بعد نحو أسبوع من السماح لأهالي داريا بدخول مدينتهم أواخر عام 2018، عادت إسراء إلى منزل عائلتها.
كان خالها قد سبقها إلى المنزل، وشاهد أشخاصًا يأخذون من محتوياته من دون أن يتمكن من منعهم. وعندما وصلت إسراء، لم تجد الأثاث الذي تركته العائلة، وكانت الغرف مكسرة وأجزاء من الجدران منهارة.
لم تبدأ البحث عن الأثاث، بل اتجهت إلى المكان الذي كانت العائلة تحفظ فيه ألبومات الصور.
كانت تعرف موقعها تقريبًا، فبحثت وحفرت بين الأنقاض حتى عثرت عليها وأخرجتها من المنزل.
في تلك الألبومات بقيت صور إسراء وهي طفلة، وصور والدتها في طفولتها، والعائلة في ثمانينيات القرن الماضي، إلى جانب صور الأجداد والأعمام وأقارب رحل معظمهم. وبين الصور واحدة ما يزال تاريخها ظاهرًا: 3 أيار 1989.
كان والدها، عادل، قد التقط قسمًا كبيرًا من هذه الصور بكاميرا فيلمية يحملها في الرحلات والأفراح والزيارات العائلية، ثم يأخذ الفيلم إلى الاستديو وينتظر أيامًا حتى يشاهد مع أسرته الصور بعد تحميضها وطباعتها.
بقيت الكاميرا في داريا عندما نزحت العائلة إلى شواقة عام 2012، ولم يتمكن عادل من استعادتها بعد إغلاق المدينة، أما الصور التي التقطها قبل ذلك، فبقيت تسجل سنوات من حياة أبنائه إسراء ومحمد وقصي، والأعياد والأعراس والجمعات العائلية.
ابنته سارة، المولودة في تشرين الثاني 2013، بدأت صور طفولتها بطريقة مختلفة. التقطت العائلة صورها بهاتف “نوكيا X2”، وما يزال بعضها محفوظًا على بطاقات ذاكرة.
بين الأخت الكبرى والصغرى تغيرت وسيلة التصوير داخل العائلة، من كاميرا وفيلم ينتظر التحميض والطباعة، إلى هاتف يستطيع التقاط عشرات الصور خلال دقائق.
لكن سنوات الحرب والنزوح غيرت أيضًا مصير الصور نفسها. خرجت ألبومات من تحت الأنقاض، واحترقت أو فقدت أخرى، واستعادت عائلات بعض صورها من هواتف أقارب وأصدقاء كانوا يحتفظون بنسخ منها.
أيام حتى تظهر الصورة
كان محمد خير دباس في الصف السابع عندما بدأ، عام 1985، رحلة استمرت عقودًا مع التصوير.
دخل المهنة مصادفة، بعدما اتفق مع صديق على البحث عن عمل في دمشق خلال العطلة الصيفية، وانتهى بهما الأمر في “استديو سميراميس” قرب جسر فيكتوريا.
وخلال سبعة أعوام، تنقل دباس بين استديوهات ومخابر تصوير في دمشق، منها “الفردوس” و”الشهباء” و”أفاميا” ومختبرات “شحادة”، وتعلم المهنة بالممارسة من دون دراسة أكاديمية.
وفي عام 1992، افتتح “مختبرات وتصوير الضياء” في شارع الشاميات بداريا، خلف مسجد أنس.
استخدم دباس كاميرا “كانون A-1” للتصوير الملون، بينما اعتمد التصوير بالأبيض والأسود داخل الاستديو على كاميرا كبيرة مثبتة على حامل.
ولم يكن التقاط الصورة سوى بداية العمل، ففي الغرفة المظلمة، كان الفيلم يوضع في محلول الإظهار ثم يجفف، وتعالج بعض الشوائب يدويًا بأقلام خاصة، قبل طباعة الصور على ورق مخصص وتحميضها وتثبيتها وتجفيفها وقصها.
كان دباس يحمّض أفلام الأبيض والأسود داخل الاستديو، ويرسل الأفلام الملونة إلى مخابر متخصصة في دمشق، كما كان الزبائن يحضرون إليه الأفلام التي التقطوها بكاميراتهم المنزلية.
لم تكن عملية التحميض نفسها تحتاج بالضرورة إلى أيام، لكن كثرة العمل كانت تعني أن يطلب من الزبون العودة بعد نحو يومين لاستلام الصور.
