تشهد مدينة داريا منذ أسابيع حالة من الجدل الواسع بين الأهالي والناشطين حول طريقة إدارة الشأن المحلي، ولا سيما بعد تعيين رئيس جديد للبلدية قبل أيام، وما رافق ذلك من نقاشات حادة تتعلق بالشفافية، وآلية اتخاذ القرار، وحدود التشاور مع الفعاليات المجتمعية، وفي مقدمتها ما يُعرف بـ«المجمع التشاوري».
وفي ظل هذا السجال، وُجهت اتهامات إلى الإدارة المدنية لمدينة داريا بتجاوز مبدأ التشاور والانفراد بالقرار، في مقابل أصوات أخرى ترى أن ما جرى يندرج ضمن مرحلة انتقالية تفرض حلولًا مؤقتة بحكم الواقع القانوني والإداري القائم.
ولفهم موقف الإدارة المدنية لمدينة داريا من هذا الجدل، أجرت عنب بلدي، الأربعاء، 4 شباط، مقابلة مطولة مع الدكتور عبد الرحيم زيادة، عضو الإدارة، أو «مجلس الأعيان» كما يُفضِل تسميته، تناولت خلالها الأسس التي تستند إليها الإدارة في عملها، وطبيعة علاقتها مع مجتمع المدينة.
إدارة مدنية بصفة تكليف مؤقت
يوضح الدكتور عبد الرحيم زيادة أن الإدارة المدنية لمدينة داريا ليست جهة تعيين، ولا تمتلك صلاحيات تنفيذية أو قانونية لاتخاذ قرارات مفصلية، وعلى رأسها تعيين رئيس البلدية.
وبحسب القوانين النافذة، فإن قرار تعيين رئيس البلدية يعود حصريًا إلى محافظ ريف دمشق، الذي تصله ترشيحات من لجان محلية، من بينها الإدارات المدنية للمدن، لكنه غير ملزم بالأخذ بهذه الترشيحات، ويملك صلاحية رفضها جميعًا أو اختيار أي اسم آخر يراه مناسبًا.
ويشرح زيادة أن وجود الإدارة المدنية جاء كحل اضطراري بعد تحرير المدينة، في مرحلة اتسمت بغياب الكفاءات الجاهزة، وبقاء المناصب الإدارية بيد موظفين تابعين للنظام السابق، ما فرض الحاجة إلى تشكيل هيئات محلية لتسيير شؤون المدن والبلدات مؤقتًا، بناءً على الكفاءات المتاحة في كل منطقة.
ويشدد على أن هذه الهيئات لم تُنشأ بوصفها سلطة مكتسبة أو دائمة، بل باعتبارها تكليفًا مرحليًا لتسيير الأمور في ظروف استثنائية، واصفًا هذا الدور بأنه «تكليف شرعي» هدفه إنجاح الدولة الجديدة، ومؤكدًا أن التخلي عنه أو التقاعس فيه لم يكن خيارًا متاحًا في ظل غياب بدائل مؤسساتية منتخبة.
لماذا التعيين بدل الانتخاب؟
حول الجدل المتعلق باستمرار العمل بالتعيين بعد أكثر من عام على التحرير، يربط الدكتور عبد الرحيم زيادة ذلك بالإطار القانوني العام للدولة، موضحًا أن المدن والبلدات لا تملك حق إجراء انتخابات محلية من تلقاء نفسها، وأن أي عملية انتخابية تحتاج إلى موافقة الحكومة ووزارة الإدارة المحلية.
ويؤكد أن الحكومة الانتقالية لا تزال تعمل وفق قانون انتخابات قديم، وهو ما يعتبره «مرفوضًا» للمرحلة الحالية، مشيرًا إلى توقعات بصدور قانون انتخابات جديد خلال شهرين أو ثلاثة أشهر، يكون قد أُعد من قبل هيئات تشريعية، وبانتظار إقراره من مجلس الشعب.
