«ما عم نقدر نفتح شباك بالبيت»، بهذه العبارة تصف أم أسامة نصار أثر الورش القريبة من منزلها في داريا، إذ تقول إن الغبار والضجيج يدفعان عائلتها إلى إبقاء النوافذ مغلقة حتى في أيام الحر.
ويتحدث سكان آخرون في حي الشاميات ومحيط شارع المعضمية عن الضجيج وازدحام الطرق، إضافة إلى انتشار البراغي والقطع المعدنية المتناثرة في الشوارع والحارات قرب بعض أماكن العمل، لكنهم لا يرغبون في تقديم شكاوى ضد أصحاب الورش، بسبب علاقات الجوار والقرابة، ولأن هذه المهن تمثل مصدر دخل لأصحابها والعاملين فيها.
ويرى سكان تحدثوا إلى عنب بلدي أن نقل الورش إلى منطقة مخصصة للحرف يمكن أن يخفف أثرها في الأحياء السكنية، وهي فكرة يؤيدها أيضًا عدد من الحرفيين، لكن بشروط تتعلق بكلفة الانتقال والإيجار والملكية.
ضجيج وغبار في الأحياء
قال أحد سكان الشاميات، فضل عدم نشر اسمه حرصًا على علاقته بجيرانه من أصحاب الورش، إن أصوات العمل تؤثر، بحسب ملاحظته، في الطلاب خلال الدراسة والمرضى الذين يحتاجون إلى الراحة، إضافة إلى الأطفال وكبار السن.
وتحدث الرجل أيضًا عن وجود براغٍ وقطع حديدية في الطرق المحيطة ببعض الورش، وقال إنها تتسبب أحيانًا بأعطال في إطارات السيارات والمركبات المارة.
أما أم حسام، فتقول إن حركة المركبات المرتبطة بالورش تزيد الازدحام في الشارع وتعيق حركة السكان والسيارات داخل الحي.
وتضيف أن الغبار والضجيج يجبرانها على إبقاء نوافذ المنزل مغلقة، بينما لا تكفي المراوح لتهويته في أيام الحر.
وترى أن المساحات المحيطة بالأبنية السكنية يمكن استخدامها لحدائق أو أماكن تستفيد منها العائلات بدل إشغالها بأنشطة حرفية تسبب إزعاجًا للسكان. .

الجار صاحب الورشة
رغم هذه الشكاوى، لا يريد السكان الذين تحدثوا إلى عنب بلدي الدخول في خلاف مع أصحاب الورش أو تقديم شكاوى رسمية ضدهم.
ويقولون إن أصحاب هذه المهن هم جيران وأقارب ومعارف، وإن الورش مصدر رزق لهم، لذلك يفضلون حلًا ينقل الأعمال المزعجة بعيدًا عن المنازل من دون الإضرار بأصحابها.
ويحاول بعض الحرفيين بدورهم تخفيف أثر أعمالهم على السكان.
أبو بشار، صاحب ورشة ألومينيوم تعمل منذ أكثر من 30 عامًا، يقول إن المنطقة لم تكن مزدحمة بالسكان والمحال كما هي اليوم، لكن شكلها تغير مع عودة الأهالي وزيادة إشغال الأبنية وافتتاح محال تجارية جديدة.
ويبدأ أبو بشار عمله بين التاسعة والنصف والعاشرة صباحًا ويتوقف قبل السادسة مساء، مراعاة للسكان، بحسب قوله.
ويرى أن وجود ورشته في منطقة صناعية سيتيح له العمل من دون القلق من إزعاج الجيران، لكنه يشترط أن يكون سعر الموقع الجديد مناسبًا، وأن تكون هناك صيغة ملكية تحفظ حقه.
ولا يوافق أبو بشار على الانتقال مقابل التخلي عن محله الحالي في الشاميات، ويقترح الاحتفاظ به واستخدامه مكتبًا للتسويق والتواصل مع الزبائن بعد نقل أعمال التصنيع إلى المنطقة الجديدة.
في المقابل، لا يرغب صاحب ورشة نجارة في الشاميات، طلب عدم نشر اسمه، في الانتقال من موقعه الحالي، إذ يقول إن الزبائن يعرفون مكانه واعتادوا الوصول إليه، وإن سكان الأبنية المحيطة به من عائلته ومعارفه ولا توجد بينهم خلافات بسبب عمل الورشة.
الانتقال مشروط
بالنسبة إلى النجارين أحمد بكداش ومحمد مطر، لا يرتبط الانتقال إلى منطقة صناعية بإبعاد الضجيج عن السكان فقط، بل يمكن أن يوفر بديلًا عن إيجارات المحلات الحالية إذا كانت كلفته مناسبة.
ويقول مطر إنه سيخلي محله ويسلمه إلى صاحبه في نهاية الشهر، لأن الإيجار، بحسب وصفه، «يتضاعف كل شهر»، ولم يعد قادرًا على تحمله.
ويوافق مع بكداش على الانتقال إلى المنطقة الصناعية إذا توفرت فيها ورش بإيجارات تتناسب مع قدرتهما المالية.
ويؤيد أبو شادي، صاحب ورشة ألومينيوم، الفكرة أيضًا، ويرى أن جمع أصحاب المهنة الواحدة في سوق معروف يمكن أن يسهل وصول الزبائن إليهم، كما هو الحال في أسواق مهنية داخل دمشق.
لكنه يربط الانتقال بتجهيز المنطقة بالخدمات والبنية التحتية، وتوفير المحال بإيجارات مناسبة أو إتاحة تملكها بمبالغ يمكن تسديدها على دفعات.
وكانت عنب بلدي رصدت في تقرير نشرته في 30 من نيسان الماضي مواقف حرفيين من مقترح إنشاء منطقة صناعية في داريا، وأبدى معظم من تحدثوا إليها حينها استعدادهم للانتقال، شريطة توفير إيجارات ميسرة أو إمكانية تملك المحال بالتقسيط وآلية تراعي أوضاع أصحاب المهن.
مشروع المنطقة الصناعية ينتظر الموافقة
قال رئيس بلدية داريا، رائد عبيد، لعنب بلدي إن المنطقة الصناعية المقترحة تقع ضمن توسعة المخطط التنظيمي الجديد، وتمتد من شمال طريق الدحاديل بعمق 300 متر وصولًا إلى طريق المعامل ومحطة التكرير، وبالتوازي مع الحدود الإدارية لداريا مع أشرفية صحنايا.
وقدر عبيد عدد المصانع والمنشآت والورش الصغيرة الموجودة حاليًا ضمن حدود المنطقة المقترحة بنحو 950 منشأة، مقابل نحو تسعة آلاف محل مهني ومصنع صغير موزعة في بقية المخطط التنظيمي والحدود الإدارية للمدينة.
وأوضح أن نقل المنشآت الواقعة خارج المنطقة الصناعية إلى داخلها سيأتي في حال الموافقة على إحداثها، وفق إجراءات قانونية تتناسب مع الواقع وآلية تنفيذ المشروع.
أما تفاصيل الإيجارات والملكية والمخطط التفصيلي للمنطقة، فقال رئيس البلدية إنها ستبحث بعد الموافقة على توسعة المخطط وإحداث المنطقة الصناعية.