وبعد تسليمها، كان يحتفظ بأرشيف من الأفلام يرتبه بحسب التاريخ أو الرقم أو اسم الزبون، للعودة إليه عندما يطلب أصحاب الصور نسخًا إضافية.
وكانت الأعياد والأعراس ورأس السنة وأعياد الميلاد ومواسم الثلج وبداية المدارس والجامعات من أكثر الفترات ازدحامًا. في تلك الأيام، كانت العائلات والطلاب يقصدون الاستديو لالتقاط صور جديدة.
ويتذكر دباس انتظار الزبائن لمعرفة كيف ظهرت صورهم، والفرح الذي يرافق استلامها، ويقول إن “للتصوير في الماضي نكهته وبهجته”، حين كانت نتيجة الصورة تبقى مجهولة حتى موعد تسليمها.
طوابير أمام “استديو حبيب”
في “استديو حبيب”، الذي أسسه حبيب حنون، بدأت قصة أخرى من تاريخ التصوير في داريا.
كان حنون، خريج المعهد الرياضي وأستاذ الرياضة في ثانوية الغوطة الغربية في الثمانينيات، قد بدأ العمل مصورًا جوالًا في التسعينيات، يتنقل على دراجته الهوائية بين بيوت الأهالي ومناسباتهم لالتقاط الصور.
اتخذ لاحقًا من كشك داخل الحديقة العامة في شارع الثانوية الشرعية موقعًا ثابتًا لعمله، قبل أن ينتقل إلى محل مقابل الحديقة.
واليوم يعمل في الاستديو ابنه إياد حنون، الذي بدأ مساعدة والده وهو في الخامسة عشرة.
كان شقيقاه أكثر انخراطًا في التقاط الصور، بينما تولى إياد نقل الأفلام إلى دمشق لتحميضها وإحضار مستلزمات المحل.
داخل الاستديو، كانت الخلفيات تثبت على الجدران، وتوضع أمامها الدببة والألعاب ليقف الزبائن بينها، وكان ترتيب المشهد قبل التصوير جزءًا من العمل، إذ لم تكن الخلفية قابلة للتغيير بعد التقاط الصورة كما يحدث اليوم.
وفي الربيع، كان الأهالي يستدعون حبيب إلى منازلهم لالتقاط صورهم أمام الأزهار، كما كان يصور العائلات في الحديقة. ولم يقتصر عمله على الصور الشخصية والعائلية، إذ كان يصور غرف النوم لصالح تجار الموبيليا في المعامل.
وفي الأعياد والمناسبات، يتذكر إياد طوابير الزبائن أمام “استديو حبيب”، ويشبه ازدحام المكان آنذاك بالازدحام أمام الفرن.
ومع انتقال التصوير إلى المرحلة الرقمية، تعلم إياد استخدام النسخة الثامنة من برنامج “فوتوشوب”، لكنه ما يزال يفضل الصور الفيلمية القديمة، ويصفها بأنها “أحلى وأدق”.
وتوفي حبيب حنون في تشرين الأول الماضي (2025)، بينما واصل ابنه العمل في الاستديو الذي أسسه والده.
الألبوم له “قعدة”
في منزل أم عمر القصاص، لم تكن الصور مجرد أوراق محفوظة داخل ألبوم.
تحتفظ بصورة لوالدها عندما كان في الخامسة عشرة تقريبًا، وصور للأجداد والأقارب والأعراس والخطوبات والجمعات العائلية، إلى جانب صور لأطفال التقطها مصور عندما مرت العائلة أمامه.
كانت أم عمر ترتب الصور بنفسها، وكان فتح الألبوم يتحول إلى جلسة عائلية مسائية تستعيد خلالها الأسرة قصص الأشخاص والمناسبات والأماكن.
وتختصر الفرق الذي تشعر به بين الألبوم وشاشة الهاتف بقولها: “بالألبوم غير، بتحس الصورة بتحكي”.
لا تطبع أم عمر صور هاتفها اليوم لتضيفها إلى الألبوم، لكنها ترى أن الصورة الورقية يمكن أن تبقى للأبناء إذا وجد من يحافظ عليها.
ومن الصور التي وصلت إليها لاحقًا صورة لابنها عمر خلال حصار داريا، أرسلها إليها أحد أصدقائه. واكتسبت الصورة قيمة أكبر لديها بعد مقتل ابنها في 1 أيار 2018.