وبناءً على ذلك، يرى زيادة أن إجراء انتخابات محلية في الوقت الراهن سيكون مخالفًا للقانون، وقد يُخلف آثارًا اجتماعية سلبية، من خلال خلق انقسامات داخل المجتمع المحلي حول من يحق له الانتخاب أو الترشح، معتبرًا أن المدينة في غنى عن هذا النوع من التوتر في هذه المرحلة.
أما عن السقف الزمني للانتقال من التعيين إلى الانتخاب، فيؤكد أن هذا القرار مرهون بالدولة حصريًا، ويرتبط بإصدار القوانين والتنظيمات الهيكلية الجديدة من وزارة الإدارة المحلية، ولا تملك الإدارة المدنية أي سلطة لتحديده.
رئيس البلدية الجديد.. خيار وحيد في ظرف صعب
فيما يتعلق بتعيين رئيس بلدية داريا الحالي، يوضح الدكتور عبد الرحيم زيادة أن الإدارة المدنية حاولت، خلال الأسابيع الماضية، فتح باب الترشح بشكل متكرر، سواء عبر جلسات عامة حضرها عدد كبير من شباب المدينة، أو من خلال التواصل المباشر مع شخصيات معروفة.
لكن هذه المحاولات، بحسب قوله، لم تُفضِ إلى أي ترشيحات فعلية، إذ لم يتقدم أي شخص لتحمل هذه المسؤولية، باستثناء الأستاذ رائد عبيد، رئيس البلدية المعيّن مؤخرًا.
ويصف زيادة منصب رئيس البلدية في داريا بأنه من أصعب المناصب، نظرًا لحجم الضغوط اليومية، وكثرة المخالفات في المدينة، وما يرافق ذلك من انتقادات واتهامات قد يتعرض لها من بعض الأهالي، كما حصل مع رئيس البلدية السابق، المهندس محمد جعنينة.
ويشير زيادة إلى أن رئيس البلدية السابق ونائبه كانا قد قدما استقالتيهما، وقُبلت رسميًا، وبقيا في البلدية فقط لتسيير أعمال بسيطة، دون امتلاك الصلاحيات القانونية اللازمة لتوقيع العقود أو اتخاذ قرارات تنفيذية، وهو ما كان يعطل مصالح المواطنين.
وفي هذا السياق، جاء قبول الأستاذ رائد عبيد تولي المنصب كحل اضطراري لتجاوز حالة الشلل الإداري، في ظرف وصفه الدكتور زيادة بأنه «محرقة للأشخاص».
صلاحيات غير مكتوبة ودور غير تنفيذي
يقر الدكتور عبد الرحيم زيادة بأن الإدارة المدنية لا تمتلك نظامًا داخليًا مكتوبًا أو وثيقة رسمية تحدد صلاحياتها بدقة، موضحًا في المقابل أن الجهات التنفيذية العاملة في داريا، كبلدية داريا، ووحدة المياه، ووحدة الكهرباء، ومديرية التربية، تعمل وفق القوانين القديمة المعمول بها على مستوى الدولة.
أما دور الإدارة المدنية، فيصفه بأنه غير تنفيذي، ويقتصر على تقديم الرأي عند الطلب، والتنسيق بين الجهات المختلفة، دون امتلاك صلاحية تنفيذ مباشرة.
خدمات تحت ضغط سكاني متزايد
يضع الدكتور عبد الرحيم زيادة ملف الكهرباء في مقدمة الأولويات الخدمية، يليه ملفا الصرف الصحي والمياه.
ويشير، فيما يخص الكهرباء، إلى أن غياب العدادات الكهربائية أدى إلى استهلاك عشوائي للطاقة، تسبب في تحميل مراكز التحويل فوق طاقتها، ما أدى إلى أعطال متكررة.
ويكشف عن مشروع مجتمعي لتأمين 20 مركز تحويل كهربائي جديد للمدينة، بتمويل من تبرعات المجتمع المحلي، إلى جانب شبكات توتر منخفض ومتوسط.
وتزداد هذه التحديات مع الزيادة السريعة في عدد السكان، إذ يقدر عدد العائدين إلى داريا منذ التحرير بنحو 100 ألف شخص، ما يشكل ضغطًا كبيرًا على البنية التحتية والخدمات، يفوق الإمكانيات المتاحة.
