يستعد طلاب الشهادتين الإعدادية والثانوية في داريا لخوض الامتحانات النهائية التي تبدأ في 2 حزيران 2026، وسط تفاوت واضح في مستوى التحضير بين من نظموا مراجعتهم مبكرًا، وآخرين يواجهون ضغط المنهاج وتراكم الدروس، إلى جانب صعوبات منزلية وتعليمية تزيد من ثقل المرحلة مع اقتراب موعد الامتحان.
ومع العد العكسي لانطلاق الامتحانات، لا تبدو صورة الاستعداد موحدة بين طلاب التاسع والبكالوريا في المدينة.
فبين من يحاول ضبط وقته وتعويض ما فاته، ومن يدخل الأسابيع الأخيرة مثقلًا بمواد كثيفة أو بظروف منزلية لا تترك له مساحة كافية للدراسة، تتشكل ملامح موسم امتحاني يختبر قدرة الطالب على الاحتمال بقدر ما يختبر تحصيله الدراسي.
وخلال لقاءات أجرتها عنب بلدي مع عدد من الطلاب والمعلمين والأهالي، ظهرت الصعوبات على أكثر من مستوى.
بعض الطلاب يتحدثون عن ضغط المنهاج نفسه، وآخرون عن ضعف الحافز أو ضيق الوقت، فيما تبرز لدى قسم منهم مشكلة التوفيق بين الدراسة ومسؤوليات البيت، أو التكيف مع منهاج مختلف بعد العودة من بلدان اللجوء.
تنظيم الوقت أولًا
في عدد من الشهادات التي رصدتها عنب بلدي، بدا تنظيم الوقت العامل الأكثر حضورًا في تفسير الفارق بين طالب يشعر بأنه ما يزال ممسكًا بخطته الدراسية، وآخر يتعامل مع الامتحان كعبء متراكم يصعب اللحاق به في الأسابيع الأخيرة.
إنعام شماشان، وهي والدة إحدى الطالبات، ترى أن ابنتها تواجه ضغطًا واضحًا في مادة العلوم بسبب كثافتها، وتعتقد أن تخفيف العبء في بعض المواد يساعد الطالب على الاستيعاب بدل الاكتفاء بمحاولة إنهاء المقرر. وتقول، انطلاقًا من تجربتها، إن الدراسة المنتظمة منذ بداية العام تخفف التوتر الذي يرتفع عادة مع اقتراب الامتحانات، وتمنع تحول المادة إلى تراكم مفاجئ في نهاية السنة، وتختصر هذا المعنى بعبارة تعتبرها قاعدة عملية للنجاح، “كل بوقته”.
وفي الاتجاه نفسه، تؤكد حنين حسين أهمية الاستمرار في التدريس حتى نهاية المنهاج، وتوجه رسالة إلى المعلمين تدعوهم فيها إلى عدم التوقف في منتصف السنة، لأن أي فجوة في المراحل المفصلية تترك أثرًا مباشرًا على الطالب، خاصة في صفوف الشهادات، حيث يتحول أي نقص في الشرح أو المتابعة إلى عبء إضافي مع اقتراب الامتحان.
وتدفع هذه الفكرة بجزء من النقاش إلى ما هو أبعد من الطالب نفسه، فالمسألة لا تتعلق فقط بمدى اجتهاده الفردي، بل أيضًا باستقرار العملية التعليمية طوال العام، وبقدرة المدرسة والمعهد والمعلم على إبقاء الطالب ضمن مسار واضح، بحيث لا يضطر إلى تعويض ما فاته وحده قبل أسابيع قليلة من الامتحان.
بين الجدية والملل
في المقابل، بدت بعض الشهادات أكثر اطمئنانًا، ولو بحذر. فقد وصفت عدد من طالبات مدرسة داريا وطلاب معهد “رواد السعادة” تحضيراتهم بأنها جيدة عمومًا، رغم الإقرار بكثافة المنهاج وصعوبة بعض المواد، ولا سيما الرياضيات.
ولا يعني هذا التقييم غياب الضغط، لكنه يعكس وجود حد أدنى من الجاهزية لدى طلاب ما زالوا يرون أن الوقت المتبقي يمكن استثماره بشكل مفيد لضمان النجاح.
لكن هذه الصورة لا تشمل الجميع، فعادل مراد، وهو طالب في الصف التاسع، يقدم نموذجًا مختلفًا لطالب لا تنقصه الوسائل بقدر ما ينقصه الالتزام. فهو مسجل في معهد خاص، ويملك الوقت المناسب للدراسة، لكنه لم يدرس جيدًا خلال الفصل الأول، ويعترف بأنه يشعر بالملل من دون أن يعرف سببًا واضحًا يمنعه من المتابعة الجدية.
وتكشف هذه الشهادة أن ضعف التحضير لا يرتبط دائمًا بصعوبة المنهاج أو نقص الدعم، بل قد يرتبط أيضًا بفقدان الدافع، وهو أمر لا يظهر في العلامات فقط، بل في الطريقة التي يبدد بها الطالب أشهرًا كاملة قبل أن يشعر بخطورة المرحلة.