ألبومات أخفيت تحت الرمل
خلال الحرب، لم يعد الاحتفاظ بالألبوم داخل خزانة كافيًا بالنسبة إلى أم عمر.
وضعت ألبومها في كرتونة، ولفته بأكثر من كيس، ثم أخفته تحت الرمل على سطح المنزل. ومع ذلك، فقدت بعض صور أولادها، قبل أن تستعيد صورًا أخرى من شخص كان يحتفظ بها على هاتفه.
أما إسراء، فأنقذت من منزل عائلتها صور طفولتها في الثلج والأعياد، وصورًا تظهر فيها على حصان داخل الحديقة، وأخرى لأشخاص وأماكن تغيرت أو اختفت.
وتقول إن قيمة هذه الصور ترتبط بما تعيده إليها من تفاصيل البيت والعائلة، وليس فقط بما يظهر داخل إطارها.
ورود الحو احتفظت بدورها بألبوم يضم صور زوجها في طفولته، وصورها وهي صغيرة، وصور أولادها وأعياد ميلادهم ومناسبات الأسرة.
عندما نزحت العائلة من داريا في 24 آب 2012، بقي الألبوم في المنزل. وعند عودتها، وجدت بعض صوره ممزقة وأخرى متضررة، ثم تبين أن شخصًا أخفاه تحت المجلى.
وفي نزوح لاحق، في 24 تشرين الثاني من العام نفسه، لم يترك زوجها الألبوم خلفه، بل لفه بقطعة قماش ووضعه بين الأغراض التي حملتها الأسرة.
لكن الصورة الأكثر حضورًا في ذاكرة ورود لم تكن داخل الألبوم.
كانت صورة شقيقها، والنسخة الوحيدة التي تملكها الأسرة له. وبعد احتراق المنزل، تقول ورود إن العائلة عثرت عليها داخل ظرف موضوع في مصحف لم يحترق.
صورت الأسرة النسخة الورقية بالهاتف، واحتفظت بعدة نسخ رقمية منها خشية فقدانها مرة أخرى.
وما تزال ورود تطبع بعض صورها الجديدة وتضيفها إلى الألبوم القديم، لأن تصفحه، بالنسبة إليها، يعيد الرحلة والمناسبة والأشخاص بطريقة لا توفرها شاشة الهاتف.
صور حملتها الأم قبل الذهب
كان لدى هاجر وأخواتها سبب آخر لإخفاء الصور.
احتفظن بصور أعراسهن في أدراج مقفلة، خصوصًا الصور التي يظهرن فيها من دون حجاب، خشية وقوعها في يد أحد خلال المداهمات أو النزوح. ثم جمعن الصور ووضعنها أمانة لدى والدتهن.
ومع انتقال الأم من منزل إلى آخر، تقول هاجر لعنب بلدي إنها كانت تحمل الصور معها قبل مصاغها الذهبي.
وصلت بها في النهاية إلى منزل الجدة قرب المركز الثقافي في داريا. خرجت الأم من المدينة قبل الجدة وتركت الصور لديها، ثم اضطرت الجدة نفسها إلى المغادرة تحت القصف، وبقيت الألبومات داخل الدرج.
وتقول هاجر إن صاروخًا أصاب المنزل لاحقًا ودمر ما فيه، فضاعت صور طفولتها وزفافها وصور أخواتها.
أكثر ما تفتقده هاجر صورها وهي طفلة. كانت تريد أن تراها بعد أن كبرت وتقارن ملامحها، كما تفتقد صور زفافها، وتقول: “ما عندي صور ورجيها لبنتي كيف كنت”.
وبعد عودة الأهالي إلى داريا، وجدت لدى أقارب والدها بضع صور قديمة تظهر فيها مع أطفال العائلة، فأخذت نسخًا منها واحتفظت بها على هاتفها، لكنها لم تستعد صور طفولتها أو زفافها.
أرشيف الاستديو أيضًا ضاع
لم تقتصر خسارة الصور على البيوت.
يقول محمد خير دباس إن معدات “مختبرات وتصوير الضياء” وأرشيف الأفلام الذي جمعه خلال سنوات عمله ضاعت في سنوات الحرب والتهجير والحصار.
ويلخص ما بقي منه بقوله: “لم يبق منه إلا ما بقي بذاكرتنا”.
لم يعد دباس إلى داريا أو يفتح محله فيها حتى الآن، ولذلك لم يراجعه أصحاب الصور القديمة بحثًا عن نسخ من أرشيفهم، لكنه يتوقع أن يسأله أشخاص عنها إذا عاد يومًا وفتح المحل، رغم أنه لم يعد يملك ما يعطيهم إياه.
