تشهد مدينة داريا حاليًا بناء أكثر من 30 عقارًا في مناطق مختلفة، وفق تقدير المقاول مهند عليان، الذي يتابع حركة البناء في المدينة، فيما يقول متعهدون إن عدد الورش ازداد خلال الأشهر الستة الماضية مع عودة مستثمرين وتجار إلى سوق العقارات.
وتتركز المشاريع الحالية على الشقق السكنية، بين بناء مساكن جديدة وإعادة تشييد أبنية دمرتها الحرب، بينما يوجه بعض أبناء داريا المقيمين خارج سوريا أموالًا إلى شراء العقارات أو الاستثمار في البناء داخل المدينة.
ولا تتوفر إحصاءات رسمية عن عدد الأبنية قيد الإنشاء أو حجم عمليات البيع والشراء، لكن إفادات ثلاثة مقاولين ومتعهدين تحدثوا إلى عنب بلدي تشير إلى نشاط ملحوظ في القطاع، مع اختلافهم في تقدير حجم السوق ومقارنته بما كان عليه قبل عام 2011.
وفي مقابل اتساع الورش، تواجه حركة البناء بطء المعاملات العقارية ونقص العمالة الماهرة، إلى جانب البناء المخالف ومشكلات الملكية التي تعود في جزء منها إلى آثار الحرب، ما يجعل النشاط الحالي قائمًا بدرجة كبيرة على مشاريع منفردة أكثر من كونه توسعًا عمرانيًا متكاملًا.
الشقق السكنية تقود حركة البناء
تتوزع الأبنية التي رصدها المقاول مهند عليان بين شرقي داريا وغربيها ووسطها، ويقدر عدد العقارات التي تشهد أعمال بناء حاليًا بأكثر من 30 عقارًا.
ولا يستند هذا الرقم إلى إحصاء رسمي، بل إلى متابعة عليان للورش وحركة البناء في المدينة.
وقال متعهد البناء عهد السقا لعنب بلدي إن وتيرة البناء ارتفعت خلال الأشهر الستة الماضية، بالتزامن مع عودة مستثمرين وتجار إلى المدينة، ووصف حركة البيع والشراء بأنها نشطة.
ويتركز الطلب، بحسب المتعهدين، على الشقق السكنية أكثر من العقارات التجارية.
وقال متعهد البناء عدنان اللحام لعنب بلدي إن بعض أبناء داريا المقيمين خارج سوريا يوجهون جزءًا من أموالهم إلى شراء العقارات أو المشاركة في مشاريع البناء داخل المدينة.
وقدر اللحام أنه مقابل بيع محل تجاري واحد قد تباع نحو عشر شقق سكنية، وهو ما يدفع المستثمرين والمتعهدين إلى إعطاء الأولوية للسكن.
ويربط السقا ذلك بطبيعة الطلب لدى أبناء المدينة المقيمين خارج سوريا، إذ يبحث كثير منهم عن مساكن، بينما تبقى أعمالهم ومصادر دخلهم خارج البلاد، ما يقلل حاجتهم إلى شراء محال تجارية.
ويرتبط الطلب أيضًا بنمو العائلات خلال سنوات النزوح واللجوء، إلى جانب توجه الأبناء المتزوجين بصورة أكبر إلى تأسيس منازل مستقلة بدل الإقامة مع عائلاتهم.
كما يدفع تضرر عدد من الأبنية القديمة بعض أصحاب القدرة المالية إلى البحث عن شقق جديدة، بحسب لحام.

أسعار أقل من محيط دمشق
يرى عليان أن فارق الأسعار بين داريا وبعض مناطق دمشق يشكل عاملًا إضافيًا في السوق العقارية.
وقدر أن سعر المتر السكني في داريا يبدأ من نحو 300 دولار أمريكي، مع اختلاف السعر بحسب الموقع والإكساء والخدمات، مقابل نحو ألف دولار للمتر في منطقة كفرسوسة بدمشق.
ويعتقد عليان أن بقاء عدد من أبناء المدينة خارجها قد يرفع الطلب على العقارات في حال عودة مزيد منهم خلال الفترة المقبلة.
ومع ذلك، يختلف تقييمه لحركة السوق عن تقييم السقا، إذ يصفها بأنها تمر بحالة من الركود والتقلب، رغم توقعه زيادة الطلب مستقبلًا، بينما يصف السقا البيع والشراء بأنهما نشطان.
