أثار مقترح بلدية داريا إحداث منطقة صناعية في الجهة الشرقية من المدينة، ضمن المخطط التنظيمي الجديد، تباينًا في مواقف أصحاب الحرف والورشات، بين من يرى فيه خطوة مناسبة لإراحة الأحياء السكنية، ومن يخشى أن يتحول إلى عبء إضافي على أصحاب المحال والورشات.
وتظهر شهادات جمعتها عنب بلدي من حدادين ونجارين وأصحاب ورش وحرف مختلفة، أن الاعتراض في معظمه لا ينصب على فكرة المنطقة الصناعية نفسها، بقدر ما يتركز على آلية تنفيذها، وكلفتها، وشكل التعويض أو التمليك الذي يمكن أن يرافق نقل الورشات من مواقعها الحالية داخل المدينة.
تأييد مشروط بآلية واضحة
بالنسبة إلى عدد من أصحاب الحرف، تبدو فكرة إنشاء منطقة صناعية مقبولة من حيث المبدأ، لأنها تفصل بين النشاط الصناعي والمناطق السكنية، وتخفف ما تسببه الورشات من أصوات وغبار وحركة سيارات داخل الشوارع السكنية.
ورأى محمد خولاني، وهو حداد، أن إحداث منطقة صناعية في داريا خطوة جيدة، مفضلًا إبعاد الأعمال عن المناطق السكنية.
لكنه ربط موافقته بطريقة التنفيذ، موضحًا أن المشكلة تبدأ عندما يكون صاحب الورشة مالكًا لمحله الحالي، ثم يطلب منه الانتقال إلى المنطقة الصناعية لاستئجار محل جديد.
وبحسب خولاني، فإن أصحاب الورش لن يعترضوا إذا كانت المحال الجديدة بإيجار رمزي، أو إذا جرى تمليكها لهم بالتقسيط. واعتبر أن نقل الورشات إلى خارج المناطق السكنية سيكون أفضل للأهالي، خاصة في المناطق المنظمة سكنيًا، حيث تتخلص الأحياء من الإزعاج وتنتقل الورشات إلى موقع أنسب لطبيعة عملها.
الموقف نفسه حضر في حديث نذير خولاني، صاحب مخرطة، الذي أوضح أن المشكلة ليست في الانتقال بحد ذاته، بل في ضمان أن تكون المحال في المنطقة الصناعية مملوكة أو قابلة للتملك من قبل أصحاب الحرف.
وبرأيه، فإن وجود منطقة صناعية واسعة ومريحة سيخفف زحمة الطرقات والحارات داخل المدينة، لأن بعض الورشات تتسبب فعلًا بإشغال الطرق والمساحات الضيقة.
ومن زاوية مشابهة، اعتبر نضال حمودة، صاحب ورشة ميكانيك، أن المقترح “فكرة معقولة”، لكنه شدد أيضًا على أن تكون إيجارات المحال في المنطقة الصناعية مقبولة، أو أن تباع للحرفيين بالتقسيط.
ولفت إلى أن المنطقة الصناعية ستكون أفضل أيضًا لحركة السيارات القادمة إلى الورشات، لأنها توفر مجالًا أوسع للدخول والخروج والعمل.

منافع للأهالي ومخاوف للحرفيين
أقر عدد من أصحاب الورش بأن وجود المحال الصناعية خارج المناطق السكنية يحمل جانبًا إيجابيًا للأهالي، لا سيما في ما يتعلق بالضجيج والغبار والازدحام داخل المدينة.
ووصف أيمن الحلبي، وهو نجار، المقترح بأنه “فكرة جميلة جدًا”، لأنه يخفف “الطقطقة والضوجة والغبار” عن السكان.
ويرى أن الضغط داخل داريا أصبح كبيرًا مع كثافة المحال والورشات، لكنه في الوقت نفسه شكك في أن تكفي منطقة صناعية واحدة وحدها لاستيعاب العدد الكبير من الورشات والمحلات الصناعية، معتبرًا أن حجم النشاط الحرفي في داريا قد يحتاج إلى مساحة أكبر أو إلى أكثر من منطقة.
وأبدى عمر سويد، صاحب سوبر ماركت، نظرة إيجابية إلى المشروع من زاوية راحة الأهالي، معتبرًا أن كثرة الغبار والأصوات المزعجة الناتجة عن الورشات تجعل فكرة نقلها إلى ما بعد الفرن الآلي في الجهة الشرقية من داريا خطوة جيدة، تمنح البلدية فرصة لتحسين واقع المدينة.
وربط سويد هذا التقييم بواقع داريا الحالي، قائلًا إن البلدية تسلمت مدينة خرجت من الحرب “من تحت الصفر”.

