتهم الخاصة.
بالنسبة إلى سميرة، لا يقتصر قرار البقاء في الأردن على منزلها، فقد تزوج أبناؤها وبناتها واستقروا هناك، ويعيش أحفادها بالقرب منها، وتخشى أن تعود إلى داريا بينما لا يستطيع أبناؤها زيارة سوريا إلا على فترات متباعدة.
كما توفي معظم إخوتها خلال السنوات الماضية، ويعيش بعض من تبقى منهم خارج سوريا، لذلك تقول إن عدد أفراد عائلتها الموجودين في داريا أصبح قليلًا.
وتدخل القدرة على تأمين الدخل ضمن حساباتها أيضًا، فقد تقدم زوجها في السن ولم يعد قادرًا على العمل كما في السابق، وترى أن دخله لن يكون كافيًا لتغطية مصاريفهما إذا عادا، إضافة إلى كلفة الانتقال وتأمين السكن.
ولا تستبعد سميرة العودة نهائيًا، فإذا حُسم وضع منطقة الخليج وأصبح بإمكانها العودة إلى منزلها، تقول إنها قد تعيد النظر في قرارها.
350 دولارًا لأرخص منزل مخدّم
تقيم سيرين في صحنايا، وتضع كلفة السكن في مقدمة أسباب عدم انتقالها إلى داريا، إذ تقول إن دخل زوجها لا يسمح للأسرة بتحمل أجور المنازل فيها.
وتقدر إيجار أرخص منزل في منطقة تتوفر فيها الخدمات بنحو 350 دولارًا شهريًا، ويمكن العثور على منازل بأجور أقل في مناطق أقل خدمة، بحسب قولها، لكن فارق السعر لا يجعل الانتقال مناسبًا للأسرة.
وتتقاطع تقديراتها مع أسعار رصدتها عنب بلدي في سوق الإيجارات في داريا خلال العام الحالي، إذ تراوحت أجور المنازل في الشاميات وشارع الكورنيش بين 300 و350 دولارًا، وبين 240 و300 دولار في ساحة الترب ومحيط البلدية وشارع الثورة، بينما انخفضت في مناطق أخرى إلى ما بين 150 و200 دولار، بحسب موقع المنزل وحالته والخدمات المتوفرة في المنطقة.
ولا تقف كلفة الانتقال عند الإيجار الشهري، إذ تقول سيرين إن بعض أصحاب المنازل يطلبون دفع أجرة خمسة أو ستة أشهر مقدمًا.
ويرتبط بقاؤها في صحنايا أيضًا بعائلتها التي تعيش بالقرب منها. وإذا انتقلت إلى داريا، ستحتاج إلى استخدام وسائل النقل لزيارتهم، وهو أمر تقول إنه سيكون أصعب مع وجود ابنتها الصغيرة.
كما تفضل البقاء بالقرب من الأطباء والأشخاص الذين تعرفهم في صحنايا، وترى أن الخدمات المتاحة هناك أفضل إلى حد ما.

«رزقي هون».. أبو وسيم باقٍ في الكسوة
اشترى أبو وسيم عليان منزلًا في الكسوة قبل عدة أعوام، ولا يملك منزلًا في داريا، ويعتقد أن ثمن منزله الحالي، إذا قرر بيعه، لن يكون كافيًا لشراء منزل في مدينته.
وكانت عنب بلدي قد رصدت خلال العام الحالي ارتفاع أسعار العقارات في داريا، في وقت قال عاملون في السوق إن القدرة على شراء منزل أصبحت محدودة لدى أصحاب الدخول المحلية، بينما يعتمد بعض المشترين على مدخرات أو مصادر دخل من الخارج.
وفي المقابل، تشهد المدينة حركة بناء وترميم مستمرة، سواء لأبنية متضررة يعاد تأهيلها أو لعقارات جديدة، لكن كلفة البناء والإكساء تبقى عاملًا مؤثرًا في قدرة أصحاب المنازل على العودة إليها.
أما بالنسبة إلى أبو وسيم، فلا تقتصر المشكلة على السكن، فهو يملك محلًا في الكسوة، وأصبح مصدر دخله مرتبطًا بالزبائن الذين تعرف إليهم خلال سنوات عمله هناك.
وتعني العودة إلى داريا بالنسبة إليه البحث عن منزل ومحل جديدين، ثم إعادة تكوين شبكة الزبائن التي بناها خلال السنوات الماضية.
ويلخص سبب بقائه بالقول: «رزقي هون».
واستقر بعض إخوته أيضًا في الكسوة، بينما يزوره بقية أفراد عائلته باستمرار، ويقول إن احتياجاته الأساسية متوفرة فيها، ولا يرى حاليًا ما يدفعه إلى ترك منزله ومحله والانتقال إلى داريا.
منزل يُكسى على مراحل
تريد أم عدنان عباس العودة من الأردن إلى داريا، لكن منزلها لم يصبح جاهزًا للسكن بعد.
ولا تستطيع تحمل كلفة ترميمه وإكسائه دفعة واحدة، لذلك تنجز الأعمال على مراحل كلما توفر لديها مبلغ من المال.
ووجدت عائلات أخرى في داريا نفسها مضطرة إلى الأسلوب ذاته، فقد رصدت عنب بلدي خلال الأشهر الماضية سكانًا عادوا إلى أبنية متضررة بعد تجهيز غرفة أو جزء من المنزل بما يسمح بالسكن، بينما أجلوا بقية أعمال الترميم بسبب ارتفاع تكاليفها.
كما شهدت أحياء في المدينة خلال العام الحالي أعمال إعادة بناء وإكساء متفاوتة، وكانت الحركة أكثر وضوحًا في المناطق الأقل تضررًا أو الأقرب إلى الخدمات والأسواق، في حين بقيت إعادة السكن أصعب في المناطق التي تعرضت لدمار واسع أو ما تزال تعاني مشكلات خدمية وتنظيمية.
وفي الأردن، أصبحت كلفة الإيجار عبئًا على أم عدنان، كما تقول إن العمل والأجور باتا أكثر صعوبة بالنسبة إلى السوريين هناك. وتأمل أن يخفف انتقالها إلى منزلها في داريا من مصاريف السكن التي تتحملها حاليًا.
وتقول أم عدنان إنها تشتاق إلى أهلها وجيرانها وتشعر بالغربة في الأردن، وتختصر رغبتها في العودة بقولها إن الإنسان «مالو إلا بلده وأهله».
وتواصل إكساء المنزل على قدر ما يتوفر لديها من المال، بانتظار أن يصبح جاهزًا للسكن.

