لم تبدأ رحلة هبة عمر إلى عملها عند موقف السرفيس، بل قبله بنحو كيلومترين.
تخرج هبة من منزلها في طريق المعامل، إحدى المناطق الواقعة خارج مسارات السرافيس في داريا، ثم تمضي نحو 50 دقيقة سيرًا على الأقدام حتى تصل إلى أقرب موقف عند الفرن الآلي.
وإذا مرت سيارة في الاتجاه نفسه، تلوح لسائقها على أمل أن يقبل بإيصالها جزءًا من الطريق، وهي وسيلة يقول سكان إنهم باتوا يعتمدون عليها لتقليل مسافة المشي.
ولا تقتصر هذه الرحلة على طريق المعامل، إذ يضطر سكان الدحاديل وأرض المراح وفشوخ وحي جامع عثمان والجزء الواقع بعد المحكمة على طريق صحنايا إلى السير مسافات متفاوتة قبل الوصول إلى أقرب موقف، لأن السرافيس لا تدخل هذه المناطق.
وسبق أن نشرت عنب بلدي، في تقريرين نشرا في 21 من نيسان و7 من تموز، عن صعوبة انتقال سكان شواقة والفصول الأربعة إلى مركز داريا.
لكن المشكلة التي يرصدها هذا التقرير تختلف، إذ تتعلق بالمسافة التي يقطعها السكان داخل المدينة قبل أن تبدأ رحلتهم باستخدام النقل العام.
الرحلة تبدأ قبل الموقف
في أرض المراح، تمشي فتون نحو ربع ساعة حتى تصل إلى منطقة السكة أو جامع مصعب بن عمير، حيث تمر السرافيس.
وتقول إنها كانت تعتمد سابقًا على تطبيقات التوصيل للوصول إلى الموقف، لكنها توقفت عن استخدامها بعد ارتفاع أجورها، لتصبح مضطرة إلى المشي يوميًا.
ولا يضمن وصولها إلى الموقف الوصول إلى عملها في الوقت المحدد، إذ تضيف أنها تتأخر أحيانًا بسبب عدم انتظام مرور السرافيس عند وصولها.
أما في حي جامع عثمان، فتحتاج ابنة سهير خولاني، وهي طالبة جامعية، إلى السير نحو 20 دقيقة حتى تصل إلى موقف السرافيس قرب المخفر، ما يفرض عليها مغادرة المنزل في وقت أبكر من زميلاتها.
وتوضح خولاني أن ابنتها تنتظر أحيانًا خروج أحد المارة لتسير خلفه، بسبب خلو الطريق في ساعات الصباح ووجود كلاب ضالة فيه.
وتختلف المسافات بين حي وآخر، لكن سكان هذه المناطق يشتركون في أن الوصول إلى موقف السرفيس أصبح رحلة يومية بحد ذاته، تسبق استخدام وسيلة النقل العامة.
المشي ينهك المرضى
ولا يقتصر أثر هذه المسافات على العمل والدراسة، بل يمتد إلى أبسط الاحتياجات اليومية، خصوصًا بالنسبة لكبار السن ومن يعانون مشكلات صحية.
تقول أم أنس (48 عامًا)، وهي من سكان منطقة فشوخ، إن آلام الظهر تجعل المشي لمسافات طويلة مرهقًا بالنسبة لها، ومع ذلك تستغرق رحلتها للحصول على ربطة خبز نحو ساعة كاملة ذهابًا وإيابًا.
وتضيف أن أبناءها يعودون خلال الشتاء بملابس مغطاة بالطين، لعدم وجود وسيلة نقل تصل إلى منطقتهم، بينما تبلغ أجرة سيارة خاصة إلى أقرب موقف في منطقة التربة نحو 50 ألف ليرة سورية، وهي كلفة لا تستطيع الأسرة تحملها بصورة يومية لتأمين الذهاب إلى المدرسة أو العمل.
ويضع هذا الواقع السكان أمام خيارين، إما تخصيص وقت إضافي للمشي قبل بدء رحلتهم الأساسية، أو دفع أجرة سيارة خاصة للوصول إلى أقرب نقطة يخدمها النقل العام.
طرق ضيقة ومخاوف على السلامة
تزداد صعوبة التنقل مع عودة الطلاب في ساعات المساء.
ففي طريق المعامل، يصل طلاب دوام الظهيرة بعد حلول الظلام، ثم يكملون طريقهم سيرًا في شارع ضيق يفتقر إلى الأرصفة.
ويقول سكان إن الطريق يشهد مرور دراجات نارية وشاحنات كبيرة بسرعات مرتفعة، ما يزيد مخاوفهم من تعرض المشاة، ولا سيما الطلاب، لحوادث سير.
ويضيفون أن بعض الطلاب يضطرون إلى طلب الركوب مع سيارات مارة لا يعرفون أصحابها للوصول إلى منازلهم، في ظل غياب وسيلة نقل تخدم المنطقة.
السائقون: الخطوط الجديدة تحتاج موافقات
يرى سائقون يعملون على خطوط داريا أن عدم دخول السرافيس إلى هذه المناطق يرتبط بعوامل تنظيمية واقتصادية، إضافة إلى حالة بعض الطرق.
ويقول يوسف أبو محمد، وهو سائق على خط داريا، إن تشغيل خط جديد أو تعديل مسار قائم يحتاج إلى موافقات رسمية، وإن خروج السائق عن المسار المخصص قد يعرضه للمخالفة أو حجز المركبة.
ويضيف أن ذلك يمنع السائقين من تسيير رحلات إلى المناطق غير المخدمة، حتى عندما يكون هناك طلب من السكان.
ويرى سائق آخر أن دخول السرفيس إلى الأحياء ثم العودة إلى الخط الرئيسي من دون عدد كافٍ من الركاب يزيد استهلاك الوقود ولا يحقق مردودًا يغطي كلفة التشغيل، خصوصًا مع اعتماد بعض السكان على السيارات العابرة بدلًا من انتظار السرفيس.
كما يشير سائق ثالث إلى أن ضيق بعض الطرق وسوء حالتها، ولا سيما قرب منطقة فشوخ، يؤديان إلى زيادة الأعطال التي تتعرض لها المركبات، ما يدفع كثيرًا من السائقين إلى تجنب الدخول إليها.
السكان يطلبون خطوطًا أقرب إلى الأحياء
يقترح العديد من السكان تشغيل خط يصل بين أوتستراد درعا والفرن الآلي، إلى جانب تسيير سرفيس عبر شارع الكورنيش، وهو ما يقول سكان حي جامع عثمان إنه قد يخفض مدة المشي إلى أقرب موقف إلى نحو خمس دقائق.
كما تقترح فتون السماح برفع تعرفة السرفيس بمقدار محدود، مقابل تمديد مساره إلى داخل الأحياء السكنية، بدل اضطرار الركاب إلى دفع أجرة سيارة خاصة للوصول إلى الموقف.
من جهتهم، يرى السائقون أن الحل يبدأ بإعادة تنظيم الخطوط الحالية ومنح موافقات لمسارات جديدة، إلى جانب إعادة تشغيل خط الجمعيات، الذي قد يخفف عن سكان فشوخ، وتشغيل خط يربط الدحاديل بنهر عيشة، وزيادة عدد السرافيس العاملة بين داريا ودمشق.