إنجازات مدفوعة بالمجتمع المحلي
يقول الدكتور عبد الرحيم زيادة إن مدينة داريا كانت، في عهد النظام السابق، خاضعة لعقوبات مباشرة، إذ لم يكن يُقدم لها أي دعم خدمي على مستوى الكهرباء أو المياه، وكان الخطاب الرسمي آنذاك يختصر الموقف بعبارة: «ارجعوا إلى بلدكم ودبروا حالكم».
ووفق حديثه، فإن جميع محولات الكهرباء الموجودة اليوم في داريا هي نتيجة جهود المجتمع المحلي، إذ جرى تأمينها بتمويل محلي، وبعضها كان مستعملًا، وتمت إعادة تأهيله وصيانته على نفقة الأهالي.
ويستثني من ذلك خمسة محولات فقط قدمت من منظمة UNDP، إلى جانب خط توتر متوسط معفى من التقنين، خُصص لتشغيل خمس مضخات مياه.
وفي قطاع التعليم، يشير زيادة إلى أن المجتمع المحلي تكفل بترميم عدة مدارس بعد التحرير، في حين جرى قبل التحرير ترميم 16 مدرسة بتمويل محلي أيضًا، إضافة إلى ترميم ثانويتين شرعيتين.
كما تم دفع رواتب الكادر التدريسي والإداري في مدارس داريا من موارد المجتمع المحلي.
ويقدر زيادة عدد الإعانات الشهرية المقدمة للكادر التدريسي والإداري في مدارس داريا الحكومية والشرعية بنحو 800 إعانة شهرية، مشيرًا إلى أن مدارس داريا الحكومية كانت، في فترة معينة، الوحيدة التي لا تعاني من شواغر في المعلمات، مقارنة بمناطق مجاورة.
المجمع التشاوري.. مبادرة مرحَّب بها
يصف الدكتور عبد الرحيم زيادة ما يُعرف بـ«المجمع التشاوري» بأنه مبادرة أطلقها عدد من شباب داريا العائدين من الخارج، ممن اكتسبوا خبرات متنوعة خلال سنوات الهجرة في دول أوروبية وتركيا ودول عربية، مؤكدًا أن الإدارة المدنية ترحب بأي جهد من هذا النوع وتشجع توظيف هذه الخبرات في خدمة المدينة.
ويشير زيادة إلى أن داريا، في هذه المرحلة، تحتاج إلى العمل أكثر مما تحتاج إلى أطر تنظيمية أو مسميات، معتبرًا أن أي رئيس بلدية، مهما توفرت له إمكانيات مادية، لا يستطيع العمل بمفرده في مدينة بحجم داريا، ما يستدعي وجود لجان مساندة ومتخصصة تتابع الملفات الخدمية المختلفة بشكل مباشر.
وبحسب طرحه، يمكن للشباب الراغبين بالمشاركة أن ينخرطوا بشكل عملي عبر لجان تنفيذية مساعدة، مثل لجان تعنى بالكهرباء بالتنسيق مع قسم كهرباء داريا، وأخرى لمتابعة ملف المياه، وثالثة للتعليم، إضافة إلى لجان لتنظيم المرور ومتابعة مخالفات البناء.
ويرى أن هذا النمط من العمل التنفيذي المنظم قادر على رفد البلدية ودعمها بشكل فعال، لا سيما إذا استُثمر حماس الشباب وخبراتهم بصورة عملية.
ويؤكد الدكتور زيادة أن فكرة إنشاء المجمع التشاوري جاءت من الشباب أنفسهم، وأن الإدارة المدنية لم تكن طرفًا في تشكيله أو اختيار أعضائه، موضحًا أن أعضاء المجمع اختاروا بعضهم بعضًا دون تدخل من الإدارة، التي لم تكن على علم مسبق بتفاصيل التشكيل، لكنها شجعت الفكرة بعد طرحها وأبدت استعدادها لدعمها.
