منذ انطلاق العام الدراسي الحالي، تتزايد شكاوى طلاب وأهالٍ في مدينة داريا من صعوبات تواجه العملية التعليمية في المدارس العامة، في ظل اكتظاظ الصفوف، ونقص الكوادر التدريسية، وغياب بعض الكتب المدرسية.
وتأتي هذه التحديات في سياق ما خلفه الدمار الذي طال عددًا من المدارس خلال سنوات الحرب، ما قلص القدرة الاستيعابية للأبنية التعليمية وزاد الضغط على المدارس المتبقية، بالتزامن مع عودة تدريجية للسكان.
كما ينعكس تدني أجور المعلمين على استقرار الكوادر، إذ اتجه بعضهم إلى ترك مهنة التدريس بحثًا عن مصادر دخل أخرى.
وتضم داريا حاليًا 18 مدرسة عامة، وهو عدد لا يبدو كافيًا لاستيعاب الأعداد المسجلة، خاصة في بعض المراحل الدراسية التي تشهد كثافة مرتفعة في الشعب الصفية.
اكتظاظ وضغط دراسي
تقول والدة أحمد الحو، وهو طالب في المدرسة الابتدائية التاسعة، إن مستوى ابنها تراجع هذا العام، مشيرة إلى أن عدد الطلاب في الصف يصل إلى نحو 40 طالبًا، ما يحد من قدرة المعلم على المتابعة الفردية.
وتضيف أن ابنها، الذي يعاني من الربو، يتأثر صحيًا بالاكتظاظ داخل الصف، ويضطر أحيانًا إلى الغياب خلال فترات المرض، ما ينعكس على تحصيله.
كما تشير إلى أن “ضغط المعلومات وكثرة الاختبارات والمذاكرات” أثر على حالته النفسية، وأدى إلى نفوره من المدرسة، لافتة إلى أن مادة الرياضيات أصبحت أكثر صعوبة عليه بعد أن كان متفوقًا فيها.
من جهتها، ترى منال الإمام، والدة طالب ابتدائي، أن أداء المدرسين جيد عمومًا، لكنها تشير إلى صعوبات في تدريس اللغات الأجنبية.
أما براءة حمودة، والدة طالب في الصف الأول بالمدرسة الرابعة، فتعتبر أن هناك ضعفًا في المتابعة، وأن بعض الأسئلة المطروحة لا تتناسب مع أعمار الطلاب في المراحل الأولى.
نقص كتب وتبديل كوادر
تشير والدة شام السمرة، الطالبة في مدرسة المحطة، إلى عدم تسليم الكتب المدرسية حتى الآن، واعتماد إرسال المنهاج بصيغة ملفات إلكترونية، ما يسبب صعوبة لبعض الأسر التي لا تمتلك أجهزة إلكترونية كافية.
بدوره، يقول حذيفة همار، طالب في الصف التاسع بمدرسة الحكمة، إن هناك نقصًا في الكتب، إضافة إلى غياب مدرسي الأنشطة الرياضية والفنية.
وتتحدث الطالبتان يارا نجار ورحمة مشوح، من ثانوية بنات داريا، عن غياب متكرر لبعض المعلمات وتبديلهن خلال العام، ما يؤثر على استيعاب المواد الدراسية وينعكس على المعدلات النهائية.
أما عامر يحيى، الطالب في الصف التاسع، فيشير إلى أنه انتقل من مدرسة الغوطة إلى معهد خاص، بسبب صعوبة فهم الدروس في ظل الأعداد الكبيرة داخل الصف، معتبرًا أن ضيق الوقت لا يتيح إعادة الشرح لمن لم يستوعب من المرة الأولى.
ضغوط إدارية ونقص موارد
مديرة مدرسة في داريا، فضلت عدم نشر اسمها، توضح لعنب بلدي أن المدارس العامة تواجه تحديات متراكمة، من بينها ضعف الوسائل التعليمية، وتراجع خبرة بعض الكوادر، إضافة إلى الاكتظاظ.
وتشير إلى أن عدد الطلاب في بعض الشعب وصل خلال الفصل الأول إلى 60 طالبًا، قبل أن ينخفض إلى نحو 35 في بعض الصفوف، مؤكدة أن هذا الضغط يحد من قدرة المعلم على المتابعة الفردية ويؤثر مباشرة على مستوى الفهم.
وتلفت المديرة إلى غياب مكتبات مدرسية فاعلة، متسائلة عن إمكانية تشجيع الطلاب على القراءة في ظل نقص المصادر المعرفية داخل المدرسة.
كما تؤكد أن تدني الرواتب دفع عددًا من المعلمين ذوي الخبرة إلى مغادرة المدارس العامة، ما أحدث فجوة في الكفاءة والاستمرارية.
من جهتها، تقول إحدى المعلمات إن وجود طلاب قادمين من دول أجنبية لا يتقنون العربية يضيف تحديًا إضافيًا، إذ إن بعضهم “لا يعرف كتابة اسمه أو الأرقام”، ما يوسع الفروق الفردية داخل الصف.
وتضيف أن التفاوت الاجتماعي والمادي بين الطلاب يولد شعورًا بالإحباط لدى بعضهم، وينعكس أحيانًا في سلوكيات كالشغب أو التنمر، في ظل ضعف متابعة بعض الأهالي.
وترى المعلمة أن استمرار تدني الرواتب والضغوط المهنية يدفع بعض المعلمين إلى التفكير بترك التدريس، ما قد يزيد من حدة نقص الكوادر في المرحلة المقبلة.

تحديات متشابكة
تعكس هذه الشهادات واقعًا تعليميًا يواجه تحديات متراكمة في مدارس داريا، تتقاطع فيها آثار الدمار مع الضغط العددي، ونقص الموارد، واستنزاف الكوادر البشرية.
وبين جهود فردية يبذلها معلمون وإدارات للحفاظ على سير العملية التعليمية، تبقى الفجوة قائمة بين الإمكانات المتاحة وحجم الاحتياج الفعلي.
وفي مدينة تشهد عودة متزايدة للسكان، تبدو المدارس العامة أمام اختبار مزدوج: استيعاب أعداد متزايدة من الطلاب، والحفاظ في الوقت نفسه على مستوى تعليمي مستقر.
