من شرفة منزلها القريب من مدرسة الحكمة في مدينة داريا، تشاهد زبيدة قريطم النيران تتصاعد من موقع تجميع النفايات في منطقة الخليج، بينما تدخل روائح الدخان والبلاستيك المحترق إلى منزلها، وتستمر أحيانًا حتى بعد انطفاء النار.
تستخدم بلدية داريا المنطقة موقعًا مؤقتًا لتجميع النفايات بسبب عدم تخصيص محافظة ريف دمشق مكبًا نظاميًا للمدينة، وفق رئيس البلدية، رائد عبيد.
وفي حين تتفاوت شهادات السكان وأصحاب المحال بشأن وتيرة الحرائق بين يومية ومرة كل يومين أو ثلاثة، تتقاطع إفاداتهم عند وصول الدخان والروائح إلى المنازل والمحال القريبة.
وتنفي البلدية إشعال النفايات، وتحمل “النباشين” المسؤولية، مؤكدة أنها تعمل على إخماد الحرائق. لكن استمرار استخدام الموقع القريب من الأحياء، في ظل نقص الآليات والعمال، يبقي السكان أمام المشكلة نفسها.

روائح البلاستيك تدخل المنازل والمحال
تقول قريطم، لعنب بلدي، إن حرق النفايات يحدث يوميًا، وإنها تشاهد النيران من منزلها.
وبحسب ما ترصده، تدخل سيارة البلدية الصفراء إلى الموقع لتفريغ النفايات، ثم يأتي “النباشون” للبحث بينها، قبل أن تحرق البقايا قرابة الساعة الثانية ظهرًا.
ولا تنتهي المشكلة بانطفاء النار، إذ تبقى روائح البلاستيك المحترق لساعات، وفق قريطم، التي تقول: “والله عم نختنق من الريحة”.
ويزيد ارتفاع درجات الحرارة صعوبة تجنب الدخان، إذ لا تستطيع إغلاق أبواب المنزل ونوافذه باستمرار.
كما يسبب لها مشهد الموقع ضيقًا نفسيًا، فهي تقيم حاليًا في منزل مستأجر، بينما ترى منزلها الواقع في المنطقة نفسها من بعيد وسط الدخان والروائح.
ولم تتقدم قريطم بشكوى إلى البلدية، ولا تعرف إن كان جيرانها قدموا شكاوى بشأن الحرائق.
وفي محيط مدرسة الحكمة أيضًا، تقول حنين إن عمليات حرق النفايات بدأت مع بداية فصل الصيف.
وترى أن المسؤولية لا تقع على البلدية وحدها، بل يتحملها أيضًا بعض الأهالي، مشيرة إلى أن البلدية تفرغ القمامة يوميًا.
ورغم أنها لا تعاني من الربو، تشعر حنين بضيق في التنفس عند انتشار الدخان، وتتساءل عن أثره في مرضى الربو. وتقترح إيجاد بدائل للحرق، منها طمر النفايات أو الاستفادة منها في إنتاج السماد، إلى جانب زيادة المساحات الخضراء.
ويمتد أثر الحرائق إلى المحال القريبة. وسام حمود، صاحب محل في بداية طريق الكورنيش، لا يعرف الجهة التي تشعل النار، لكنه يقول إن الحرق يتكرر يوميًا في الموقع نفسه، ما يدفعه إلى إغلاق باب محله والجلوس في الداخل لتجنب الدخان.
وفي إحدى المرات، كان محمد مطر يزور منزل شقيقته في منطقة البشير، قرب محطة حيدر للمحروقات، عندما اندلع حريق قرابة الساعة العاشرة مساء. وبسبب قرب المنزل من الموقع، كانت رائحة الحريق والدخان كثيفتين، لكنه لم يتمكن من معرفة من أشعل النار.
أما طارق الرفاعي، صاحب محل ألمنيوم في الكورنيش المقابل لمنطقة الخليج، فيقدر أن الحرائق تتكرر كل يومين أو ثلاثة. وبحكم بعد محله نسبيًا عن الموقع، لا يرى توقيت إشعالها، بينما تصله الروائح بدرجة أقل.