أما عبد الرحمن شريدي، طالب التاسع في “الشرعية”، فيرى أن التحضيرات جيدة من حيث المبدأ، لكن ذلك لا يلغي وجود ضغط في بعض المواد، مثل التاريخ والجغرافيا، بسبب كثافتها.
ويشير إلى أن المدرسة تحاول سد جزء من هذا الضغط عبر جلسات استدراك لمادة العلوم في أيام العطلة، في محاولة لتقوية الطلاب قبل الامتحان النهائي.
ويظهر هنا جانب آخر من المشهد، فالمشكلة لا تقف عند حدود الشكوى من كثافة بعض المواد، بل تمتد إلى محاولات محلية لتخفيف أثرها عبر دروس إضافية أو جلسات تعويض، وهي خطوات تساعد بعض الطلاب، لكن مفعولها يبقى متفاوتًا بحسب مدى استعداد الطالب نفسه.
أعباء المنزل تربك التحضير
في حالات أخرى، لا ترتبط صعوبة التحضير بكثافة المنهاج وحدها، بل بظروف البيت أيضًا.
هبة حيدر، القادمة من لبنان، تصف وضع ابنتها في الصف التاسع بمدرسة الحكمة في داريا بأنه أكثر تعقيدًا من مجرد الاستعداد لامتحان نهائي، إذ تضطر الطالبة إلى مساعدة أمها المريضة، ما يقتطع جزءًا من وقتها ويقلل قدرتها على المراجعة المنتظمة، إلى جانب صعوبة ما تزال تواجهها في فهم بعض المواد بسبب اختلاف المنهاج عن الذي اعتادت عليه في لبنان.
وتكشف هذه الحالة أن التحضير للامتحان لا يجري في ظروف متشابهة بين جميع الطلاب، فبعضهم يعود من المدرسة إلى وقت مخصص للدراسة، بينما يعود آخرون إلى مسؤوليات عائلية، وظروف صحية، وضغط يومي يستهلك جزءًا من تركيزهم. ومع اختلاف المنهاج، تصبح الصعوبة أكبر، لأن الطالب لا يحاول فقط إنهاء المقرر، بل يسعى أيضًا إلى التكيف مع طريقة تدريس ومفردات دراسية جديدة عليه.
وفي تقدير أحد مديري المدارس في داريا، تصل نسبة الطلاب الجيدين إلى نحو 50%، بينما تبقى نسبة الممتازين محدودة. ويربط ذلك بأن عددًا من الطلاب يدرسون بدافع ضغط الأهل أكثر من وجود رغبة فعلية في التعلم، بحيث يصبح هدف بعضهم تجاوز امتحان التاسع فقط، لا تحقيق تحصيل يمكن البناء عليه في المراحل التالية.
رهبة التاسع والبكالوريا
في الشهادة الثانوية، يأخذ الضغط شكلًا مختلفًا. فالطالبة شهد ترى أن هناك هدرًا كبيرًا للوقت، وأن رهبة التاسع تبدو أحيانًا أكبر من رهبة البكالوريا، رغم أن الأخيرة أكثر حساسية في رسم الخيارات اللاحقة.
وتلفت إلى أن الذهن ينشغل كثيرًا بالتفكير في المستقبل، ما يسحب من وقت الدراسة ويشتت التركيز، إلى جانب ما سببه الجدل حول إلغاء إحدى مادتي اللغة الفرنسية أو الإنجليزية من ارتباك إضافي لدى الطلاب، بسبب غياب وضوح مبكر وحاسم حول القرار.
وتطالب شهد أيضًا بتخفيف المنهاج، خاصة في مادة العلوم، وترى أن فترة الانقطاع عن المدارس مهمة جدًا لمن يريد التحضير بشكل أفضل، إذا استثمرت كما ينبغي.
ورغم هذا الضغط، ما تزال متمسكة بطموح شخصي كبير يتمثل في دراسة الدكتوراه في الجراحة، وهو ما يكشف أن القلق من الامتحان لا يلغي وجود أفق أبعد لدى بعض الطلاب، بل ربما يزيده إلحاحًا.
أما زميلتها ألما، فتواجه صعوبة مباشرة في التحليل ضمن مادة الرياضيات، إلى جانب مشكلة نسيان المعلومات بسرعة بين القسم الأول والثاني.
كما ترى أن التحضير ما يزال أقل من المطلوب بسبب ضيق الوقت، وتنتقد صدور قرارات خلال فترة الدراسة وقبل الامتحانات، لأن ذلك يربك الطلاب ويشتت تركيزهم. ومع ذلك، يبقى هدفها واضحًا: النجاح أولًا في البكالوريا، ثم اختيار الفرع المناسب لاحقًا.
ولا تختصر امتحانات التاسع والبكالوريا في داريا بمسألة النجاح أو الرسوب فقط، بل تبدو مرحلة يتقاطع فيها ضغط المنهاج مع القدرة على تنظيم الوقت، وتدخل فيها المدرسة والمعهد والمنزل والظروف الشخصية كلها إلى قاعة الامتحان بشكل غير مباشر.