ولا تتوفر بيانات رسمية تبين عدد عمليات البيع المنفذة أو متوسط أسعار العقارات وحجم الأموال المستثمرة فيها، بما يسمح بحسم حجم النشاط في السوق.
بناء بأموال السكان
لا تقتصر الورش على إنشاء أبنية جديدة، بل يشكل إعادة بناء العقارات المتضررة جزءًا من النشاط الحالي.
وقال اللحام إنه شارك في إعادة بناء سبعة أبنية متضررة، بعد إزالة الأجزاء المتبقية منها، معتبرًا أن جزءًا من الورش القائمة يعيد تشييد ما خسرته المدينة خلال الحرب.
ووصف عليان حركة البناء الحالية بأنها “إعادة إعمار شعبية”، لكونها تعتمد بصورة أساسية على أموال السكان والمستثمرين من أبناء داريا.
وسبق أن شهدت المدينة، وفق عليان، الذي تعمل عائلته في قطاع البناء منذ عام 1980، موجات بناء خلال أواخر ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي، ثم بين عامي 2005 و2009، وربط النشاط في الفترة الأخيرة بإدخال مناطق جديدة إلى المخطط التنظيمي آنذاك.
ويختلف المتعهدون في مقارنة النشاط الحالي بما كان قبل عام 2011، فالسقا واللحام يريان أن الحركة اليوم أسرع، بينما يجد عليان أنها قريبة من موجة البناء بين عامي 2005 و2009.
لكن عليان والسقا يتفقان على أن النشاط الحالي أكبر مما شهدته داريا منذ بدء عودة السكان إليها عام 2019 وحتى سقوط النظام السابق، حين بقي الطلب منخفضًا وتكلفة البناء مرتفعة مقارنة بأسعار البيع.
وقال عليان والسقا، كل على حدة، إن ضباطًا وموظفين تابعين للنظام السابق كانوا يفرضون على التجار والمتعهدين مدفوعات مقابل استمرار أعمالهم، ما كان يضيف تكاليف على المشاريع.
أما اللحام، الذي كان موجودًا في لبنان خلال تلك الفترة، فقال إنه لم يشهدها بنفسه، لكنه أشار إلى أن ما نقله إليه العاملون في القطاع يفيد بأن تنفيذ المشاريع كان أصعب مقارنة بالوقت الحالي.

منافسة على البناء والواجهات
ترافق زيادة الورش منافسة بين المتعهدين في التنفيذ وشكل الأبنية.
وقال السقا إن بعض الأبنية تنجز خلال خمسة أو ستة أشهر، بعدما كانت عملية البناء تستغرق سنتين أو ثلاث سنوات، مرجعًا ذلك إلى توفر رأس المال والمنافسة بين المتعهدين.
ويقدم اللحام تقديرًا مختلفًا، إذ يقول إن الهيكل الخرساني لبناء مؤلف من خمسة طوابق يحتاج إلى نحو ستة أشهر، ثم مدة مماثلة لاستكمال المرافق والإكساء، ولا يرى أن مدة التنفيذ الإجمالية تغيرت بصورة كبيرة.
وبدأت بعض الورش باستخدام مضخات الباطون الجاهز بدل الاعتماد الكامل على الخلط في موقع البناء، بحسب عليان، الذي يرى أن الطريقة تختصر الوقت وتقلل المخاطر على العمال وتحد من مخلفات العمل في الشوارع، رغم ارتفاع تكلفتها.
ومع ذلك، يعتبر عليان أن أدوات وأساليب البناء المستخدمة في داريا ما تزال متأخرة مقارنة بما شاهده في تركيا وبعض دول الجوار.
ولا يرى السقا مشكلة رئيسية في توفر مواد البناء، ويصف أسعارها بأنها مستقرة نسبيًا، بينما قال اللحام إن سعر طن الأسمنت ارتفع من نحو 100 إلى 120 دولارًا، مشيرًا إلى استخدام الأسمنت المستورد من الأردن في الورش.
ويبرز نقص العمالة الماهرة ضمن المشكلات التي يواجهها المتعهدون، وفق اللحام، الذي أرجع ذلك إلى مغادرة عدد كبير من الحرفيين البلاد خلال سنوات الحرب، ما يتطلب متابعة أكبر من المتعهد لضبط جودة التنفيذ.
تصاميم جديدة تظهر تدريجيًا
بدأ التغيير يظهر أيضًا في واجهات بعض الأبنية.