من صورة واحدة إلى عشرات
اليوم، تصور إسراء أولادها بالهاتف. لم تعد بحاجة إلى إنهاء الفيلم أو الذهاب إلى الاستديو أو الانتظار يومين لمعرفة كيف ظهرت الصورة، لكنها لا تضع الصورة الرقمية والورقية في المكان نفسه.
بالنسبة إليها، تحمل الصورة المطبوعة ذكرى “حقيقية وملموسة”، رغم أنها تحفظ صور أولادها إلكترونيًا.
أما حلا حبيب، فقد تلتقط 20 صورة أو أكثر في مناسبة واحدة، ثم تحذف المتشابه وغير الواضح، وتحتفظ بالصور المرتبطة بلحظة أو مكان أو أشخاص مهمين بالنسبة إليها.
تحفظ حلا صورها على الهاتف أو بطاقة الذاكرة ولا تطبعها، وتستخدم الأدوات الرقمية لتعديل الإضاءة والتفاصيل، ومع ذلك، ترى أن الصورة الورقية تحمل قيمة معنوية أكبر، وقد تكون أكثر أمانًا إذا حفظت جيدًا.
سبق أن فقدت حلا صورًا رقمية لم تتمكن من استعادتها، لكنها لا ترى أن الهاتف ألغى قيمة الصورة، بل غيّر طريقة التقاط اللحظات والاحتفاظ بها.
وتلتقط فتون قدرة يحيى عشرات الصور خلال الرحلات والنزهات والزيارات والمناسبات العائلية، ثم تعدل بعضها بأدوات الهاتف أو تطبيقات الذكاء الاصطناعي وتحفظها في ذاكرته.
وفقدت فتون بدورها صورًا عندما تعطل هاتف سابق ولم تتمكن من استعادتها، لكنها ما تزال تفضل تصفح الصور على الشاشة، وخصصت لابنها ملفًا تجمع فيه صوره منذ ولادته لتعرضها عليه عندما يكبر.
“الجوال هو الاستديو”
يقول إياد حنون إن انتشار الهواتف قلص عمل الاستديو في صور الذكريات بنحو 80%، وأصبح جزء كبير من الطلب المتبقي مرتبطًا بالصور الرسمية لجوازات السفر والهويات وإخراج القيد ورخص القيادة، إلى جانب صور المدارس والجامعات والشهادات.
ويختصر إياد التحول بقوله: “الجوال هو الاستديو”، فالهاتف يتيح التقاط الصورة وتعديلها وتغيير خلفيتها، وهي أعمال كانت تحتاج سابقًا إلى استديو وتجهيزات وبرامج متخصصة.
ويتوقع إياد أن يقلص التطور التقني عمل استديوهات التصوير أكثر، وأن تتجه بعض الاستديوهات إلى خدمات أخرى، مثل المكتبات وتصوير المستندات.
وعاش محمد خير دباس التحول نفسه، فبعد تهجيره إلى ريف الكسوة، عمل مع استديو هناك، وانتقل من الأفلام والتحميض والرتوش اليدوية إلى الكمبيوتر و”فوتوشوب”.
ويرى أن التقنيات الجديدة سهلت مراحل كثيرة من العمل ووسعت إمكانيات المصور، لكن عدد الزبائن ونوعية الخدمات المطلوبة تغيرا مع انتشار الهواتف.
يتوقف دباس حاليًا عن العمل خلال فترة علاج فيزيائي أعقبت عملية جراحية في الظهر، لكنه يريد العودة إلى المهنة وإلى داريا.
ومن سنوات عمله الطويلة، تبقى الأعوام العشرة السابقة للحرب حاضرة في ذاكرته بما حملته من مناسبات ووجوه وصور، بعد أن ضاع الأرشيف الذي كان يحتفظ بها.
أما هاجر، فعندما زارت داريا أخيرًا، بقي هاتفها في يدها معظم الوقت.
صورت ما حولها، والتقطت صورًا جديدة مع أخواتها، بعد سنوات كانت تتمنى خلالها أن تمتلك صورة تجمعهن كأسرة.
تفتح هاجر هذه الصور يوميًا وتتأملها. الألبومات التي بقيت في الدرج لم تعد، وصور طفولتها وزفافها لم تستعدها، لكنها عادت من داريا هذه المرة ومعها صور عائلية جديدة.






