يواجه أشخاص من ذوي الإعاقة في داريا صعوبات يومية في التنقل داخل المدينة، بسبب بيئة غير مهيأة، وأرصفة غير مجهزة، وصعوبة الوصول إلى المرافق العامة، ما يجعل خروج كثير منهم من المنزل مرتبطًا بمساعدة الآخرين.
ويرى عاملون في المجال المجتمعي أن هذه العوائق تحد من فرص التعليم والعمل والاندماج، أحيانًا أكثر مما تفرضه الإعاقة نفسها.
ورغم وجود مبادرات محلية لتوفير التدريب والدعم، يؤكد مستفيدون منها أن غياب بيئة مهيأة داخل المدينة يبقى العقبة الأكبر أمام مشاركتهم في الحياة اليومية بشكل مستقل.
الخروج يبدأ بطلب المساعدة
بالنسبة إلى وردة، لا ترتبط صعوبة الخروج من المنزل بضعف البصر وحده، بل بالحاجة الدائمة إلى شخص يرافقها في كل مرة تغادر فيها منزلها.
وتعاني وردة من فقدان معظم قدرتها على الإبصار نتيجة إصابة في شبكية العين، إضافة إلى ضعف في السمع، ما يجعل تنقلها بمفردها محفوفًا بالمخاطر.
وتقول لعنب بلدي إنها تعتمد على ابنتها وابنها المراهقين، أو على أفراد من عائلة زوجها، لإنجاز كثير من احتياجاتها اليومية، خاصة أن زوجها يعاني أيضًا من إعاقة حركية.
وتضيف أن أكثر ما يرهقها ليس الإصابة نفسها، وإنما عدم قدرة الآخرين على ملاحظة حالتها أثناء السير في الشارع.
وتقول، “أحيانًا الناس ما بيعرفوا إني ما بشوف، والسيارات ما بتوقف، وأحيانًا بتعرض للشتم من السائقين، لذلك ما بطلع لحالي أبدًا”.
وكانت وردة تستفيد سابقًا من خدمات إحدى الجمعيات، قبل أن يتوقف هذا الدعم خلال الفترة الأخيرة، ما زاد اعتمادها على أسرتها.
وتأمل أن تتمكن يومًا من إجراء علاج يعيد إليها جزءًا من بصرها، لتتعلم الخياطة وتؤمن مصدر دخل يساعدها على تلبية احتياجات أسرتها.
مدينة لا تساعد الكراسي المتحركة
تواجه فاتن الحو تحديات مختلفة، لكنها تصل إلى النتيجة نفسها.
فبعد سنوات طويلة من العمليات الجراحية والمضاعفات الصحية، تعتمد فاتن اليوم على الكرسي المتحرك في تنقلها، لكنها ترى أن أكبر ما يحد من استقلاليتها هو شكل المدينة نفسها.
وتقول لعنب بلدي إن غياب المنحدرات وصعوبة الوصول إلى الأبنية العامة يحدان كثيرًا من قدرتها على الحركة خارج المنزل.
وتضيف أن توفير ممرات مخصصة للكراسي المتحركة ليس خدمة إضافية، بل حق أساسي يتيح لهم استخدام المرافق العامة دون الاعتماد الدائم على الآخرين.
ولم تكن الإعاقة وحدها سببًا في تراجع قدرتها على الحركة، إذ تروي أنها خضعت لعملية جراحية لمعالجة انحناء العمود الفقري بعد سنوات من محاولات العلاج، لكنها تعرضت، بحسب روايتها، لخطأ طبي أدى إلى إصابة في النخاع الشوكي وفقدان الإحساس في أجزاء من جسدها.
وتقول إنها كانت قبل العملية قادرة على صعود عدة طوابق رغم صعوبة حالتها، إلا أن المضاعفات اللاحقة حدت من قدرتها على الحركة بصورة أكبر، قبل أن تتعرض لاحقًا لمضاعفات صحية انتهت ببتر أجزاء من قدميها.
ورغم ذلك، لا تعتبر فاتن أن قصتها استثنائية، بل ترى أن كثيرًا من الأشخاص ذوي الإعاقة يواجهون المشكلة ذاتها عند محاولة ممارسة أبسط تفاصيل حياتهم اليومية خارج المنزل.
التعليم والعمل.. عوائق إضافية
لا تقف آثار غياب التهيئة عند صعوبة التنقل، بل تمتد إلى فرص التعليم والعمل، بحسب من تحدثوا إلى عنب بلدي، في ظل نقص البرامج التعليمية المهيأة وصعوبة الوصول إلى أماكن التدريب والعمل.
وتقول فاتن إنها حرمت من الدراسة في طفولتها، لأن المدارس في ذلك الوقت لم تكن تستقبل الأطفال ذوي الإعاقة، وهو ما انعكس لاحقًا على قدرتها على دخول سوق العمل.
وما تزال تتمنى تعلم القراءة والكتابة، واكتساب مهنة تساعدها على الاعتماد على نفسها، مشيرة إلى أنها بدأت تعلم صناعة الحلويات، لكنها لم تتمكن من تحويلها إلى مصدر دخل بسبب وضعها الصحي وصعوبة التنقل.
أما وردة، فتربط حلمها بالعمل باستعادة جزء من قدرتها على الإبصار، إذ تأمل تعلم الخياطة لتأمين احتياجات أسرتها بدل الاعتماد المستمر على الآخرين.
