محال مفتوحة، وأصوات باعة تتعالى في المكان، وأصيص ورد على شرفة مبنى نصفه مهدم، ومحل بقالة أعاد فتح بابه بعد سنوات من الإغلاق، مشاهد تقول إنها تختصر شعورها لحظة الوقوف هناك. وتوضح: “لما بوقف هون بحس البلد عم تقوم من تحت الركام”.
في 15 تشرين الأول 2025، عادت نجود إلى داريا بعد أن خرجت منها نهاية عام 2012 متجهة إلى لبنان، وتشير إلى أن سقوط النظام السابق أنهى السبب الرئيسي الذي دفعها إلى المغادرة آنذاك، مؤكدة أنهم انتظروا ما وصفته بـ“اللحظة المناسبة” لاتخاذ قرار العودة.
غير أن الحنين إلى المكان لم يكن الدافع الوحيد، إذ تصف سنوات اللجوء في لبنان بأنها كانت ثقيلة على المستويين النفسي والمعيشي، حيث عاشوا في ظل إقامات مؤقتة، وخوف دائم من الملاحقات، وارتفاع متواصل في الإيجارات وكلفة الكهرباء، إضافة إلى مضايقات متكررة.
وتقول: “كنا نسمع: ارجعوا على بلدكم، شو لسا قاعدين تعملوا عنا؟ أكلتوا لقمة عيشنا”، في إشارة إلى خطاب معادٍ للأجانب كان يتكرر في محيطها.
وتضيف أن زوجها كان يعمل لساعات طويلة يوميًا، وأحيانًا لا يحصل على أجره، فيما عمل إخوتها لأشهر من دون رواتب، موضحة أن أصحاب العمل في لبنان: “كانوا يقولون ما الكم معنا شي، وما كنا نقدر نطالب بحقوقنا”.
وعندما عاد أهلها إلى داريا قبلها بفترة، شعرت أن غربتها تضاعفت، فاتخذت قرار اللحاق بهم فورًا، معتبرة أن البقاء خارج المدينة لم يعد محتملًا.
صورة في الذاكرة.. وصدمة الواقع
تحتفظ نجود في ذاكرتها بآخر مشهد رأته في داريا عام 2012، وتقول إنها كانت تتوقع حجم الدمار الذي ستجده عند عودتها، لكنها تضيف: “المعرفة شيء والمشاهدة شيء آخر”.
وتتابع: “دخلت المدينة ولم استوعب حجم الدمار.. يمكن 80% متضرر.. كانت أول صدمة حقيقية لي”، في وصفها للحظة المواجهة المباشرة مع ما خلّفته سنوات الحرب.
تشير نجود إلى أن الشوارع تغيرت، وبعض الأبنية أُضيف إليها طابق أو اثنان، غير أن آثار القصف ما تزال واضحة في أحياء عديدة، بما يعكس حجم الضرر الذي لحق بالبنية العمرانية.
ولم يكن الدمار وحده ما آلمها، بل تعليقات سمعتها من بعض من بقوا في الداخل، إذ نقلت عنهم قولهم “أنتم لم تعانوا مثلنا.. كانت قنينة الغاز توصلكم للبيت بينما كنا نسجل شهرين وتلاتة لنحصل عليها”.
وترد نجود على ذلك بالقول إن الغربة كانت أيضًا “قسوة بنكهات مختلفة”، في محاولة لوصف معاناة اللجوء بوصفها تجربة لا تقل صعوبة، وإن اختلفت ظروفها.
عبور مثقل.. وصدمة مضاعفة
أم وسيم (60 عامًا) عادت إلى سوريا عبر معبر باب الهوى في أيلول 2025، وتصف رحلة العبور بأنها كانت مليئة بالارتباك والانتظار، قائلة إنها شهدت “لبكة وانتظار وعتمة”، مع غياب إنارة كافية وتأخير في استلام الحقائب، فيما كانت تقف إلى جانب زوجها المريض.