وأشار الرفاعي إلى أن البلدية نفذت قبل مدة قريبة حملة لتنظيف الموقع، شاركت فيها أكثر من 20 سيارة رحلت النفايات، متسائلًا عن مصدر القمامة التي عادت إلى المكان والجهة التي تحرقها.

شكاوى وصلت إلى البلدية والمخفر
في بداية منطقة النكاشات، يقول أحمد كنعان، وهو صاحب محل تجاري، إن طريقًا ترابيًا ينتهي عند موقع تجميع النفايات القريب من الأحياء السكنية.
وبحسب كنعان، تقدم الأهالي بعدة شكاوى إلى البلدية، وتلقوا وعودًا بإيجاد حلول من دون أن يلمسوا تغييرًا.
وبعد عدم استجابة البلدية، توجهوا إلى المخفر، لكن عناصره أبلغوهم بأن القضية ليست ضمن صلاحياتهم، وفق قوله.
ويشاهد كنعان أشخاصًا يشعلون النار في النفايات، وأحيانًا يكونون ملثمين، مشيرًا إلى أن ذلك يحدث عادة بين الرابعة والخامسة عصرًا. ولا يعرف إن كانت الحرائق تستمر خلال المساء، لأنه لا يبقى في المنطقة، بينما حاول مرة الوصول إلى الموقع لمواجهة من يشعل النار، لكنه لم يتمكن من بلوغه.
ويعاني كنعان من الحساسية، ويسبب له الدخان ضيقًا في التنفس، ما يضطره إلى إغلاق باب محله والجلوس في الداخل رغم ارتفاع درجات الحرارة.
وقال إنه تعرض قبل أيام لحالة اختناق بعدما حملت الرياح روائح القمامة والغبار إلى المكان.
ولا تقتصر معاناته على دخان المكب، إذ تتسبب مخلفات الأبنية قيد الإنشاء والغبار باتساخ الشوارع المحيطة، وفق قوله.
ورغم أن البلدية تفرغ الحاويات يومًا بعد يوم، يرى كنعان أن غياب العقوبات بحق من يحرق النفايات أو يرتكب مخالفات يسمح باستمرار المشكلة.
البلدية تنتظر تخصيص مكب نظامي
قال رئيس بلدية داريا، رائد عبيد، لعنب بلدي، إن منطقة الخليج تستخدم مؤقتًا لتجميع النفايات، بسبب عدم تخصيص محافظة ريف دمشق مكبًا نظاميًا للمدينة.
وأضاف لعنب بلدي أن البلدية طلبت من المحافظة تخصيص مكب وتزويدها بآليات وضواغط، في وقت تعاني فيه نقصًا في الآليات والعمال. ووعدت المحافظة بتأمين الاحتياجات بعد الانتهاء من دراسة الموقع المناسب، وفق عبيد.
وبرر عبيد استخدام منطقة الخليج بقربها، موضحًا أن تفريغ النفايات في موقع بعيد سيؤخر عودة الآليات، ما قد يؤدي إلى تراكم القمامة داخل المدينة بدرجة أكبر.
ونفى أن تكون البلدية وراء إشعال الحرائق، وحمل “النباشين” مسؤوليتها، مؤكدًا أن فرق البلدية تعمل على إخمادها.
وقبل نحو أسبوعين من حديثه، استعانت البلدية بفوج الإطفاء لإخماد حريق في منطقة الخليج. وبعد استمرار اشتعال النفايات، طمرتها بالتراب باستخدام “تركسات”، بحسب عبيد.
كما رصدت البلدية شخصًا تشتبه في إشعاله النيران، وعممت رقم مركبته لاتخاذ الإجراءات اللازمة بحقه.
لكن عبيد لم يحدد موعدًا لاستكمال دراسة موقع المكب النظامي أو لتزويد البلدية بالآليات المطلوبة، ما يعني استمرار استخدام الخليج موقعًا مؤقتًا لتجميع النفايات قرب الأحياء السكنية.