وقال السقا إن بعض المشترين أصبحوا يشاهدون تصورًا مسبقًا لشكل الواجهة قبل بدء تنفيذها، بينما يرى عليان أن تجارب أبناء داريا في بلدان اللجوء وما شاهدوه من تصاميم ومواد إكساء بدأت تنعكس على اختياراتهم عند البناء في المدينة.
لكن اللحام يرى أن معظم الأبنية الجديدة ما تزال تعتمد تصاميم تقليدية، لأن الجزء الأساسي من النشاط الحالي يتركز على إعادة تشييد الأبنية المهدمة أكثر من إنشاء نمط عمراني جديد.
وأضاف أن شركته تدرس مشروعًا على مساحة نحو ثمانية دونمات يضم أبنية وحدائق ومستوصفًا ومسجدًا صغيرًا، لكنه ما يزال فكرة قيد الدراسة ولم يبدأ تنفيذه.
البناء أسرع من المعاملات
في مقابل حركة الورش، تستغرق بعض الإجراءات العقارية أشهرًا.
وقال السقا إن معاملات الفراغ وإثبات الملكية والحصول على القرارات القضائية قد تحتاج إلى سبعة أو ثمانية أشهر، وقد ينتهي تنفيذ البناء قبل استكمال أوراقه.
وبحسب اللحام، قد تستغرق معاملة فراغ شقة واحدة بين أربعة وخمسة أشهر، وأرجع ذلك إلى فقدان ملفات وسجلات عقارية، إلى جانب تبدل الموظفين ونقص الخبرة في بعض الدوائر.
ويربط عليان جزءًا من المشكلة باستمرار إجراءات قانونية يصفها بالقديمة والمعقدة، إضافة إلى انتشار الملكية على الشيوع.
وأوضح أن مالك حصة في بعض العقارات يستطيع التقدم بطلب رخصة للبناء، لكن إفراز الشقق وتسجيل كل منها بصورة مستقلة يظلان مرتبطين باتفاق بقية المالكين واستكمال بناء العقار ودفع الالتزامات المالية المترتبة عليه.
وتضاف إلى ذلك آثار الحرب على الوثائق، إذ قال عليان إن تضرر المحكمة وضياع جزء من أرشيف الوكالات والوثائق العقارية ترك بعض المالكين من دون نسخ تثبت حقوقهم، ما يعطل قدرتهم على التصرف بعقاراتهم أو إدخالها في مشاريع بناء.
بناء مخالف وتوسع غير منظم
بالتوازي مع الأبنية المرخصة، تحدث لحام عن بناء مخالف في أراض مصنفة زراعية، وإضافة طوابق إلى أبنية قائمة.
وحذر من إضافة عدة طوابق إلى أبنية شيدت أصلًا من طابقين من دون التحقق هندسيًا من قدرة الأساسات والهياكل على تحمل الأحمال الجديدة.
ولا تتوفر أرقام رسمية ضمن المعلومات التي حصلت عليها عنب بلدي تحدد حجم البناء المخالف مقارنة بالمرخص، كما لم يقدم المتعهدون تقارير هندسية عن أبنية محددة.
ويرى اللحام أن امتداد البناء العشوائي إلى الأراضي الزراعية يؤدي إلى نشوء مناطق بشوارع ضيقة ومن دون تنظيم متجانس، داعيًا إلى تنظيم توسع المدينة وفتح شوارع أوسع.
أما عليان، فيتوقع أن يصبح أثر حركة البناء أكثر وضوحًا في شكل داريا خلال السنوات المقبلة، وقال إن معلوماته تشير إلى وجود دراسات لمخططات تعتمد البناء الشاقولي وترك مساحات أكبر بين الأبنية، وذكر منطقتي الخليج وخلف جامع حزقيل ضمن المناطق التي يجري الحديث عنها.
ولم تحصل عنب بلدي على تأكيد رسمي لتفاصيل هذه المخططات أو مواعيد تنفيذها.
ولا يتوقع السقا تغيرًا جذريًا في الأحياء والطرق القديمة، نظرًا إلى كثافة البناء والتصاق الأبنية فيها، لكنه يرجح ازدياد الأبنية الجديدة وتحسن واجهاتها.
ويربط اللحام بطء التغيير العمراني أيضًا بوجود أبنية مهدمة تعود ملكيتها إلى مفقودين أو أشخاص خارج البلاد، إذ تتطلب إعادة بنائها تسوية أوضاع الملكية واتفاق أصحاب الحقوق وتوفر التمويل.