وتتحدث عن لحظة دخولها الأراضي السورية بقولها: “شميت ريحة بتحيي القلب”، قبل أن تضيف: “بس بعدها ما عاد شميتها”، في إشارة إلى مشاعر مختلطة بين الفرح والصدمة.
ومن حلب إلى داريا، امتد الطريق أمامها على مشهد من الخراب، وتصف ذلك “على مد النظر بلد كاملة مفجرة”، مؤكدة أن المشاهد التي رافقتها خلال الرحلة كانت قاسية.
وحتى اليوم، لم تخرج أم وسيم للمشي في شوارع داريا، واكتفت برؤيتها من داخل السيارة، إذ تقول إنها لم تستطع تحمّل المشاهد على نحو مباشر.
العودة.. اختبار جديد
سعيد (30 عامًا) عاد إلى داريا في آب 2025 بعد عشر سنوات قضاها في تركيا، ويقول إنه كان مدركًا لحجم الدمار وضعف فرص العمل، سواء من خلال ما أخبره به أهله أو ما شاهده عبر فيسبوك، غير أن شعوره بثقل الغربة كان دافعًا أساسيًا للعودة.
ويقول: “السبب الرئيسي يلي خلانا نترك البلد انتهى.. قلت لازم ارجع”، مضيفًا: “شفت عالسوشيال ميديا إنو البلد عم تتحسن شوي شوي.. قلت خليني ارجع شوف أهلي”. وكان أهل سعيد يتوقون أيضًا لرؤية ابنه الذي بلغ تسع سنوات ولم يروه من قبل، ما جعل قرار العودة يحمل بعدًا عائليًا إضافيًا.
وتتكرر في روايات العائدين عوامل مثل الحنين، وصعوبة اللجوء، وتصاعد الخطاب المعادي للأجانب، وتراجع فرص العمل في بلدان الإقامة، إلا أن العودة لم تعنِ بالضرورة الاستقرار، بل شكلت بداية اختبار جديد.
فنجود لم تجد منزلًا صالحًا للسكن، إذ إن بيت أخ زوجها مدمر، وبيت أهل زوجها متضرر بشدة، وهي تقيم منذ أربعة أشهر في منزل أخت زوجها، وتعتمد على بطاريات وطاقة شمسية لتأمين الكهرباء، وتقول: “بدنا نرجع نبني من أول وجديد”.
أما أم وسيم فتذكر أن شقيقها أنفق نحو 15 مليون ليرة سورية لترحيل الأنقاض فقط، واضطر إلى بيع أراضٍ وذهب والاستدانة لإعادة تأهيل منزله، مضيفة: “الترميم أصعب من شراء منزل جديد”.
وتشير إلى أن الإيجارات مرتفعة، إذ استأجر أحد أقاربها شقة مقابل 200 دولار مع دفع ستة أشهر مقدمًا، وهو ما يشكل عبئًا ماليًا إضافيًا على العائدين.
فجوة الدخل
كانت نجود تتقاضى في لبنان ما بين 350 و400 دولار شهريًا كمعلمة، بينما عرض عليها في داريا راتب يبلغ 70 دولارًا فقط. “انصدمت”، تقول السيدة.
وتوضح أنها لم تبدأ العمل فورًا بسبب الإرهاق الناتج عن الانتقال وترتيب المعاملات، كما أعادت تسجيل نفسها في الجامعة لإكمال مواد في المحاسبة، وسجلت ابنها في المدرسة، وبدأت تزور مدرستها القديمة وتمشي في الشوارع التي تغيرت ملامحها.
سعيد بدوره عمل بدوام طويل في محل ألبسة من الصباح حتى الليل، ويقول: “المعاش مقبول، بس الدوام طويل”، قبل أن يترك العمل بعد فترة ويبحث طويلًا عن فرصة أخرى، حتى وصل إلى مرحلة يأس، موضحًا، “صرت اندم إني رجعت، بس قلت فترة وبتعدي”.