الكلفة هي العقدة الأساسية
في مقابل هذا القبول المبدئي، تظهر الكلفة بوصفها الاعتراض الأبرز لدى أصحاب الورش، خاصة لدى أولئك الذين يعتقدون أن الانتقال إلى المنطقة المقترحة سيعني شراء محال أو استئجارها في موقع باتت فيه العقارات مرتفعة الثمن.
واعتبر أسامة عوض، صاحب ورشة رخام، أن إبعاد الضجيج والغبار عن الناس “خطوة إيجابية”، لكنه أشار إلى أن المسألة ليست بهذه البساطة بالنسبة إلى الحرفيين والتجار.
وقال إن الحديث عن نقل الورشات إلى الجهة الشرقية من داريا يطرح مشكلة حقيقية، لأن هذه المنطقة باتت، بحسب وصفه، مكتظة بالمخالفات والسكان، وارتفعت فيها أسعار العقارات بشكل كبير، حتى وصل سعر قصبة الأرض فيها إلى 50 مليون ليرة سورية.
وبحسب عوض، فإن أصحاب الورش لا يستطيعون شراء محال في هذه المنطقة بهذه الأسعار، إلا إذا وضعت البلدية آلية تساعدهم على التملك، أو أتاحت التقسيط بشروط ميسرة.
ويتكرر هذا البعد المالي في شهادات أخرى، إذ يرى كثير من أصحاب الحرف أن نقل الورشات قد يكون مقبولًا إذا رافقه تصور واضح يضمن بقاءهم في المهنة، لا أن يضيف عليهم كلفة جديدة فوق واقع اقتصادي هش أصلًا.

الوقت غير مناسب
في المقابل، برزت بين أصحاب الورش أصوات أكثر تحفظًا، ترى أن طرح المشروع الآن يأتي في توقيت غير مناسب، لأن كثيرين لم يستقروا مهنيًا بعد منذ عودتهم إلى المدينة.
وكان الحداد زاهر مطر من أكثر الأصوات رفضًا لفكرة النقل في هذه المرحلة، معتبرًا أن أصحاب الورش بدأوا حديثا بتأسيس أعمالهم بعد زوال النظام السابق، وأن الحديث عن نقلهم إلى منطقة صناعية جديدة يأتي في غير وقته.
وبحسب قوله، فإن الورشات ما تزال في طور “التأسيس شوي شوي”، ولم تصل بعد إلى مرحلة الاستقرار التي تسمح لصاحبها بتحمل أعباء انتقال جديد.
من ناحية أخرى، قال مطر إن المنطقة التي يعمل فيها لم تشهد، بحسب قوله، شكاوى من السكان، مضيفًا أن الورشات الموجودة “تمشي حالها تمشاية”، في إشارة إلى محدودية حجم العمل مقارنة بما قد يتصوره البعض عن أثرها داخل الأحياء.
بين التنظيم والواقع الاقتصادي
لا تنقسم الآراء حول المنطقة الصناعية في داريا بين مؤيد ورافض، بل تتركز حول سؤالين أساسيين: كيف سينفذ المشروع، ومن سيتحمل كلفته؟
ففي حين يرى عدد من الحرفيين أن نقل الورشات إلى خارج المناطق السكنية قد يكون أفضل للمدينة ولسكانها، يشترط كثيرون أن يقترن ذلك بتمليك المحال أو تأجيرها بإيجارات رمزية أو بأقساط مريحة.
أما من يعترضون على الفكرة الآن، فيربطون موقفهم بضعف استقرار أعمالهم، وعدم قدرتهم على تحمل أعباء جديدة بعد سنوات من الانقطاع والخسارة وإعادة البناء البطيئة.