وفي المقابل، يوضح زيادة أن الإدارة لا تنظر إلى المجمع بوصفه كيانًا قانونيًا أو جهة تمثيلية ملزمة، مشيرًا إلى أن مدينة بحجم داريا لا يمكن أن تُمثَّل من خلال مجموعة أو إطار غير منتخب، بل عبر هيئة انتخابية تنظمها الدولة وفق إحصاءات النفوس والتوزع السكاني والفئات العمرية.
ومن هذا المنطلق، ترى الإدارة المدنية ضرورة فتح نقاش مع القائمين على المجمع حول معايير الانتساب وآلية العمل وشروط القبول، للوصول إلى صيغ تشاورية واضحة ومتوافق عليها، خاصة في ظل ظهور مبادرات أخرى تسعى للعمل بالطريقة نفسها.
ويرد الدكتور عبد الرحيم زيادة على الاتهامات التي تقول إن المجمع التشاوري جرى تجاوزه في ملف تعيين رئيس البلدية، متسائلًا عن الصفة التمثيلية للمجمع، مضيفًا أن الإدارة كانت تتمنى لو تقدم أحد أعضاء المجمع أو غيرهم للترشح إلى جانب المرشح الوحيد الذي تقدم لمنصب رئيس البلدية، مؤكدًا أنها كانت ستقبل به، وتدرج اسمه ضمن الترشيحات المرفوعة إلى محافظ ريف دمشق.
وينهي زيادة حديثه حول هذه النقطة بالتأكيد على أن الإدارة المدنية ترحب بمشاركة الشباب، وترى أن المرحلة المقبلة تتطلب انتقال الأدوار إلى جيل جديد، في ظل تقدم أعضاء الإدارة الحاليين في العمر، داعيًا إلى الانخراط الفعلي في العمل الخدمي بدل الاكتفاء بالطرح النظري، ومؤكدًا أن دعوة المشاركة مفتوحة، ولا توجد لدى أعضاء الإدارة الحاليين أي مصلحة خاصة في البقاء ضمن الإدارة المدنية.
بين التواصل والاستجابة
ينفي الدكتور عبد الرحيم زيادة وجود قطيعة بين الإدارة المدنية وسكان داريا، مشيرًا إلى أن «مجلس الأعيان»، وهو الاسم الأدق للإدارة المدنية بحسب وصفه، يمتلك مكتبًا معروفًا في المركز الثقافي، يستقبل يوميًا أكثر من مئة مراجع من الرجال والنساء.
وتتنوع المراجعات بين شكاوى خدمية تتعلق بالمياه والكهرباء، ونزاعات بناء، وصولًا إلى بعض القضايا الاجتماعية والعائلية.
ويؤكد أن المكتب مفتوح بشكل دائم، ويضم أعضاء يداومون يوميًا، كما يمكن للأهالي التواصل مع أعضاء المجلس هاتفيًا أو مراجعتهم مباشرة في منازلهم دون الحاجة إلى مواعيد مسبقة.
أما على مستوى اللقاءات العامة، فيشير إلى تنظيم جلسات مفتوحة مع الأهالي، كان آخرها لقاء في جامع “سعد بن معاذ” الذي خصص لترشيح رئيس البلدية وحضره نحو خمسين شخصًا، طُرحت خلاله الأسئلة دون قيود، وتم الاتفاق فيه على عقد جلسات دورية كل شهر بحضور بلدية داريا ومسؤولي الكهرباء والمياه للإجابة المباشرة عن شكاوى السكان.
وفي ختام حديثه، يؤكد زيادة أن الإدارة المدنية قد لا يبقى لها أي دور خلال أشهر قليلة، مع صدور التقسيمات الهيكلية والنظام الداخلي الجديد لوزارة الإدارة المحلية.
ويرى أن النموذج الأمثل حاليًا يتمثل في رئيس بلدية قوي مدعوم بمشاركة مجتمعية فاعلة، معتبرًا أن عبء إدارة شؤون الناس ثقيل، وأن من يتصدى له يستحق الدعم أكثر من الاتهام، في مرحلة لا تزال عنوانها الأبرز الانتقال والانتظار.