وفي وقت لاحق، تمكن الشاب من العثور على عمل أفضل، ويشجع من يملك رأس مال على العودة، لكنه يحذر من اتخاذ القرار دون مصدر دخل واضح، قائلًا: “اللي بده يرجع بدون مصلحة رح يكون عبء”.
خدمات متعثرة
تصل المياه إلى بعض الأحياء مرة كل ثلاثة أيام، فيما تعتمد الكهرباء على البطاريات ونظام الأمبيرات، ويصف السكان خدمة الإنترنت بأنها بطيئة ومكلفة، في حين تؤكد نجود أن المازوت أصبح متوفرًا أكثر، وأن الخبز مؤمن بعد تشغيل أفران جديدة.
أما على صعيد الدواء، فتقول أم وسيم إن كلفته في داريا أعلى وكميته أقل مقارنة بتركيا، مع وجود تفاوت بين الصيدليات، وتضيف: “كل يومين بدك تشتري من جديد”، مشيرة إلى تغير التركيبة الدوائية التي أثرت سلبًا على صحة زوجها قبل أن يعتاد عليها.
“عادت الروح”.. لكن
على الرغم من التحديات، يرى سعيد أن الحياة الاجتماعية في داريا استعادت شيئًا من طبيعتها، ويقول: “هون الحياة الاجتماعية بعدها متل قبل الحرب. تركيا كانت دائرة صغيرة. أما هون الناس بتعرف بعض”.
وتشير نجود إلى دعم الجيران، وأن أحد الجيران يزودهم بالمياه من بئره الخاص عند الحاجة، فيما تؤكد أم وسيم أن اشتياقها للحارة والجيران كان أكبر من اشتياقها للبيت نفسه، لكنها تضيف: “بس في شي تغير”.
لم يعد الجميع
بينما يقف بعض العائدين في ساحة التربة ويصفون المدينة بأنها “خلية نحل”، هناك من ينظر من بعيد.
حسام (38 عامًا) لم يتخذ قرار العودة بعد، ويقول إن الأمر ليس بسيطًا، موضحًا: “العودة بدها إمكانيات ومكان تعود له. ما في سكن، والتعليم يعاني”، مضيفًا أن لديهم التزامات في مكان إقامتهم الحالي، إلى جانب ما يسميه “حواجز نفسية”.
ويشير إلى أنه يسمع روايتين من الداخل، واحدة تتحدث عن تحسن الأوضاع، وأخرى تحذر: “أوعى ترجع”، معتبرًا أن بعض الصور المتداولة “وردية أكثر من اللازم”، وأن القرار يرتبط بظروف كل عائلة على حدة.
ويرى أن العودة بالنسبة له معادلة تتعلق بالسكن والتعليم والدخل والصحة، فإذا توفرت هذه العناصر، يصبح القرار ممكنًا.
أم أحمد (66 عامًا) لم تعد أيضًا، إذ إن بيتها مدمر وزوجها يحتاج إلى علاج دائم، وتقول إن وضعها الصحي والمعيشي “ما بيسمح”، مضيفة أنها تسمع عن اكتظاظ المدارس وارتفاع الإيجارات وصعوبة العمل ومحدودية الخدمات الصحية، وترى أن المدينة تحتاج “بحرًا من الأموال” كي تقف على قدميها.
مدينة بين قرارين
مع اقتراب المساء، تضاء بعض الشرفات في أبنية أُعيد تأهيلها جزئيًا، وتبدو ملامح الحياة وهي تعود تدريجيًا، غير أن قرار العودة نفسه ما يزال موضع اختبار مستمر.
في داريا اليوم، لا يكفي الحنين وحده لحسم القرار، إذ أصبحت شروط مثل السكن والدخل والتعليم والرعاية الصحية عوامل تسبق العاطفة، فمن يملك جزءًا منها يغامر بالعودة، ومن يفتقدها ينتظر.
فالمدينة لن تعود كما كانت قبل الحرب، لكنها أيضًا لا تبقى كما كانت في سنواتها القاسية، بل تقف في مساحة انتقالية بين ذاكرة ثقيلة وواقع لم يستقر بعد.