نظرة المجتمع تزيد الضغط
لا تقتصر التحديات على البنية التحتية، إذ يرى أشخاص من ذوي الإعاقة أن تعامل بعض أفراد المجتمع معهم يشكل عبئًا إضافيًا.
وتقول فاتن إنها لا تنزعج من إعاقتها بقدر انزعاجها من نظرات الشفقة أو التعليقات التي تشعرها بأنها مختلفة عن الآخرين، مضيفة أنها شاهدت مواقف تعرض فيها أشخاص من ذوي الإعاقة للتنمر أو السخرية.
وترى أن المشكلة لا تكمن في الإعاقة نفسها، وإنما في ضعف الوعي المجتمعي بحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة وكيفية التعامل معهم باحترام، بما يضمن استقلاليتهم ومشاركتهم في الحياة العامة.
مبادرات محلية لسد الفجوة
في مقابل هذه التحديات، تعمل جمعية “الأنس” في داريا على تنفيذ برامج تستهدف الأشخاص ذوي الإعاقة، عبر التدريب وتنمية المهارات والدعم النفسي، بعد ازدياد الحاجة إلى هذا النوع من الخدمات مع ارتفاع أعداد المصابين بإعاقات ناجمة عن سنوات الحرب، بحسب مديرة الجمعية، رزان الحموي.
ولا تقتصر أنشطة الجمعية على تقديم المساعدات، بل تشمل تطوير قدرات المستفيدين وأسرهم، من خلال تعليم القراءة والكتابة للأطفال ذوي الإعاقة أو التأخر الذهني، وتنظيم جلسات توعية للأهالي حول أساليب التعامل معهم.
كما دعمت الجمعية، بالتعاون مع جهات مانحة، 11 شخصًا من ذوي الإعاقة بمشاريع صغيرة توفر مصدر دخل، إلى جانب تنظيم دورات في صناعة الحلويات، وصيانة الهواتف، وصناعة الورد، ومحو الأمية الرقمية.
وتلخص الحموي هدف هذه البرامج بقولها، “بدنا نطلع من النمطية، الأشخاص ذوو الإعاقة إلهم حق يتعلموا ويشتغلوا ويشاركوا مثل أي شخص بالمجتمع”.
حديقة مهيأة
من بين المشاريع التي تعمل عليها جمعية “الأنس”، تأهيل حديقة عامة لتصبح ملائمة لاستخدام الأشخاص ذوي الإعاقة، عبر إنشاء منحدرات للكراسي المتحركة، وتجهيز ممرات ومساحات يسهل الوصول إليها، إضافة إلى تركيب إنارة تعمل بالطاقة الشمسية.
ويهدف المشروع إلى توفير مساحة عامة يستطيع الأشخاص ذوو الإعاقة استخدامها باستقلالية، على أن تنتقل إدارة الحديقة بعد انتهاء أعمال التأهيل إلى بلدية داريا.
لكن المشروع لم ينفذ بالكامل كما خطط له في البداية، إذ كانت الخطة تتضمن إنشاء أكشاك صغيرة داخل الحديقة، يديرها أشخاص من ذوي الإعاقة بعد تدريبهم لتأمين فرص عمل ومصدر دخل.
إلا أن اعتراضات عدد من السكان على إقامة الأكشاك دفعت إلى إلغاء هذه الفكرة، ليقتصر المشروع على تأهيل الحديقة وتجهيزها، رغم أن الخطة الأصلية كانت تستهدف استفادة نحو 25 شخصًا.
وقبل بدء أعمال التأهيل، كان الموقع عبارة عن مكب للنفايات، ونفذت فيه عدة حملات تنظيف بالتعاون مع بلدية داريا والدفاع المدني، قبل أن تتكرر مشكلة رمي النفايات بسبب ممارسات بعض الأهالي.
المواصلات عقبة أولى
لا تقتصر التحديات على تهيئة المرافق، إذ تمثل المواصلات أحد أكبر العوائق أمام مشاركة الأشخاص ذوي الإعاقة في الأنشطة والدورات.
وتحاول الجمعية تجاوز هذه المشكلة عبر تأمين وسائل نقل للمشاركين أو تغطية تكاليف المواصلات، لأن كثيرين لا يستطيعون استخدام وسائل النقل الاعتيادية.
وتتجه خطط الجمعية مستقبلًا إلى الانتقال من التدريب إلى المساعدة في توفير فرص عمل للمستفيدين، بما يتيح لهم الاستفادة من المهارات التي اكتسبوها ضمن البرامج السابقة.
مدينة مهيأة لا مبادرات متفرقة
ترى الحموي أن تحسين واقع الأشخاص ذوي الإعاقة يبدأ بتهيئة المدينة نفسها، عبر إنشاء منحدرات على الأرصفة، وتسهيل الوصول إلى الأبنية العامة، وتوفير مواقف مخصصة، وهي خطوات ما تزال محدودة رغم بعض المبادرات المنفذة بالتعاون مع جهات داعمة.
وتشير المقابلات التي أجرتها عنب بلدي إلى أن التحدي الأكبر أمام ذوي الإعاقة في داريا لا يقتصر على ظروفهم الصحية، بل يمتد إلى بيئة عمرانية وخدمية لا تزال تعيق تنقلهم ووصولهم إلى التعليم والعمل والخدمات.

